زياد مبارك في "جهانكشاي": الكتابة بوصفها انتحاراً
هذه الرواية ليست مجرد رواية عن الحشاشين في العصور الوسطى، إنما عن الصندوق الأسود الذي لا معرفة لأسراره -لمن يحب الحكايات- سوى بالكتابة والعيش في عوالم لا تروي لنا التاريخ، بل توقعنا في مصيدته.
-
زياد مبارك في رواية "جهانكشاي": الكتابة بوصفها انتحاراً
ثمة متعةٌ في قراءة التاريخ حين يمسك بوقائعه الروائي، ويقلب في المخيلة كل ما كان معروفاً، ثم يعملُ ليكسوه صيغةً مبتكرةً، ويمنح أبطاله أصواتاً لا مخطوطة تصفها. وكأن التاريخ الذي يعمّره المؤرخون ينتهكه الروائي بمتعة الهدم الجميل للمعلومة الجامدة. يشبه الأمر الجلوس بين يدي عرافة، لكنها عوضاً عن قراءة المستقبل، تعيدُ قراءة الماضي بطريقة شقية. وأمام رواية "جهانكشاي: صاحب الديوان والحشاش" (دار هاشيت أنطوان 2025) للكاتب السوداني زياد مبارك نقع على خلطة تاريخية سردية دسمة. ومن البداية ندرك أننا لسنا أمام رواية تقليدية عن الحشاشين أو الإسماعيلية النزارية في قلعة ألموت. بل أمام مصيدة أعدها الكاتب لشخصياته وقرائه. ذلك أننا نحرص ومن الصفحات الأولى على الإمساك بخيوط الحكاية، ومن العنوان الذي يتعدى فكرة الزخرفة اللغوية، ويقصد به –جانكشهاي- القاتل المحترف في اللغة الفارسية، ندرك أننا أمام مجرم، لكن المفاجأة أن ذلك الموظف الهادئ الذي يمسك بأقلام البردي ويسجل الأسماء والحسابات لا يمكن لعقل أن يتخيل إجرامه. فكيف امتهن الكتابة؟ وكيف يمكن للكتابة بوصفها فعلاً تأملياً أن تصير مصيدة توقع صاحبها في براثن العنف الذي يمارسه؟
نلتمس البراعة الفنية منذ البداية، إذ يضعنا الكاتب أمام حادثة قرع باب منزل أبي عمر الشامي في بغداد، حيث تضع فتاة غريبة صندوقاً وترحل. الرجل الهارب بدوره من خراب دمشق وتدميرها على يد المغول، يستعيد عن طريق الطروس؛ أي رسائل الاعتراف المخبأة في الصندوق، مأساته القديمة. ويصطدم باعتراف خازن المدينة "الظافر بأمر الله" المعروف بقسوته وجبروته ضلوعه في مقتل ابنه وزوجته في دمشق قبل أعوام. الحدث الذي يصيبنا بالحيرة رفقة أبي عمر؛ فهو الأب المكلوم، واللاجئ إلى بغداد، ليس إلا الشاب الكردي "جوتيار" الذي خُطف صغيراً وأخذته طائفة الحشاشين وربته في قلعة ألموت ودربته على الاغتيال والقتل. تبدو الكتابة هنا كما لو أنها أداة للاعتراف والتضليل معاً. فما الذي يدفع بالظافر بأمر الله أن يعترف للتاجر؟ ولماذا الكتابة السردية؟ هل هو الندم أم ثمة خيوط أخرى تكشفها الرسائل لتولد سرديات جديدة؟ هكذا تظهر الكتابة في زمن الإمبراطورية المغولية، حيث تغير شكل العالم وانهارت عواصم واختفت آثار الدولة العباسية إلى غير رجعة. وأمام استباحة بغداد وقتل المستعصم بالله، تصطبغ أنهار دجلة والفرات بدماء أهلها، وبتلك المياه الحمراء يكتب علاء الدين عطا ملك الجويني كتابه "جانكشهاي/ فاتح العالم" مؤرخاً تلك الحقبة الممزوجة بآثار جماعة الحشاشين واندثارها صحبة الحضارات التي التهمها العنف المغولي.
