في مديح "الأدب السيّئ": عن كتابة لا يهدّدها الذكاء الاصطناعي
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب أدباً حقيقياً؟ وما هي الكتابة التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن تقليدها؟
مرّت الضجة التي أثيرت عقب "معرض القاهرة الدولي للكتاب" لهذا العام (2026) مروراً عابراً، كأنّ شيئاً لم يحدث. جاء الخبر الذي نقلته وسائل الإعلام عن وجود روايات قيل إنها كتبت بمساعدة الذكاء الاصطناعي، مع بقاء مقاطع من ردود التطبيق وتوجيهاته داخل متن الكتاب المنشور، خافتاً على نحو مريب.
الوسط الثقافي العربي الذي كان من المفترض أن يفجّر أسئلة تطاول أحوال الكتابة المعاصرة وهمومها، اختار تجاهل الواقعة، بل عمد إلى إخمادها وإبقائها سراً حبيساً في الغرف الضيّقة.
النقاش الذي كان ينبغي أن يدور حول موقع المؤلف في عصر الخوارزميات، وأسئلة من قبيل: هل مات المؤلف، هذه المرة، فعلاً؟ ما هي الكتابة التي تعجز الخوارزميات عن "تبنّيها"؟ أين يمكن أن نجد كتابة لا يعرفها الذكاء الاصطناعي، وكيف تكون؟ تمّ تجاهلها بما يشبه الأحاديث المرفوض فتحها في القرى.
ورغم أنّ تفاصيل الواقعة لم تحسم رسمياً بصورة كاملة، فإنّ الخبر المتداول كان صادماً بما يكفي لفتح نقاش حقيقي يمسّ صناعة الأدب، ويكشف عن استخفاف حادّ يلامس التحقير بالكتابة أولاً، وبالقارئ، الذي اجتمعت النظريات الأدبية والنقدية المعاصرة على أنه جزء من العمل الأدبي وشريك في إنتاج المعنى ثانياً.
الفضيحة
نقرأ في الخبر المتداول ما يلي: "اشتدّ الجدل داخل معرض القاهرة الدولي للكتاب عقب تداول معلومات عن اكتشاف روايات قيل إنها كتبت بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي، ثم نشرت كما هي تقريباً من دون مراجعة كافية أو تنقيح فعلي من الكاتب" (...) ومن بين الأمثلة المتداولة عن رواية لم يعرف عنوانها لكنها تدور حول شخصيتين هما "روح" و"إياد"، حيث ظهر ضمن النص ردّ من برنامج المحادثة على توجيهات الكاتب، متحدّثاً عن استكمال السرد مع التركيز على تطوّر العلاقة بين الشخصيتين الرئيسيتين وتجنّب الرجوع إلى الماضي لصالح الحاضر والمستقبل، قبل أن ينتقل مباشرة إلى متابعة الحكاية بجملة افتتاحية على شاكلة: "بعد أن زرعوا الزهور في الحديقة الخلفية، كانت الأيام تمر ببطء".
واعتبرت تقارير صحافية في وسائل إعلام مصرية أنّ ذلك يكشف أنّ المؤلف نسي حذف مقاطع الحوار مع التطبيق من النسخة النهائية.
الكتابة تنفلت من المنطق بقدر ما تنزلق إلى ما هو سحيق في النفس، تراهن على الصمت بقدر ما تراهن على اللغة المنفعلة، المجروحة، على الإيقاع، أي الجسد المرتجف. هي كتابة تمنح الحجر جوهره ليصير حجراً.
الاستهلال الذي نسب إلى الذكاء الاصطناعي في "روح" و"إياد" يبعث على الضحك من فرط ركاكته. هو جملة ضحلة، متعثّرة، تنطوي على اختلال في البناء السردي تشبه تأتأة طفل بدأ لتوه يتعلّم الحكي: بعد زراعة الزهور جاءت الأيام بطيئة.
عدا كونها خالية من أيّ شرط جمالي، تبدو الجملة هاته وكأنها مبنية وفقاً لترابط كلامي من دون بعد دلالي، أي "تجميع حكي" كما نقول بالعامية؛ هي كتابة آلية، تشبه ما تفعله الآلة الحاسبة في الضرب والطرح والقسمة عندما تزوّدها بمعادلات رياضية.
ذكاء اصطناعي.. أدب أحمق
-
رومان ياكوبسون
غير أنّ استهلال "روح وإياد" يقدّم لنا، إذا صحت الواقعة، اعترافاً مكتوباً عن أدب مولّد من الذكاء الاصطناعي لكنه أدب طافح بالخواء، أحمق مفرط في الحماقة، إذ إنّ الآلة قد أفرغته من الروح والجسد، أو ببساطة متناهية، أفرغته من الأدبية نفسها.
كان رومان ياكوبسون، أحد أبرز منظّري الشكلانية الروسية، قد وضع قاعدة حاسمة حين قال إنّ: "موضوع علم الأدب ليس الأدب، بل الأدبية، أي ما يجعل من عمل ما عملاً أدبياً".
بهذا المعنى، لا يقاس الأدب بموضوعه أو مادته الحكائية، بل بالأثر الذي يخلقه في اللغة، بذلك الانزياح الدقيق الذي يجعل الكلمات تتجاوز وظيفتها الإخبارية لتغدو تجربة إدراكية جديدة. ومن هنا يتبدّى مأزق الكتابة الخوارزمية حين تدخل إلى عالم الأدب، فهي كتابة حمقاء لأنها بلا أثر، أي بلا "أدبية".
فالخوارزميات، بما هي منظومات من الخطوات المنطقية المتسلسلة المصمّمة لحلّ مشكلة محدّدة، تعمل وفق منطق إجرائي صارم، في حين أنّ الكتابة الأدبية ليست حلاً لمشكلة، بل انفتاح عليها.
ليست الكتابة حدثاً لغوياً فحسب. إنها تنبثق تحديداً في تلك الشقوق التي تخلّفها التجربة في وعينا، وهكذا فقط يمكن أن نفهم عبارة جاك لاكان عن "إنقاذ شرف الأدب" في سياقها النقدي والتحليلي.
إنها لا تنشأ من ترتيب الخطوات، بل من اختلالها؛ تنبثق من العيوب والثغرات، ومن شطط الوجدان وانفلات الخيال. وفي هذا المعنى تحديداً يتباين موقع المؤلف عن موقع الآلة، فالمؤلف لا يتقدّم بوصفه مقدّماً للحلول، بل ككاشف للمشكلات، أو بالأحرى بوصفه من يخلخل اللغة ويفتح جرح السؤال نفسه.
طاف الحديث عن الذكاء الاصطناعي، منذ عام 2020، حول قدرته على تنحية الكاتب جانباً، حتى غدا ما كان يتخيّل تهديداً أو احتمالاً واقعاً ماثلاً أمامنا. غير أنّ المتأمّل في الإرشادات التي ظهرت في المقاطع المتداولة والمنسوبة إلى برنامج المحادثة، يلحظ جهازاً نظرياً مثقلاً بالقواعد. إذ نراه يستفسر عن الماضي والحاضر، وعن الإيقاع السردي وبنية الحكاية. بيد أنه، في "كتابته"، لم يقدّم قيمةً إبداعية تذكر، بل لم يقترب خطوةً واحدة من تخوم الأدب.
ذلك أنّ نصّه فائض بالعبارات ومحكوم بحسابات آلية باردة، حيث تتراكم الصور على نحو اعتباطي: يقحم الزهور مع الصباح مع الحديقة، من دون أن ينتج عن ذلك انزياح دلالي، أو قيمة تخييلية، أو حياة شعرية كما نظر شلوفسكي للفن حين كتب أنّ الفن موجود لكي يعيد إلينا الإحساس بالحياة، ولكي يجعلنا نحسّ بالأشياء، ولكي يجعل الحجر حجرياً.
على الضد من الكتابة الحمقاء
-
رأى الناقد الأميركي أوين إدواردز أنّ الذكاء الاصطناعي شاعر فظيع
جرى تبجيل الذكاء الاصطناعي كثيراً ولا يزال. كما قيل إنّ بوسعه كتابة ملحمة هوميرية، وأن يلامس بلاغة شكسبيرية، وأن يبتدع ديستوبيا إليوتية، وهذا ما ذاع عنه وشاع في الإعلام الأدبي، والعربي منه بشكل خاصّ.
غير أنّ هذا الصيت لا يصمد طويلاً أمام الاختبار النقدي. كتب الناقد الأميركي، أوين إدواردز، عام 2024 مقالاً في مجلة "ذا كريتيك" البريطانية بعنوان: "AI is a terrible poet"، أي "الذكاء الاصطناعي شاعر فظيع" أو "رديء"، وصف فيه سوناتة كتبها الذكاء الاصطناعي بأنها مروّعة، وخلص إلى أنها ليست سوى كتابة رديئة أو "قمامة أدبية"، بحسب عبارته النقدية.
