ما هو "نظام حماية" ترامب من الفشل؟
بحسب ما يعرضه المؤلفان، فإن جزءًا كبيرًا من ثروته لم يكن ثمرة صفقات ناجحة بقدر ما كان امتدادًا مباشرًا لإرث عائلي ضخم قُدّر بمئات ملايين الدولارات.
-
ترامب بين الحقيقة والصورة: تفكيك أسطورة رجل الصفقات
على عكس كتاب "The Art of the Deal" الذي يقدّم Donald Trump كرجل أعمال عبقري ونموذج للجرأة والمخاطرة والنجاح، يأتي كتاب "الخاسر المحظوظ" (Lucky Loser) للصحفيين الاستقصائيين سوزان كريغ وروس بوتنر ليقدّم سردية مغايرة تمامًا، تقوم على التحقيق والتوثيق بدل الترويج والصورة.
الكتاب، الصادر عن دار "بنغوين راندوم هاوس"، هو عمل استقصائي معمّق يتناول الحياة المالية لترامب، كاشفًا عن اعتماده الكبير على دعم والده Fred Trump في بناء إمبراطوريته، ومشككًا في الرواية التي سعى إلى ترسيخها عن نفسه كرجل عصامي بدأ من الصفر.
يسلّط الكتاب الضوء على فكرة محورية مفادها أن ترامب لم يكن ناجحًا بالمعنى التقليدي الذي يروَّج له، بل تكبّد سلسلة من الإخفاقات في مشاريع أساسية، من بينها كازينوهات وفنادق وشركات طيران، لم تنقذه من تداعياتها إلا شبكة من الدعم العائلي والعلاقات المصرفية والنفوذ السياسي. وبحسب ما يعرضه المؤلفان، فإن جزءًا كبيرًا من ثروته لم يكن ثمرة صفقات ناجحة بقدر ما كان امتدادًا مباشرًا لإرث عائلي ضخم قُدّر بمئات ملايين الدولارات.
ولا يكتفي الكتاب بتفكيك سردية "العصامية"، بل يذهب أبعد من ذلك، كاشفًا عن استراتيجيات مالية مثيرة للجدل، من بينها تسجيل خسائر كبيرة لتقليل الأعباء الضريبية، والاعتماد المكثف على القروض وإعادة هيكلتها، ما سمح له بالبقاء في دائرة الأعمال رغم تعثراته المتكررة.
ومن أبرز ما يتناوله الكتاب، الدور الحاسم لبرنامج "ذا أبرينتيس"، الذي أعاد تقديم ترامب كرجل أعمال ناجح في وقت كانت فيه أوضاعه المالية الحقيقية متدهورة. وقد أسهم هذا الحضور الإعلامي، إلى جانب قدرته على إثارة الجدل، في ترسيخ صورته العامة، وتحويل اسمه إلى علامة تجارية قائمة بذاتها.
في هذا السياق، لا يكتفي "الخاسر المحظوظ" بطرح سؤال النجاح أو الفشل، بل يكشف عن بُعد أكثر تعقيدًا يتمثل في قدرة ترامب على بناء ما يشبه "نظام حماية" من الفشل. فخسائره المتكررة لم تؤدِّ إلى خروجه من المشهد، بل جرى احتواؤها عبر شبكة من الضمانات العائلية والعلاقات المالية، ما جعل الفشل ذاته قابلًا للإدارة، لا نهاية حتمية للمسار.
وفي قراءة أوسع، لا يبدو ترامب مجرد حالة فردية، بل نموذجًا معبّرًا عن تحوّل أعمق في الرأسمالية المعاصرة، حيث لم يعد النجاح مرتبطًا حصراً بالإنتاج والربحية، بل بالقدرة على صناعة الصورة وإدارة الانتباه. فترامب لم يراكم الأصول فقط، بل حوّل اسمه إلى أصل اقتصادي بحد ذاته، تُشتق قيمته من حضوره الإعلامي بقدر ما تُشتق من أدائه المالي.
وهنا تتجلى مفارقة لافتة: أن النظام الذي يفترض أن يكافئ الكفاءة، قد يمنح الأفضلية أحيانًا لمن يتقن فن الظهور أكثر من فن الإنجاز. فبينما كشفت السجلات الضريبية عن خسائر ضخمة تكبّدها ترامب على مدى سنوات، ظل حضوره العام قويًا، بل تحوّل إلى رصيد سياسي مهّد لصعوده إلى السلطة.
وقد أثار الكتاب جدلًا واسعًا، لا سيما بعد أن رفع ترامب دعوى قضائية ضد مؤلفيه وناشره، مطالبًا بتعويضات ضخمة، قبل أن يرفض القضاء الأمريكي الدعوى، في ما اعتُبر انتصارًا لحرية الصحافة.
في المحصلة، لا يقدّم "الخاسر المحظوظ" مجرد سيرة مالية، بل يطرح سؤالًا أعمق: ما معنى النجاح في عصر الصورة؟
فبين سردية تمجّد "رجل الصفقات"، وأخرى تفكك هذه الصورة على أسس نقدية، يجد القارئ نفسه أمام حقيقة مركّبة لا تختزل في ثنائية النجاح أو الفشل.
لقد نجح Donald Trump، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، في إتقان فن نادر: تحويل الصورة إلى قوة، والحضور الإعلامي إلى رأس مال، وربما لا يكون قد غيّر قواعد اللعبة بقدر ما كشفها كما هي:
أن العالم اليوم لا يكافئ فقط من ينجز، بل من ينجح في إقناع الآخرين بأنه ينجز.