عالم ما بعد التفكير

يحتاج الفكر مساحة داخلية، ونفوسنا مكتظة، فيها ناطحات مكدّسة من الأحداث والبيانات والصور. لا مساحات خضراء باقية، أو على الأقل، لا مساحات واسعة متروكة. ومع ذلك، يبقى العقل آخر ما لا يمكن مصادرته بالكامل. 

  • غزة
    غزة

من داخل عالم تحكمه القوة الصلبة الطاغية بصورة صادمة، وتديره الخوارزميات السائلة، وتقاس فيه القيمة بعدد التابعين، لا بعمق الفكرة، يبرز سؤال بسيط في ظاهره، لكنه في جوهره من أكثر أسئلة عصرنا تعقيداً. هل لا تزال للفكر قدرة على تغيير العالم؟ 

وهو عالم تحسم فيه النزاعات بالطائرات المسيّرة، وتدار فيه اتجاهات الوعي عبر المنصات، وتطغى فيه السرعة على مخازن الحكمة أينما كانت، في العقول أو في المؤسسات، أو حتى في التراكم الطبيعي في البنيات الثقافية المحلية للمجتمعات والشعوب.

في هذا السياق، يعود السؤال عن الكلمة والفكرة، وهو قد يبدو السؤال نفسه السائر مع كلّ زمن، لكنه الآن في زمن دراماتيكي في طبيعة تحوّلاته التي تعيد طرح المفارقة الدائمة حول علاقة الإنسان بالكلمة بالبارود، وبالمعرفة التي تخوض يومياً مواجهتها المحمومة رأس المال والسلاح.

لكن قبل أن يتحمّس أحد في لحظة يأس وغضب لإعلان موت الفكر، علينا أن نفهم ما الذي يتغيّر فعلاً في زمننا. فأن تحضر زمنك، يعني أن تعيشه مدركاً حقائقه وتفاعلاته، وأن تعرف موقعك فيه ودورك.

الذي تغيّر في ظاهر الأشياء هو موقع الفكر في منظومة القوة. حيث ينمو تيار عالمي مصلحي يحاول بسط سلطته على الشعوب والدول، ويسعى باستماتة إلى خفض تأثير أيّ فكرة تعارض مسعاه هذا. وخفض تأثير الفكرة، يفضي حكماً إلى تقويض سيادة الفكر على النشاط البشري، ويغلب الصراع الغريزي الذي ينتقل من النفوس الفردية إلى الجموع، فتسير على وجهها مقاتلةً غيرها، وساعيةً إلى فنائه، طالما أنه لا ينتمي إليها.

في زمن سابق، كان الفكر جزءاً من آلية التحوّل التاريخي. الأفكار الكبرى كانت تدور كمحرّكات للثورات، ومفاتيح لإعادة تشكيل المجتمعات. والمسألة هنا تطال الفكر بذاته، وليس بهويته. فالتنوير الأوروبي، الاشتراكية، القومية، حركات التحرّر… كلها بدأت كأفكار قبل أن تصبح وقائع سياسية. سبق هذه الأفكار أزيز الرصاص، وسادت بطون الكتب على الأفواه المفتوحة على الموارد والاستغلال، وفتح الكتاب الطريق أمام التغيير في مجتمعات غارقة في الدماء، إلى أن تشكّل إرث عالمي من المنجزات، تتحسّر عليه الورقة اليوم، وهم يرون كيف يتجه العالم إلى لحظة ما قبل الفكر، أو على الأقل لنقل إنه اتجاه صاعد يختبر نفسه في لحظة من التاريخ، ولا نعرف على وجه اليقين ما سيؤول إليه غداً.

اليوم، لم تعد الأفكار تقود الأحداث، بل تستدعى بعد وقوعها لتبريرها ولتخدم عندها وعند ناسها. تتحرك القوة أولاً، ثم يضيف الخطاب إليها الشرح اللازم الذي يضعها في قالب تفسيري، حتى لم تعارض مع المنطق القابل للتشريع. وحين ندمج الاقتصاد في هذه المعادلة، تصبح أكثر تعقيداً، فنرى السعي إلى الموارد والسيادة عليها، حاكماً لكل الحجج التي يمكن أن تساق في سبيل ذلك. النظريات تأتي بعد ذلك لتفسّر سبب هذه الحاكمية التي لا تجد الفئات الهشة أيّ فكاك منها، وتلك الفئات هي أغلبية العالم.