تكمن المصيدة السردية في فخ المسؤولية المزدوجة التي تقع على عاتق جوتيار. لأن جوتيار أو حسن أو الظافر بأمر الله، ليس مجرد قاتل عادي، ذلك أنه يمتلك المعرفة الكاملة بضحاياه ويدوّن كل ما يعرفه عنهم. هذه المعرفة التي تمنحه إياها الكتابةُ تحوّله من أداةٍ عمياء إلى جلادٍ واعٍ. وهذا هو الصراع الحقيقي لقاء خدعة الهويات الزائفة. فمن هو كاتب الرسائل السردية؟ هل هو الكاتب الهادئ "حسن" الذي تبنّاهُ الجويني؟ أم أنه الحشاش الذي يقفز فوق أسوار قلعة ألموت بلا أدنى خوف؟ يرفض زياد مبارك أن يمنح بطله هوية مستقرة، وفي أحد المشاهد المؤلمة يدفعه لسرد قصته الذاتية لا قصص ضحاياه، إلا أن لغته لا تحتمل ضمير المتكلم، إذ يكتشف أنه بلا قدرة على الكتابة عن ذاته، وهنا تكمن البراعة في جعل الكتابة أداةً للاختفاء والظهور معاً. ومن جبال الديلم وأعشابها وطرقاتها نتعرف إلى الوجه الآخر لحسن الصامت؛ فهو الغريب الذي أنقذته عائلة فيروز من الموت، وهو الفلاح الذي عمل في زراعة أجود أنواع الأعشاب، وهو النازح إلى بغداد تحت تأثير اجتياح المغول لأرضه. وفي زمنٍ يتسلق فيه الجويني سلم المراتب في الديوان المغولي، نجده أيضاً يتسلق أسوار قلعة ألموت بحثاً عما دوّنه حسن الصباح من سيرته الذاتية، وهناك تلتقي العيون، ويلتقي قطبا الحكاية الأساسيان، حيث يجمعهما كتابٌ نادر وسط ضوضاء المعارك وصليل السيوف والخناجر.
كان من الممكن لقصة حسن أو جوتيار الكردي أن تبقى طي الكتمان، إلا أن آلام أبي عمر الشامي ورسائل الاعتراف السرية تكشف عن المجرم. وتكون بمنزلة الخنجر الذي يثلم الحقائق واحدة تلو الأخرى. ويؤثر على قدر الجويني ومصير عائلته العريقة. ذلك أنه يستعين بحسن لأعمال الديوان ويجعل منه محتسباً على أمواله ويسمّيه "الظافر بأمر الله" حتى يضعنا الكاتب في النهاية وسط مشهد لا ينسى: إذ يتعب جوتيار من ازدواجيته ويقرر الكتابة، لنعلمَ أن كل جملة كتبها عن موت الآخرين كانت بمنزلة صك إعدام له وللجويني. وهنا تظهر عقدة مدهشة تتمثل في التساؤل القائل: هل يمكن للكاتب أن يكتب من دون أن يقتل شيئاً في داخله؟ ليست النهاية التي تفضي إلى إقالة الجويني وإعدامه، ولا في هروب جوتيار إلى مسقط رأسه وعودته إلى العمل في الجبال وزرع الأعشاب النادرة، بل تتعلق النهاية في الكتابة ذاتها؛ إذ يمكن القول إن الحشاشين هنا مجرد قناع تختبئ خلفه هواجس الكاتب المعاصر. ونحن في عالم تتساقط فيه أجساد الأبرياء كأوراق الخريف، تتحول الكتابة إلى إقرار بالهزيمة. فصاحب الديوان والحشاش ليسا شخصين مختلفين، هما وجهٌ لإنسان واحد مزقته الحروب، لكنه في الوقت ذاته مفطور على البقاء. لذا، كانت الكتابة جامعةً بينهما؛ إذ لم يكن لصاحب الديوان أن يعيش من دون أن يكون حشاشاً في موضع ما من روحه، ولم يكن للحشاش أن يخطط للقتل من غير أن يكتب أسماء ضحاياه. وفي النهاية، يبقى أبطال الرواية عالقين في منطقة رمادية، فحسن ليس شريراً بالمطلق، وليس ضحية كاملة لأنه كتب أسماء الآخرين حتى أضاع نفسه بين السطور. وبهذا، فإن الرواية ليست مجرد رواية عن الحشاشين في العصور الوسطى، إنما عن الصندوق الأسود الذي لا معرفة لأسراره -لمن يحب الحكايات- سوى بالكتابة والعيش في عوالم لا تروي لنا التاريخ، بل توقعنا في مصيدته.