في مديح الطمأنينة التي لن تأتي

كيف ننام ونحن نعلم أنّ هاتفنا الذي نحمله شُحن من معدن يُستخرج بأيدي أطفال؟ أنّ اشتراكنا الشهري في منصة ما يموّل خوارزمية ترى في وجوهنا أسواقاً؟ اللعنة ليست في أننا لا نعرف، اللعنة في أننا نعرف ونمرر إصبعنا على الشاشة.

  • "القلق"، إدفارد مونك، 1894

هوامش على دفتر العالم المحترق

يستيقظ إنسان هذا الزمن على وقع اهتزاز الشاشة، لا على هدير البحر. يفرك جفونه، فيرى في النافذة الزجاجية الصغيرة عالمًا يتفكّك: بورصات ترتعش، كوارث تتنفّس، حروب تُبثّ كمسلسلات، وقصص نجاح زائفة تحوّل صباحه الباكر إلى ميزان للضآلة. يتجرّع قهوته وقد اختلطت مرارتها بغبار المنافي البعيدة. هنا يتولّد القلق الذي بات بمثابة أوكسجين العصر الذي نتنفّسه رغم أنوفنا. للقلق طعم معدني في الفم، وكتفان مشدودان كأنهما يحملان سقفاً، ونَفَس قصير كمن يركض في مكانه. الجسد أول من يدفع الفاتورة.

أوكسجين العصر

تروّج النشرة بأننا نعيش ذروة النعيم البشري: الطب يكافح الموت، والاتصال يمحو المسافات، والأجهزة تختصر الأعمار. لكنّ هذا النعيم، طبق مذهّب، يُقدّم على موائد القلة. في غزة، يصير الرضيع شهيداً قبل أن يتعلّم النطق.

في جنوب لبنان، تتحوّل التلال إلى كمائن للنار. في السودان، يتحوّل الخبز إلى سراب. سكان الجنوب العالمي: رفاهيتهم غائبة عن مؤشرات التنمية، وحضورهم في دفاتر البورصة خسائر. يرتفع المؤشر كلما اشتعلت بقعة نفط، وتزدهر صناعة الأمن حين يفقد الملايين وطناً. الرأسمالية هناك ترى في الجثة فرصة، وفي النزاع دورة اقتصادية لا تنضب، وفي دمار البيوت أرضاً خصبة لإعادة الإعمار تعيد إنتاج الدمار نفسه.

هذا ليس جديداً. الرأسمالية وُلدت من رحم السفن التي حملت العبيد، ومن أنسجة المصانع التي أكلت أصابع الأطفال. ما تغيّر أنّ الجثة صارت رقمية، والدورة صارت أسرع.

في مخيم على حدود النار، تحتفظ امرأة بكيس من الطحين تحت سريرها. لا تخبزه. تفتحه كلّ صباح، تتحسّس نعومته، ثمّ تعيده. الطحين هناك ليس طعاماً، إنه ضمانة بأنّ الغد قد يأتي.

للخوف ألقاب: قصف، جوع، بطالة، رصاصة تحمل اسمك. وللقلق ألقاب أخرى: مقارنة، إعجاب، خوف من الفوات، وذنب الناجي الذي ينام في سرير دافئ بينما يلهث الآخر تحت الأنقاض. الجدار بين العالمين لم يعد صلباً، بركان الحرب يقذف رماده على موائد السلام، وانهيار عملة في نيويورك يسرق رغيفاً في الخرطوم.

قلق إنسان الشاشات ارتعاشة خفيفة، لكنها وعي مزعج بأنه يرقص على فوهة بركان، وأنّ استقراره الشخصي كذبة جميلة على ظهر سفينة تغرق حقيقتها في الجانب الآخر من الضفة.

كيف ننام ونحن نعلم أنّ هاتفنا الذي نحمله شُحن من معدن يُستخرج بأيدي أطفال؟ أنّ اشتراكنا الشهري في منصة ما يموّل خوارزمية ترى في وجوهنا أسواقاً؟ اللعنة ليست في أننا لا نعرف، اللعنة في أننا نعرف ونمرر إصبعنا على الشاشة.

يتسلّق القلق درجات سُلّم وهمي: يبدأ من حجرة النفس، فيمرّ بمرايا التواصل المكسورة حيث نتبادل صوراً مصطنعة ونبحر في عوالم الغير المزيّف، ثم يصعد إلى حيث الخوارزميات. هناك، يقف الإنسان أمام الذكاء الاصطناعي متسائلاً: هل تقرأه هذه الآلة أفضل مما يقرأ هو نفسه؟ هل ستسرق منه رزقه قبل أن تسرق منه حيرته؟ لكنّ السؤال الأعمق، الذي يئن في صمت: هل تستطيع الخوارزميات أن تحفظ له كرامةً لا يعرف هو كيف يحفظها لنفسه؟ يجابه مرآته، فيرى بيانات قابلة للتصفية حيث ينتظر وجهاً.

سيقول لك خبير اقتصادي إنّ: "الأرقام لا تكذب. النمو مستمر، والفقر في انخفاض". سيقول لك مدير منصة: "نحن نربح لأننا نخدمك". سيقول لك مؤرخ: "هكذا كانت الإمبراطوريات دائماً". وكلهم محقون. وكلهم ينامون جيداً!

غرفة مظلمة

كلّ هذه الصرخات المتداخلة المتناقضة إثبات أنّ ثمّة ما يزال ينبض تحت الركام، رماداً في القلب، ووجعاً مشتركاً يرفض أن يصمت.

أريد أن أمدح الطمأنينة. أريد أن أقول إنها ممكنة. أن أقول إنّ هناك لحظة، بعد منتصف الليل، حين يهدأ كلّ شيء، ويمكن للمرء أن يسمع نفسه. لكن حتى تلك اللحظة، يخترقها صوت إشعار. العالم لا يسمح.

غير أنّ الطمأنينة… تلك الهاربة، هل هي حقاً ما ننشده؟ أم أننا نخاف منها حين تأتي، لأنها قد تعني غضَّ الطرف عن هذا المشهد المرعب؟ ربما نبحث عن ارتعاشة كافية نشعر بها أننا أحياء، حتى لو كنا نقف على حافة جهنم. العودة إلى الذات دخول غرفة مظلمة: يدخلها المرء ليفتح عينيه على اتساعهما في قلب الظلمة، ليرى جيداً، ويدرك أن لا خلاص فردياً من هذا السواد.

ربما المقاومة ليست في إطفاء الشاشة، إنما في أن تنظر إلى وجه جارك قبل أن تنظر إلى هاتفك. ربما الطمأنينة، إن جاءت، ستأتي من فعل صغير: أن تسقي نبتة، أن تطرق باباً، أن تصمت دقيقة كاملة من دون أن تلتقط هاتفك.

في النهاية، لعله من السذاجة أن نطلب من الشاعر وصفة للخلاص. الشاعر يشعل فينا سؤالاً لا ينام: هل يمكن لروح صُنعت من طين ونفخة أن تجد سكينتها وهي تعلم أنّ طين الآخرين يُداس بالأقدام في مكان ما من هذا العالم؟ وإن وجدتها، فهل تكون طمأنينة تستحق المديح، أم هروباً يليق بالرثاء؟

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك