عزة طويل في "عيون بيروت": من يملك الحقّ في كتابة الآخر؟
تُستَهلّ الرواية باقتباس من إنجيل متّى (6: 23): "فإن كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلامُ كم يكون"، هذا الضوء الذي تحيله الكاتبة إلى اللمعة في العين هو الخيط الذي يشبك مصير أبطال الحكاية.
-
عزة طويل في "عيون بيروت": من يملك الحقّ في كتابة الآخر؟
"سرّ اللمعة في العينين" ليس مجرّد عنوان فرعي لرواية "عيون بيروت" للكاتبة اللبنانية عزة طويل، إذ لا يمكن أن نختزل أحداثها بوصفها رواية عاطفية تدور في زمنٍ مضطرب، ذلك أنّها تتعدّى فكرة العاطفة إلى البحث العميق في ماهية السلطة بكلّ أشكالها؛ سواء سلطة الرجل على المرأة، أو سلطة المكان على سكانيهِ، انتقالاً إلى بُعدٍ آخر أكثر فنية؛ وهو سلطة الكاتب على شخصياته. وفي الرواية الصادرة عن شركة المطبوعات للنشر والتوزيع - 2026 تبني عزة طويل عالمها الروائي على سؤال جوهري تتفرّع فيه شبكة من الأسئلة الوجودية: فما هو الحدّ الأخلاقي بين عالمي الواقع والأدب؟ وإلى أيّ مدى يمكن أن يختلف الحدث باختلاف السارد؟ وفي النهاية من يملك الحقّ في كتابة الآخر؟
تُستَهلّ الرواية باقتباس من إنجيل متّى (6: 23): "فإن كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلامُ كم يكون"، هذا الضوء الذي تحيله الكاتبة إلى اللمعة في العين هو الخيط الذي يشبك مصير أبطال الحكاية: الراوية بصفتها كاتبة ومترجمة، ولمياء، ورامي، إلى جانب والدتها. وحيث تبدأ الرواية من الخاتمة، نرى لمياء وهي تقدّم روايتها الأولى مدّعية أنها تكتب لتمنح الحكاية وجهة نظر جديدة. في هذا المشهد الذي يجري في العام 2022 ندخل بوابة الماضي نحو العام 2018 حيث لم يكن للمياء صوتٌ ولا قدرة على التحكّم بمصيرها. وهي من بداية الحكاية حتى منتصفها تبدو ضحية مستسلمة لعلاقتها السامّة مع رامي؛ نجدها عالقةً في علاقة عاطفية وجسدية شائكة تتحوّل من جرّاء علاقتها براوية القصة وإيمانها بقدرتها على تجاوز تلك العلاقة المؤلمة؛ لذا تلتمس الكتابة، وتعمل على نشر روايتها الأولى كما لو أنها تثور على هيمنة رامي، ولعلها في العمق تكتب لتثبت أنّ صاحب القلم هو القادر على إعادة تشكيل الواقع وتقديمه وفق هواه.
"إلى متى سيكتبنا الآخرون ويتلذّذون بمصائرنا؟" يأتي صوت الراوية وكأنها تمنح مدينة بيروت صوتها، وإذ تتقمّص الكاتبة المدينة ذاتها التي استباح الجميع مصيرها، نقع على عالم رامي؛ الكاتب والأديب، وهو يستغلّ سلطته للتحكّم بضحاياه من النساء. وبينما لا يمكن أن نفهم هذه العلاقات المتشابكة بمعزل عن ماهية المكان الذي تجري فيه، نجد أنّ بيروت ليست مجرّد خلفيّة لمسرحية عاطفية، إنما بطلة جريحة تتفاعل مع الشخصيات وتؤثّر في حيواتهم بدءاً من التظاهرات التي اندلعت بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية، إلى تدنّي العملة الوطنية وانتشار جائحة كورونا، وحتى الوصول إلى فاجعة تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس عام 2020. هذا الحدث الذي يترك بصمته على الجميع حتى الراوية ذاتها، وعلى رامي وعلاقته القاسية بلمياء وإصابته التي أسست للتحوّل الكبير في جسد الحكاية. فهو بوصفه كاتباً وأديباً يستغلّ مكانته الوظيفية وسلطته الرمزية ككاتب ناجح، وينجح في الإيقاع بزميلته لمياء في علاقة غير متكافئة. إلا أنّ رامي ليس مجرّد عاشق متلاعب، أو رجل يمارس نزواته مع فتاة تصغره بعشرين عاماً، إنما هو نموذج للذكورة السامة التي تمارس الاستغلال تحت غطاء الشغف والإلهام الأدبي. وهو بعد محاولته الإيقاع بالراوية قبل لمياء، يصطدم بإرادتها على إنقاذ نفسها منه. كما لو أنّ نزاعاً خفياً يجري بين من يمتلك الحقّ على كتابة الحكاية. إنها حرب النص الحقيقي على نص الآخر المختلَق، والصراع على الكتابة ذاتها بوصفها العالم الذي شكّل مادة الرواية. وما هذا الاستغلال الذي يفضح شخصية رامي الأديب سوى محاولة منه لسلب لمياء صوتها وحقّها في سرد القصة.
هذا التجريم الخفي يطرح أسئلةً أخلاقيةً حول إشكالية الكتابة وقدرتها على فضح الواقع وربطه بأخيلة من يمتهنها، بل تتعدّى ذلك لتكون سرقة معنوية لحياة الآخر. وهنا تحضر نظرةُ العين التي تتحصّل على دلالاتٍ متعدّدة، فهي أداة تحكّم لدى رامي، ويتكشّف ذلك من خلال إصراره على مخاطبة عيني لمياء: "سأمتلئ بها كلّ يوم أكثر، حتى تصبح عيناها عيني، ويصبح بريقهما لي". ورغبته الفائقة بامتلاك لمياء بكلّ ما فيها من براءة وسرقة النور الذي تحمله في داخلها تنعكس عليه في نهاية الأمر، وهو ما يحلينا إلى الاقتباس الذي بدأت به الرواية: "فالظلام كم يكون" كما لو أنّ الظلمة التي أحاطت بالمدينة هي العتمة ذاتها التي أطبقت على مصير لمياء، وعلى قدر والد الراوية، وعلى مصير والدَي كنان، وعلى الناجين من الانفجار الكبير. في المقابل تقدّم الرواية "كنان"، المصوّر الفوتوغرافي، الذي يمنح نظرة العين بعداً آخر، إذ يقدّمها بوصفها فعلاً توثيقياً يواجه الحقيقة. وهو بعد إقامة معرضه، يستعرض صوراً لمتظاهرين فقدوا عيونهم أو أصيبوا فيها، وفي ذلك إشارة إلى ما قامت به السلطات من قمع المتظاهرين، ومحاولات القتل المستمرة للروح الإنسانية، إلى جانب الاستغلال العاطفي، ومصادرة حقّ الآخر في قول الحقيقة.
ثمّة طبقة إضافية في الرواية تتعلّق بذاكرة الجسد بوصفها عنصراً أساسياً في تشكيل الوعي، فالانفجار يترك أثراً على يد رامي المبتورة، وفي جرح شفة الراوية ووجهها، وفي رعب الطفل الذي فقد والديه، وأيضاً في القهوة التي تحرق يد الراوية وتذكّرها بحقيقة أنها ابنةٌ لصحافيّ اغتيل على يد القتلة قبل أعوام طويلة. تلك الأجساد التي تحمل جراحاً لا يمكن لها أن تمّحي، بل تختزن في داخلها لحظاتٍ سريعة لكنها نافذة، وتعيد إنتاج المأساة في كلّ نظرةٍ، وعند كلّ حادثة، وبالتالي يمسي فعل الاستعادة ليس مجرّد فعلٍ يتعلّق بإعادة توليد الماضي، إنما كيان عصيّ على النسيان، ويصرّ على الحضور رغم محاولات المرء تجاهله. من غير أن تكتمل تلك المعادلة من دون حضور بيروت ذاتها، وكأنها الشخصية المركزية التي حملت تحوّلات مصيرية، وتعاني وعياً مرّاً بحتمية تأثير المكان على سكانه، إلا أنها في الوقت ذاته، لا تلغي مسؤولية الإنسان في مقاومة هذا التأثير؛ أي في محاولة كتابة قصته قبل أن يكتبها المكان بكلّ ما فيه من سطوة. "وفي النهاية تتمكّن المدينة، كما في كلّ مرة، من أن تكتبنا هي، كما تشاء".