في حضرة مصطفى سبيتي (*)

في حضرة هذا الرجل، تعلمنا أن الشعر أعلى من أعمدة وقضبان سجن، وأن الاختلاف بين الأجيال استمرار لذات الدهشة. كان يذكرنا بأن القصيدة، أياً كان شكلها، تبقى ابنة الروح، وأن الشاعر الحقيقي يصنع أحراراً.

  • مصطفى سبيتي
    مصطفى سبيتي

في جنوب لبنان، حيث يجوز التيمم بالتراب حتى وإن حضر الماء،  وفي بلدة كفرصير العاملية، جارة الليطاني وشقيقة القرى التي تولد فيها القصائد من عروق الجغرافيا وشرايين التاريخ، ويتعلم الأطفال قبل الحروف أن ثمة عودة بعد كل مغيب، هنا وقف مصطفى سبيتي يوماً، طفلاً يراقب الشمس وهي تتوارى خلف التلال، ويتعلم أن الجنوب يسري في الأوردة ويتنفس في المسام، وأن الأرض التي تُروى بدم الشهداء ودموع الأمهات وعرق الفلاحين لا تختصر في خريطة أو في مرحلة، مهما كانت قاتمةً.

من ذلك الطفل ولد الرجل. ومن ذلك التراب نبتت القصيدة.

كان التراب عنده امتداداً لجسده، وصوتاً في دمه، وقصيدة لم تُكتب بعد. تعلّم من الجنوب أن الصمود عادة يومية، وأن البقاء على الأرض موقف قبل أن يكون مصيراً، وأن الريح قد تعصف بالغصن، لكنها تعجز عن اقتلاع الجذر.

انتمى إلى اليسار كما ينتمي الإنسان إلى ضميره. حمل الأفكار كما يحمل الفلاح بذرته: في جيبه، وفي قلبه، وفي صبره الطويل على الموسم. عاش عمره بلا مهادنة لسلطة، وبلا مساومة على قصيدة. وحين أوقفته السلطة ذات يوم بسبب كلمة، وحين احترقت مكتبته في غارة، خرج من كل محنة أكثر يقيناً بأن الحرية موقف، وأن الكلمة قد تكون أغلى من الحياة، وأنها وحدها ما يبقى.

كان أستاذاً قبل أن يكون شاعراً، ومربياً قبل أن يكون أستاذاً. في زاوية من الضاحية الجنوبية لبيروت، حين كان الفقر يختفي خلف الأبواب، غرفة صغيرة تتنفس العجين في الصباح وتحتضن الحروف بعد الظهر. هناك، على مقاعد لم تعرف سوى دفء الخبز، بدأ يزرع في أبناء الجنوب والبقاع والضاحية ما لا تسرقه الغارات الوحشية، ولا يحجبه الحرمان وفساد السلطة. علّمهم أن الحرف أمانة، وأن اللغة وطن، وأن الشعر يعيش في قضايا الناس، وأن القصيدة التي لا تشبه صاحبها لا تستحق أن تُكتب.

وكان للمتنبي في قلبه مقام لا يزول. جالسه كما يجالس الرفيق، وحفظ شعره كما يحفظ المؤمن صلاته، وأقام في لغته كما يقيم الغريب في وطن وجده أخيراً. لكنه، رغم هذا الشغف، عرف أن العمود لا يحجب الضوء عن النثر، وأن البحر، مهما تلاطمت أمواجه، يظل بحراً واحداً.

وفي داخله، رغم عشقه للمتنبي، سكن شاعر صعلوك، بالمعنى الثوري للصعلكة. عاش الحب كنافذة لا تعرف الستائر، وكقصيدة لا تكتمل عند القافية الأخيرة. عشق المرأة كأصل، كجذر، كوطن صغير في قلب كبير. كانت زوجته إكرام سنده ومساحته. ولو لم تكن شجرةً وارفةً وامرأةً حرةً، لما استطاع أن يكتب ديوان حريته بهذا المقدار من الجرأة والجموح.

منذ عرفت لوركا وفيديل، أدركت أنهما لا بد أن يأتيا من بيت مختلف عن السائد المألوف. وهنا تكمن الدهشة: بيت نبتت فيه القصيدة العمودية، أنجب شاعرين حداثيين، لوركا وفيديل، ووردتين هما فداء وماجدة. كانت الكلاسيكية عنده أرضاً خصبة تسمح لكل نبتة أن تنمو بطريقتها. في صمته، منحهم حق التمرد على الوزن، وحق كسر القافية، وحق أن يكونوا مختلفين، مع خيط النسب الشعري الذي يربطهم به، حتى حين لم يكن مقتنعاً بهذه القصيدة أو تلك. الحرية عنده كانت تتقدم على كل ما عداها.

كانت علاقته بأبنائه شائكة أحياناً، كما هي حال كل علاقة حقيقية بين أب يعشق المتنبي وابنة تختار شاعراً عالمياً استثنائياً مثل لوركا اسماً لها، وبين والد يحفظ العروض وابن يكتب قصيدة النثر ويتخذ من اسم قائد أممي لقباً له.

لكنها ظلت دائماً مرتكزةً على أرضية واحدة: الحرية. حرية الأب في أن يبقى كلاسيكياً، وحرية الأبناء في أن يكونوا مختلفين. منحهم حق الاختلاف حتى حين كان هذا الاختلاف يربكه أو يحرجه أو يجرحه. وهذه الحرية بالذات هي ما جعل العلاقة تنضج مع الزمن، وتتحول من شائكة إلى مصدر فخر متبادل.

في حضرة هذا الرجل، تعلمنا أن الشعر أعلى من أعمدة وقضبان سجن، وأن الاختلاف بين الأجيال استمرار لذات الدهشة. كان يذكرنا بأن القصيدة، أياً كان شكلها، تبقى ابنة الروح، وأن الشاعر الحقيقي يصنع أحراراً، وأن الكلاسيكية الحقيقية تكمن في القدرة على أن تكون كلاسيكياً بلا تقليد، وحراً بلا ادعاء.

رحل مصطفى سبيتي، وبقي منه ما لا يرحل. سكت الصوت، وبقي النبض في القصائد. بقي في هذه الأرض التي دافع عنها، وفي هذه البلدة التي عشقها، وفي كل زيتونة زرعها، وفي كل حرف كتبه، وفي كل قلب علمه أن الشعر ابن الروح.

رحل الشاعر، وبقي البيت الذي تتسع له القصائد، وبقيت القصائد تتسع له.

تحية لك يا مصطفى، أيها الجنوبي الصامد، أيها المناضل حتى الرمق الأخير، أيها الحر الذي آمن أن الحرف موقف، وأن البيت الذي تتسع له القصائد يظل عامراً إلى دهر الداهرين.

----

(*) أُلْقيت في حفل تأبين الشاعر والمفكر مصطفى سبيتي في مسقط رأسه كفر صير في جنوب لبنان.

اخترنا لك