وتستدعي هذه الفكرة مقولة شهيرة في النقد مفادها أنّ الأدب لا يولد من النقاء العاطفي وحده، بل من التوتر والقلق والارتباك والجرح.
ينتج الذكاء الاصطناعي "قمامة رديئة"، لكن ما يعجز عن إنتاجه هو "قمامة بشرية"، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الخطأ في مفهومه الإنساني، وما هو "سلبي" وفقاً للحسّ العامّ، يزجّ في حاوية القمامة.
الخوارزميات، بما هي منظومات من الخطوات المنطقية المتسلسلة المصمّمة لحلّ مشكلة محدّدة، تعمل وفق منطق إجرائي صارم، في حين أنّ الكتابة الأدبية ليست حلاً لمشكلة، بل انفتاح عليها.
إن الخطأ، في التجربة الإنسانية، هو الأثر الذي تتركه النفس في اللغة، والجرح الذي يجعل النص حيّاً. من تلك الشقوق تحديداً يتسرّب الأدب إلى الوجود؛ فالأدب، في جوهره، ليس كتابةً مصقولة حدّ العقم، بل كتابة تحمل ندوب صاحبها وتعرّجات تجربته.
لهذا، فإنّ الكتابة التي تقف على الضدّ من الكتابة الحمقاء هي الكتابة غير المنضبطة، الساخنة حسياً، التي لا تعترف بالضرورة التسلسلية ولا بالسببية، ولا تعرف التكرار أو الابتذال الذي يشيع في "كتابة" الذكاء الاصطناعي.
إنها كتابة تنفلت من المنطق بقدر ما تنزلق إلى ما هو سحيق في النفس، تراهن على الصمت بقدر ما تراهن على اللغة المنفعلة، المجروحة، على الإيقاع، أي الجسد المرتجف. هي كتابة تمنح الحجر جوهره ليصير حجريّاً.
في مديح الأدب السيّئ
-
رايموند كارفر
هو أدب سيّئ ليس لأنه ضعيف لغوياً أو يخفق في الصياغة؛ فهذه سمات متوقّعة لدى الذكاء الاصطناعي، الذي يجيد الحساب ولا يجيد التجربة. على العكس من ذلك، هو أدب سيّئ "مفهومياً"، وهو أدب أسلوبي بامتياز، مصقول فنياً، مشدود، ومسنون كما يرتقي مع شكل التجربة المكتوبة وعمقها؛ يتماهى حدّ المحو مع مقولة بوفون الشهيرة "الأسلوب هو الإنسان نفسه".
إنه أدب سيّئ لأنه يحتفي بالهشاشة الإنسانية، ويغوص في الوحل الإنساني، أي التجربة الخالصة، فاتحاً المجال للفلسفة والنقد كي يقرأ منه العالم.
في رواية اللبناني، رشيد الضعيف، "تقنيات البؤس"، تكاد تغيب أدوات الزخرفة البلاغية التقليدية، أو تتراجع إلى الحدّ الأدنى. أراد الضعيف أن يصوّر فضاءً قبيحاً يشبه الوضع القبيح للمدينة التي عرفت الانكسار والهزيمة بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982. جرّد الضعيف روايته من البلاغة المزخرفة، حتى بات شكلها، أي أسلوبها، متعالقاً مع مضمونها، أي ثيمتها، وهكذا يقرأ القارئ البؤس ويشعر به في قراءته لأثره.
شيء شبيه من هذا التأليف الأدبي نراه مع الكاتب الأميركي، رايموند كارفر، الذي يذهب بعيداً في كتابة العثرة الإنسانية، لا عبر الزخرفة، بل عبر الصمت والاقتصاد اللغوي والفشل في التواصل، وعبر شخصيات مثقلة بالكحول والوحدة والارتباك.
الخطأ، في التجربة الإنسانية، هو الأثر الذي تتركه النفس في اللغة، والجرح الذي يجعل النص حيّاً. من تلك الشقوق تحديداً يتسرّب الأدب إلى الوجود؛ فالأدب، في جوهره، ليس كتابةً مصقولة حدّ العقم، بل كتابة تحمل ندوب صاحبها وتعرّجات تجربته.
في مجموعته القصصية "فيمَ نتكلّم حين نتكلّم عن الحب"، يرسم كارفر عالماً مليئاً بالالتباس والأخطاء والحوادث المؤسفة. يكشف عن عيوب شخوصه اليومية الصغيرة والكبيرة، لحظات الارتباك، صمت العزلة، والفشل في التواصل.
