عن الأدب والذاكرة

ما بين الشعر والدم، يظل "البطل" خالداً في الكتب والتاريخ، يسطّر الملاحم أمام آلة الإبادة التي يسعى الاحتلال، من خلالها، إلى مسح الذاكرة وتدمير الهوية وقتل البشر وطرد من تبقّى منهم، مع محاولات الصهاينة المتكرّرة لهدم النسيج المجتمعي.

  • (غزة)
    (غزة)

بعد دعوة من إحدى المكتبات في مدينة لوزان لإلقاء محاضرة حول الأدب والذاكرة، قرّرت إعداد مادة أربط فيها بين مفهوم الأدب ودوره الحقيقي وقت الحروب، أمام جمهور متنوّع الأفكار والأديان.

لذلك، كان البحث مستمراً عن كلّ فكرة تؤنسن مظلوميتنا في ظل وجود الاحتلال ورغبته في التمدد جيوسياسياً من أجل إنشاء دولة "إسرائيل الكبرى" المزعومة، كشاهد على الإبادة، رغم أن تهمة "معاداة السامية" ماثلة أمامي؛ لأنها شمّاعة الاحتلال ولوبياته في الخارج، الجاهزة لكتم الأصوات الحرة ومحاربة كل من ينتصر للإنسان.

وبينما كنت أتصفّح الإنترنت، وجدت أنّ إحدى المدن الإسبانية قامت، صبيحة ذلك اليوم، بإلقاء مناشير ورقية من طائرة مسيّرة على جمهور المحتفلين في المدينة، تحمل قصائد لشعراء إسبان يكتبون عن الحب والجمال والمغامرة، بينما يتهافت الجميع في الأسفل للحصول على أكبر قدر من القصائد.

لحظتها، تذكّرت ما حدث معنا أول مرة، حين ألقت طائرات الاحتلال أوراقاً تحمل التهديد والوعيد لنا بضرورة مغادرة مخيم الشاطئ وشمال قطاع غزة، من دون أن نهتدي إلى سبيل.

وقد كان مشهد إلقاء الأوراق في السماء من طائرات حربية تحمل الحقد والكراهية والعنصرية ومعاداة الإنسانية يودي بالقارئ إلى قيعان الخوف والضغط النفسي والعصبي المفرط.

ليلتها، ولكي تكتمل حبكة النص، قاموا باستهداف مربّع سكني كامل، فسقطت البيوت على رؤوس أصحابها، وظل الأطفال، الذين لا يعرفون معنى الموت، يختنقون بصمت في الأسفل. وقد هرعنا لإنقاذ بعضهم، بينما كانت العتمة تحاصر مخيمنا. حتى "كشّافات" الهواتف المحمولة لم تسعفنا في البحث عن بقايا الجثث المتفحّمة. وجاء الشبان يجرون عربات للحيوانات، مؤدّين دور الجياد والحمير في حمل الجثث على العربة، ثمّ الانطلاق بها نحو مستشفى الشفاء.

وحين انتهينا من تلك المهمة الشاقة، قرّرنا الذهاب إلى منطقة المسجد الأبيض عند سوق المخيم، بعدما وقع استهداف آخر ضد السكان المدنيين الأبرياء، الذين يحبون الشعر والموسيقى. وصوت امرأة يزلزلني، وما زال يطنّ في رأسي؛ فقد كانت تتألّم بعدما وقع عمود ضخم على جسدها الضعيف. وحاولت يومها أن أرفع تلك الأعمدة مع الشبان الذين أشعلوا إنارة سيارة في الشارع كي يبصروا الجثث والحفر العميقة التي خلّفها صاروخ طائرة الـ"F35".

وقد غرق المخيم في صمت كئيب، عدا صراخ سيارات الإسعاف التي لم تتوقّف عن الحضور إلى المخيم، وكانت تحاصرها الأبنية المدمّرة والركام في الشوارع، فيستغرق إنقاذ الأبرياء وقتاً أطول، يكونون خلاله قد طاروا إلى سماء لا احتلال فيها أو ملائكة متوحشون.

وفي هذا المضمار تحديداً، وقفت لأتساءل عن المفارقة العجيبة بين سلوك كيان يمارس الإرهاب، متسلّحاً بالإمبريالية التي أوشكت أن تنزع يدها منه، حيث صار جسد "دولة" الاحتلال غارقاً في الوحشية، وبين سلوك دولة عظيمة ذات حضارة غير مزيّفة، تقدّر أنبياءها وشعراءها، الذين ماتوا والذين ما زالوا ينظمون القصائد.

وحزنت في داخلي على أمتنا التي جعلت الثقافة آخر اهتماماتها، وبات الشعراء البارزون هم الكتبة عند أعتاب السلاطين، وصارت وسائل الإعلام الرسمية تقدّم ثلة بعينها. وقد قلت في نفسي إنّ الزبد سيذهب جفاء، وما ينفع الناس سيأتي، والغلبة لمن يتسلّح بكامل الإيمان بأنّ الحقّ أبلج.

وعطفاً على موضوع الشعر، ورغم دموية "دولة" الاحتلال، فإنّ العملة النقدية لتلك الدولة تضع صور الشعراء والملهمين لمشروعها الاستيطاني. وكان السؤال المتوقّع: لماذا تخلو العملة النقدية العربية من صور الأدباء والشعراء والفنانين الذين صنعوا علامة فارقة في تاريخ أمتنا؟ لماذا توجد صورة الدكتاتور دائماً، أو بعض الرموز التي لا شأن لها بالعلوم أو الفنون؟ وكيف يمكن لمقالاتنا ونصوصنا أن تحرّك البنوك المركزية، بينما تأتمر الأخيرة بأمر الأنظمة الحاكمة، رغم فصل السلطات الشكلي في المنطقة العربية؟

وما بين الشعر والدم، يظلّ "البطل" خالداً في الكتب والتاريخ، يسطّر الملاحم أمام آلة الإبادة التي يسعى الاحتلال، من خلالها، إلى مسح الذاكرة وتدمير الهوية وقتل البشر وطرد من تبقّى منهم، مع محاولات الصهاينة المتكرّرة لهدم النسيج المجتمعي. فحكومتهم ومستوطِنوهم يصارعون الزمن في غزة وجنوب لبنان لتحقيق ذلك الهدف؛ لأنهم يعرفون أنّ البشرية باتت تشعر بعبء الصمت أمام انتهاكات حقوق الإنسان، وكلّ الحقوق التي شرّعتها القوانين الأرضية والسماوية.

وإنّ المستشرف لما سيأتي يدرك أنّ التاريخ يتشابه، وأنّ انهيار "دولة" الاحتلال أقرب من أيّ وقت مضى؛ فقد سقطت أخلاقياً، وبان وجهها القبيح، وسقطت ورقة التوت عن كلّ الأنظمة التي تحمي هذا المستعمِر. وانهيار الاحتلال سيأتي معه انهيار الدكتاتورية وانحسار الاستعمار عالمياً، لينشغل بصراعات أكبر من أفكار تتوالد، فتصنع أعداء جدداً من أجل مصالح أهم وأكبر من "دولة" الاحتلال، وربما خارج منطقة الشرق الأوسط أيضاً.

وسيظلّ الأدباء الأحرار يكتبون التاريخ، وحتماً سيزول ليل الظالمين.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك