في عيد التحرير... المقاومة تتلمّس نصرها الثالث
إنّ استمرار الذات المقاومة في زمن التفاهة والاستسلام هو إعادة تشكيل الإنسان المقاوم الرسالي، بدل الشخص الأناني الانتهازي، والتصدّي لمشاريع التعايش المغشوش والتفاوض الملغوم والمسار التنازلي عن الثوابت.
اليوم تمرّ الذكرى الـ26 لعيد المقاومة والتحرير، بعدما دحرت المقاومة اللبنانية بكلّ فروعها، العدوّ الصهيوني من جنوب لبنان نهائيّاً ومن غير رجعة عام 2000.
وقبل ذلك، كانت قد كسرت شوكته أفواجٌ من الشباب القوميّ والشيوعيّ والناصريّ من بيروت والجبل. ولعلّنا هنا نعيد إلى الذاكرة عمليات "الويمبي" ومحطة أيّوب للقومي، وصيدلية بسترس للشيوعي، كعمليات نوعية دفعت العدو إلى القول: لا تطلقوا علينا النار، إننا راحلون، راحلون. ورحلوا منهزمين من الجنوب بفضل سواعد "المقاومة الإسلامية".
ففي كلّ عام، تتوسّع بقعة الضوء المقاوِمة، تكبر وتكبر، تنمو، وتصير أغماراً من الفعل المناضل والإرادة الحرّة، لوقفات عزّ تتلاحق وتتعاظم.
وفي كلّ عام، تجدّد المقاومة لغتها ونبض كلماتها وسحر حروفها، كي تليق بوطن الحرية والحقّ، نورثها كتاب عزّ لأجيالنا الحاضرة وتلك التي لم تولد بعد، لتبني مستقبلها غير هيّابة من عدوّ أذلّتْه وهو يصرخ: "إننا راحلون، إننا راحلون".
بين أيار/مايو 2000 وأيار/مايو 2026 تتمثّل شخصيتنا، وتختصر قضية أمتنا. ومن خلال التاريخين ننظر إلى حياتنا بفرح. وبين التاريخين والمدرستين، سقطت من قاموس حياتنا تراجيديا النكبة، والنكسة، والشكّ في قدراتنا، وفي أصالتنا، وفي مخزون القوّة التي تغيّر وجه التاريخ.
لعلّ ما تعانيه بلادنا اليوم من مؤامرة تستهدف دورها المقاوم، يكشف حجم الخطر الذي باتت تشكّله على أجندات قوى الغرب الاستعماري وربيبتها "إسرائيل"، التي أضحت مشاريعها مهدّدةً تحت تعاظم قوّة المقاومة واستعدادها الدائم لاسترجاع ما تبقّى من أرض محتلّة والدفاع عن حقوق شعبنا، رغماً عن "صفقات ترامب التهريجية".
وحسناً قارب الروائي الألماني، غونتر غراس، ذلك بالقول: "لا تستغربوا أن يكون الله قد صنع بعض السياسيين هكذا، ربما ليلهو بتلك المخلوقات العجيبة".
***
في أفران عالية الحرارة، يسخّن الحديد ليُستخرج منه الحديد الزهر، نقياً صلباً، مثلما نيران النضال تصهر الرجال من مقاومتنا العظيمة في أتونها، ليخرجوا أكثر نقاءً وأشدّ صلابة.
لقد وُضعنا في محيطنا العربي والإسلامي، ولقرون، داخل ثقافة اللامعنى، حتى نبتت المقاومة كسنبلة القمح، لأنّ قوة أمتنا في إيمانها وفي قوتها، وليس في ضعفها. والضجيج التوراتي في رؤوس بعض السياسيين في لبنان والعالم العربي لن يكون أكثر من ضجيج!
عندما أشعلنا اليوم، 25 أيار، الشموع في كنائس الفرح، قرأنا في تشخيص علم النفس أنه ليس من الطبيعي أن ترى من يعكِّر الماء ليصطاد فيه. فهذا بالتأكيد شخص ذو نيّات سيّئة، يبحث عن خلق الفوضى من أجل إنتاج نظامه الشرير.
ولأجل خلق الفوضى وإنتاج الشر، يقتنص ذلك الشخص كلّ معلومة مشوّشة أو خبر منقوص، ليطعن المقاوم من الخلف بلا رحمة، بينما يتسلّق على دماء الشهداء ليصل إلى مناصب في هيكليته الواهمة. هكذا هم الـ"إمّعات"، وهم يحاولون الرسمَ بفرشاة الطائفية والتطرّف المذهبي لإنتاج لوحة مظلمة المعالم لوطنهم. وكم يذكِّرنا ذلك بالشاعر العراقي الكبير، بدر شاكر السياب، الذي قال: "إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون. أيخون إنسان بلاده؟ مَن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟".
إنّ استمرار الذات المقاومة في زمن التفاهة والاستسلام هو إعادة تشكيل الإنسان المقاوم الرسالي، بدل الشخص الأناني الانتهازي، والتصدّي لمشاريع التعايش المغشوش والتفاوض الملغوم والمسار التنازلي عن الثوابت.
مَثَلُ الذي باع وطنه وخان بلاده، مثل الذي يسرق من بيت أبيه لكي يطعم اللصوص، فلا أبوه يسامحه ولا اللصوص يشكرونه على ما قام به. ومَثَلُ المطبّع المرتزق كالسوائم المركوبة التي تجهل عاقبتها ومصيرها.
فالخطّ الفاصل بين الخلايا السرطانية التي يمثّلها البعض، والخلايا النائمة التي يمثّلها البعض الآخر، هو أنّ الأولى تهاجم جسم الإنسان، فيما تفتك الثانية بالإنسان بأكمله، فيخلّفان ملايين العوائل المضطهدة وأرتالاً من الأرامل والأيتام.
***
عندما تفتحون نافذة الصباح، سيطلُّ عليكم جنوب لبنان بنهاراته المُعبّأة بعبق الزعتر صارخاً: أنا المستقبل.
عندما ستفتحون بوابات الزهور، وتتنشّقون الأنفاس المقبلة إليكم من جنوب الجنوب، تلك الموصولة بمحطّات عديدة من الانكسار والانتصار، ستغرِّدون مع الطيور المهاجرة من بنت جبيل إلى شواطئ فلسطين أغاني الحرية والسيادة والاستقلال.
عندما ستفتحون أبواب التاريخ، اقرأوه بحقائقه، لا بمراراته فقط، وتذكّروا أنّ في مجتمعنا كلّ حقّ وخير وجمال، ومقاومة.
عندما ستفتحون حدقات عيونكم، ستشاهدون في كتاب البداية كيف صُلِب الفلسطيني الأول وهو يصرخ في وجه أولاد الأفاعي: اخرجوا من بيت أبي، فهو بيت للصلاة وقد جعلتموه مغارة للصوص وقطّاع الطرق.
عندما ستفتحون كتاب المقاومين، ستقرأون كيف أطلق زبانية النظام العربي المتحالف مع المشروع الصهيوني النار على الزعيم المقاوم أنطون سعادة، ليغتالوا في ذلك الوقت الخطّة القومية المُعاكسة، التي لو قُيّض لها النجاح، لكان أبناؤنا يحيون في أمان الآن.
عندما ستذكرون كيف خان البعض سيّد المقاومة الشهيد حسن نصر الله، وها هم المقاومون يسيرون على هديه في كسر المحتلّ وعملائه.
ونحن نُشعل الشموع في كنائس النصر، ونُخرج حصارات الروح من وهاد التمنّي والرجاء بأن نكون مزروعين في أرضنا، عندما يغسل الهواء رذاذ النافورات بكفّ المقاوم الممدودة ببياض الأيام إلى أحلامنا.
ها هو جنوبنا يقاوم، ويصنع مجده بنفسه. يعلو صوت المقاومة بالنفير، يبشّر بالنصر الثالث المسبق، وبإحباط أيّ تمدّد أو تسلّل. والمقاومة متربّصة للعدو وموجودة في كلّ مكان من الجنوب والبقاع، الأمر الذي جعل البيئة الحاضنة قوية، والأهمّ أنها خلقت فتنة وخوفًا في نفوس العدو، وهو ما نلمسه من الإعلام الصهيوني.