في هذه الدينامية، تقوم الحروب ثم ترفد بالروايات التي تبرّرها، أو على الأقل ترويها بما يتناسب مع صاحبها. وهذا له اسم واضح: عالم ما بعد التفكير.

هل هو تحوّل مفاجئ؟

ليس الأمر مفاجئاً، بل هو نتيجة تراكم طويل من نتائج صعود النيوليبرالية، تآكل الدولة الاجتماعية، تسليع الثقافة، وتحويل المعرفة إلى منتج سريع الاستهلاك. وفي هذا المسار تتوقّف الجامعات عن أن تكون مصانع أفكار، وتميل إلى أن تصير مؤسسات توظيف. بينما ينسحب الإعلام من دوره كفضاء واسع للنقاش، فيتحوّل إلى وعاء منضبط لجذب الانتباه وإدارة الاهتمام وترويج المصالح. سوق انتباه في بيع وشراء وتفضيل وإعاقة. ساحة حرب ومكلمة تكون فيها الكلمة سلاحاً تدميرياً، بدل أن تكون طوبة بناء. ومن الولادات المشوّهة لهذه الظاهرة، صناعة المحتوى. أيّ محتوى يؤدي إلى الربح والشهرة، منفصل عن الوعي والضمير وإرادة البناء البشري. هكذا تبدو الحرب على الفكر، وهي أخبث من أن تحاول هزيمته من خلال تعزيز النقيض، لأنها تهدف إلى الإفراغ والتقويض من قلب الدينامية الطبيعية التي يولد منها.

ومع هذا المسار، سادت السرعة المفروضة على المفكر. صار مطلوباً منه أن يكون عجولاً، مختصراً، جذاباً وقابلاً للمشاركة، وكل ما هو غير قابل للتداول، سيكون بعد ذلك عملةً بالية لا تنفع في السوق. مهما عظمت الفكرة، وارتفعت النية، لن تكون مطلوبةً ما لم تكن قابلة للطي في علبة التسويق المصنوعة والمرمزة بمواصفات السوق وأسياده. لقد اختفى التأمل الطويل، وأصاب التوحّد أقلام الكتابة الثقيلة. ومع الذكاء الاصطناعي، تضاءلت القدرة على بناء أطروحات مركّبة، تعالج الأفكار المعقّدة. الزمن للسريع، لا للجيد. أنت هنا أمام موقف لحظي، علّق، مرّر لغيرك، وانتظر الجرعة التالية.

نماذج دالة

غزة كانت واحدةً من الأمثلة الحيّة على أسبقية العنف على للفكرة. الأرقام التي نشرتها وسائل إعلام عالمية مثل "غارديان" و"نيويورك تايمز" أشارت إلى أنّ 29 ألف شهيد فلسطيني قتلوا خلال الأيام الــ 120 الأولى من الحرب. 70% من الأطفال، فيما كانت البنية السكنية مدمّرة حتى ذلك الوقت بنحو 60%. مع ذلك، لم تتحرّك "الأخلاق" عند هذا الحدّ. الأولوية تركت لاكتمال المشهد العسكري. هذا المستوى كان مقبولاً في المشهد العالمي. لا تفكير إذاً!

مشهد آخر يفسّر قتل التفكير لمصلحة الاستجابة، تعبّر عنه بيانات "تيك توك" مثلاً، فمتوسط مشاهدة فيديو من 7 إلى 15 ثانية تفاعل بـ2.3 مرة من مقال تحليلي طويل لـ"فورين أفيرز"، قد تستغرق كتابته أسبوعين.

أرقام المنصة تقول إنّ نحو 60% من الجمهور يغادر أي فيديو يتجاوز زمنه الدقيقة الواحدة. الخوارزمية هنا تحدد ما تشاهده، وهي التي تفكّر لا أنت. خُمس الأميركيين يحصلون على أخبارهم بصورة منتظمة من منصة "تيك توك". بينما كانت النسبة في عام 2020، 3% فقط.

مداولات الكونغرس الأميركي حول الموضوع كشفت أن خوارزميات "ميتا" تضخّم المحتوى الاستقطابي لأنه يزيد زمن البقاء على المنصة بنسبة تقارب 40%، ذلك أنّ الانقسام مربح، بينما التفكير بهدوء خاسر.