الأزواج يخفقون في الحب، الأصدقاء يضلّون الطريق، والآباء يفشلون في حماية أطفالهم، وكلّ ذلك مصوّر بأسلوب متقشّف، منثور بشاعرية طافحة وخالية من الزخرفة.
قصصه تمنح القارئ مساحة ليشعر بالخطأ الإنساني، ليعايش الإحباط والخذلان. يصبح الأدب هنا فضاءً للإدراك، إذ يسمح للوحشية الهادئة للحياة بأن تتجلّى. مثل هذه الكتابة يستحيل على الذكاء الاصطناعي كتابتها، مثل هذه الكتابة تجسّد ما نظر إليه شلوفسكي في قوله: "غاية الفن أن يمنحنا الإحساس بالأشياء كما تدرك، لا كما تعرف".
شيء من الانفراج... في الكتابة
-
الكتابة التي يجهلها الذكاء الاصطناعي تقوم على الضدّ من الحماقة البلاغية
لكن هذا لا يعني أنّ ما وصفناه بـ"الكتابة السيّئة" هو الشكل الوحيد من الكتابة الذي يعجز الذكاء الاصطناعي عن تقمّصه، أو أنها الجبهة الوحيدة القادرة على صدّ الزحف الخوارزمي. ومع ذلك، يصعب إنكار أنّ الخطأ الإنساني، والعثرة العارضة، والحادث المؤسف، قد غدت، في عالمنا الحديث، من شروط الكتابة المعاصرة نفسها.
فإذا كان في وسع الإنسان، على حدّ تعبير الشكلانيين الروس، أن يجعل الحجر حجرياً، فإنّ بوسعه أيضاً أن يكتب عن زهرة في الحديقة حيث تمضي الأيام ببطء، من دون تلك الزخرفة الإنشائية البليدة التي تحوّل الأشياء إلى قوالب جاهزة.
ذلك أنّ كتابة الأشياء كما تدرك تختلف عن كتابتها كما تعرف. في الثانية تتقدّم الوصفات المعلّبة والصيغ الموروثة، أما في الأولى فثمة تماس مباشر مع التجربة، مع الإدراك العاري للأشياء قبل أن تستقر في قوالب اللغة.
هذه الكتابة التي يجهلها الذكاء الاصطناعي تقوم على الضدّ من الحماقة البلاغية. فهي، قبل أيّ شيء آخر، كتابة إنسانية. كتابة تتوغّل في إدراك الأشياء، وتلمسها، وتسعى إلى التقاط ما يصعب القبض عليه. وهي، على نحو لافت، موجودة اليوم في فضاءات الكتابة اليومية. ففي منصة "إكس" مثلاً، تظهر حسابات توثّق لحظة عابرة، أو مفارقة خاطفة، أو ومضة تأمّلية.
يتباين موقع المؤلف عن موقع الآلة، فالمؤلف لا يتقدّم بوصفه مقدّماً للحلول، بل ككاشف للمشكلات، أو بالأحرى بوصفه من يخلخل اللغة ويفتح جرح السؤال نفسه.
يمكن أن نقرأ، في هذا النوع من الكتابة اليومية، مشهداً على هذا النحو: "بدأت إحدى الطالبات اليوم تشخر بصوت مسموع أثناء محاضرتي عن لاكان. لم أفعل سوى أن هززت رأسي وضحكت. فالنوم، في الحقيقة، من أكثر الأفعال لاكانيةً التي يمكن للمرء أن يأتيها. بل لعلّ الدروس التي تعلّمتها في عالم الأحلام، في مملكة اللاوعي، تضاهي ما قد تمنحه محاضرتي نفسها من بصائر".
أو نقرأ مشهداً آخر يقول: "تعطس اليوم في مكتبة عامّة، فيكون الصوت الوحيد الأعلى من انفجار جيوبك الأنفية هو صمت الفضاء العامّ الصاخب بالصمم: لا أحد ينطق بكلمة يرحمك الله أو حتى يهمس بها. ذلك هو الصوت الحقيقي لمجتمع بات مخروباً".
ليست الكتابة حدثاً لغوياً فحسب. إنها تنبثق تحديداً في تلك الشقوق التي تخلفها التجربة في وعينا، وهكذا فقط يمكن أن نفهم عبارة جاك لاكان عن "إنقاذ شرف الأدب" في سياقها النقدي والتحليلي.