وبحسب تقرير لمنظمة "اليونيسكو" لعام 2024 فإن البشرية تنتج يومياً 2.5 كوينتيليون بايت من البيانات، لكن متوسط القراءة العميقة للفرد انخفض عالمياً إلى أقل من ست دقائق متواصلة.

بدورها، كشفت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD أنّ أكثر من 64% من البرامج الجامعية الجديدة بين 2015 و2023 صمّمت بناءً على احتياجات السوق، وأقل من 18% منها كانت له أبعاد فلسفية أو نقدية. وهذا يعني أنه حتى الجامعة لم تعد مصنع أفكار، بل خط إنتاج للموظفين!

وبالاتجاه نفسه، كشف مركز "بيو" للأبحاث أنّ 31% من الشباب الأميركيين يحصلون على أخبارهم من صنّاع المحتوى، بينما انخفضت نسبة من يقرؤون المقالات التحليلية الطويلة إلى نحو 9%.

أية قدرة باقية؟

قد تبدو المعالجة هذه قاسيةً على حق العصر في أن يعبر عن نفسه، خصوصاً أن أحداً لم يقمع صاحب فكرة، أو لنقل أن القمع هنا ليس عمومياً أو مباشراً، لكنه مع ذلك لا يتبرأ من تصنيفه كقمع، لأنّ دفن التفكير تحت كومة التفاهة، وتضييع الكلمة البنّاءة برفع الضجيج حولها، يعدّ عملاً عنفياً في طبيعته. لا وليد للصدفة في هذا العصر. كل ما يحدث مفكر فيه، والتفكير في اللامفكر فيه يخرج عن قواعد "ما هو قابل للانتشار"، خصوصاً إذا لم تتوفر فيه مواصفات علبة التسويق آنفة الذكر. لكن هل يعني ذلك أنّ الفكر فقد قدرته على التغيير؟ ليس تماماً.

لا يغيّر الفكر العالم بالطريقة التي نتصوّرها رومانسياً. وهو لا يصنع الثورات فوراً، ولا يسقط المنظومات المعقدة مباشرة. لكن تأثيره أبطأ، أعمق، وأكثر خفاءً. يعمل الفكر في الطبقات العميقة للوعي الجمعي. ثم يغيّر طريقة رؤية الناس لأنفسهم، ويعيد تعريف الممكن بالنسبة إليهم، فيزرع الشك في المسلّمات، ويخلق مسافة بين الفرد وما يفرض عليه، ثم تتسع تلك المسافة بالإدراك المولود من كل حدث ومعطى، وهنا تكمن أبرز معالم خطورته.

الفكرة خطرة جداً، ووسيلة نقلها الكلمة، التي تمر عبر اللغة كما يمر الهواء، من تحت أبواب المنصات، وتزحف على صفحات الكتب والصحف، وتتسلل في أروقة الجامعات والمدارس والمختبرات، وتنسحب إلى دور العبادة والمنتديات وتجمّعات الأصحاب والملاعب، ثم تصل الساحات، وهنا تنبت لها أسنان وأظافر، وحجارة فيها شرر، فتشتعل. الفكرة مادة قابلة للاشتعال. 

ولهذه الأسباب، تؤرق الفكرة السلطات عبر التاريخ، على اختلاف الشكل الذي تتخذه لنفسها، فهي أحياناً تكون نوتةً، وفي أحيان أخرى تكون صورةً لها زاوية خاصة للرؤية، أو مجرد مقاطع صوتية حاملة لفهم محدد للأشياء، لأحكام محددة عليها، ولاقتراحات أكثر تحديداً لما يمكن عمله.

وعلى عكس ما قد يقفز إلى الذهن حول سبب هذا الخطر، لا يكمن الخوف في الأجوبة التي يعطيها الفكر، بل في الأسئلة التي يطرحها، والاحتمالات التي يخلقها. وهي أسئلة واحتمالات تمرّ تصاعدياً لتتحوّل إلى معضلات صعبة المعالجة والاستجابة. السؤال أيضاً مادة لتقويض الحاضر، حتى لو لم يري شكل المستقبل.

بهذا المعنى، يفتح الفكر جروحاً معرفية ويضع الإنسان أمام مسؤوليتاته، بعد أن يزعزع طمأنينته. ولهذا السبب، حاولت السلطات على الدوام ضبط المعرفة، وحبسها في قوالب وعناوين ومؤسسات. هناك تمكن محاصرتها في حدود ما هو واجب أو عقول، وما هو جائز أو مستهجن، وما هو طبيعي أو مجنون. القوانين والمناهج، الإعلام والخوارزميات، قد تستخدم كقيود على المعرفة. أغرب من ذلك، يستخدم التفكير نفسه في محاربة ذاته، فيتمّ تمويل مراكز التفكير، من أجل خلق بيت للتفكير، تحت السيطرة. والتفكير تحت السيطرة بمثابة عدم التفكير.

وفي زمن الإنهاك النفسي، الذي يحاصر فيه الفرد بالأزمات والديون والصور والأخبار، وبالبيانات، يسيطر الخوف. والخوف مقتل من مقاتل التفكير. ولأن الناس لا يرغبون بعبء إضافي، فهم سيتجهون إلى تفضيل الرواية البسيطة والتفسير الأسرع. جرعة اليقينيات الجاهزة ستكون مناسبة تماماً لهم، خصوصاً (ونعود إلى فكرة متكررة) أن اليقين الجاهز قابل للانتشار وصالح للتمرير. أما الفكر العميق، فيتطلب طاقة داخلية لم تعد متاحة لكثيرين.

معرفة أكثر فهم أقل

تظهر من هنا مفارقة عصرنا المذهلة. كيف يتوفر هذا المستوى غير المسبوق من القدرة على الوصول إلى المعرفة، وتنخفض في الوقت نفسه قدرتنا على الفهم. الأمر شبيه بحيازتك مكتبةً ضخمة، لا وقت لديك لقراءة شيء منها. لكنك في الوقت نفسه، تكتسب لقب صاحب المكتبة وقارئ رفوفها. وأنت ستسعد بالأمر. منظر المكتبة رائع. المكتبة\المنظر بشعة.

المنصات كثيرة، والنقاش محتدم، لكن الحوار ضعيف. تقول كل ما لديك، لكن المعنى شحيح. فوق المعنى هناك ضجيج عال من الكلام الذي لا يقال فيه شيء. تخيل ألف كلمة لا تقال فيها فكرة. ثم تتذكر، أنه في البدء كانت الكلمة... وأن التحولات الكبرى تبدأ من كلام على الهامش، يدخل في الفعل، فيحدث التغيير. والتغيير ابن الأقليات الواعية المصرة، وأن التقليد هو البيئة المريحة للأغلبيات المطمئنة، أو التي تحرس طمأنينتها على حساب غدها.

هل ما زال الإنسان المعاصر يريد أن يتغيّر؟

يتطلّب التغيير الشجاعة، وهو ليس عملية ميكانيكية، بل تجربة وجودية تتطلّب مواجهة الذات، والتخلي عن الامتياز، وكسر العادة، وإعادة بناء معنى الحياة بذاته، والاستعداد لدفع الثمن.

لقد تراجع بوضوح استعداد الناس حول العالم لدفع الثمن، وهذا ما أظهرته حروب السنوات القليلة الماضية، التي أثبتت فيها الأغلبيات أنّ الميل للحفاظ على المكتسبات أقوى في النفوس من الرغبة بالعدالة والجمال. حتى أن الخيال - وهو تربة التفكير - تراجع، وصارت حالاته زوابع في فناجين صغيرة. 

يحتاج الفكر مساحة داخلية، ونفوسنا مكتظة، فيها ناطحات مكدّسة من الأحداث والبيانات والصور. لا مساحات خضراء باقية، أو على الأقل، لا مساحات واسعة متروكة. ومع ذلك، يبقى العقل آخر ما لا يمكن مصادرته بالكامل. 

يمكن السيطرة على كلّ شيء، لكن كلّ سيطرة محكومة بالانهيار ما لم تمتلك نظرية، والنظرية الكاملة لم تولد بعد. هكذا يتغيّر السؤال، فلا يعود حول إمكانية تغيير الفكر للعالم، ليصبح، كيف يستعيد التفكير مكانته في الحياة وحضوره في الفعل. فهو يغيّر الإنسان، والإنسان يحرّك الأحداث، والأحداث تصنع العالم.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك