"كهف الألواح": مغامرات البحث عن السردية الحقيقية للإنسان

رحلة الأسئلة في نصوص هذه الرواية لا تتوقف، ولا إجابات واضحة تقدم جوهرية الفكرة للقارىء، فالقارىء هنا أيضاً، هو الباحث عن الحقيقة، الحقيقة المتعددة، ليس لها مشهد واحد، بل هي الكنز الضائع بين السطور.

  • رواية
    رواية "كهف الألواح" لمحمد احجيوج: مغامرات البحث عن السردية الحقيقية للإنسان

تفقدتُ صفحات الرواية بشكلٍ سريعٍ قبل أن أفكر في عنوانها، رواية" كهف الألواح" للروائي المغربي محمد سعيد احجيوج، الصادرة عن دار نوفل / انطوان هاشيت في بيروت عام 2024، وظهرت لي الفصول بعناوينها أنّها ليست فصولاً لرواية واحدة، بل هي كما توقعت سلسلة ألواح في كهف النص المتكامل، والكهف هنا ربما هو رمزية تدلُّ على صورة الإنسان الأول، رحلة التكوين في زمن التيه وعدم الإدراك الكامل لسر الحياة، والألواح هي الأحجار الجاهزة لتدوين سردية الإنسان في رحلة بحثهِ عن الحقيقة، من دون إشارة الروائي محمد سعيد احجيوج إلى ذلك في الرواية، ولكن ما أنتجتهُ نصوص الرواية في عمق معناها، ودلالتها الذاهبة في خضمّ الإنسان والحقيقة. ويتنقل كاتبُنا محمد احجيوج بين تفاعلات التشويق الغرائبي في العالم الغرائبي الأول للحياة، وبلغة شعرية رشيقة ومتينة تحمل الخيال إلى الانبعاث الأول للكون، إذ يقول في النص الأول بعنوان: "النداء الأول":

تكرر الحلم سبع مراتٍ سبع ليالٍ متتالياتٍ وما عاد يُمكنها تجاهل اللوم في صوت زائرها، تأخرت، قالها، ووقر في فؤادها يقيناً إنّهُ الولي الصالح آزاد، الذي مشى على الماء، يناديها. نعم، هو الحل حتماً لتخليص طفلها من العاهة التي استيقظ بها ذات صباحٍ، وما عاد بعدها ليحرك قدميه، وقد كان من قبل، كما الأطفال كلهم، قرداً يقفزُ من شجرةٍ إلى أخرى.

أن يبدأ النص الأول من الرواية بهذا النداء، من كوخ المرأة التي مرض طفلها، وليس لها سوى الوالي الصالح آزاد، فهي دلالة على الولادة والرجوع إلى الوالي من أجل العلاج، والثقة التامة بقدرتهِ على إنقاذ طفلها من المرض في الكوخ، وهي دلالة أخرى على بدائية العيش بفلسفة البسيط الذي يبحث عن صورته الأولى على الأرض، وخصوصاً عن تشبيه الطفل بالقرد كرمزية بسيطة للإنسان الأول على سبيل البراءة في التعبير، عن لعبهِ وحركاتهِ، ولكنّها تأخذنا إلى إيحاءٍ لافت، وأنّ الوالي الصالح آزاد، الذي مشى على الماء، وهنا دلالة أخرى " للمشي على الماء"، وهل يقصد "مشى" كما مشى السيد المسيح "عليه السلام" على الماء كما رويَ عنهُ؟، وكما هو ظاهرٌ في الرواية، فهل يستطيع الوالي الصالح آزاد أن يشفي الطفل؟، وأن يكون الشافي؟ هذه الأسئلة هي مفاتيح سر الحقيقة في النداء الأول كما أطلق عليه الروائي.

 أمّا في النص الذي في منتصف الرواية المعنون ب:" غرفة المرايا" التي تظهر هنا قصة العربية والعبرية للدلالة على اسم " سارة سرور"، يقول:

سمّاها أبوها احتفاءً بالمعنى المزدوج للاسم الجامع بين السعادة العربية والسيادة العبرية. وفي موضع آخر يظهر حقيقتهم، يقول:" دخلوا البيت كأنّهم فاتحون الأندلس أو كما أبناء عمومتهم محتلون فلسطين. ليس ثمة اصطناعٌ للحزن في وجوههم، وليس ثمة، ولو محض محاولةٍ، اخفاء اللهفة، لهفة الطمع، الناضجة بأعينهم.

هنا أضاء نص الرواية على يهود المغرب الذين يعيشون في طنجة، وتبدو بطلة هذا النص هي"سارة سرور" واسم سارة هو اسم يهودي الرمزية، ولا بدّ أن نذكر هنا أنّ عنوان النص جاء معنوناً ب" غرفة المرايا"، كأنها توحي إلى غرفة المحكمة، الذات أمام الذات، وكأنّه اعتراف ما، ولاسيما حين كشف القناع عن وجوههم، أراد أن يكشف حقيقة اليهود، وهي أيضاً جزء لا يتجزأ من رحلة البحث عن الحقيقة في أتون الأسئلة والمرايا، وحين استطاع القفز من المعنى المزدوج بين السعادة العربية والسيادة العبرية، أظهر جوهر الصراع الذي هو :" أنّهم محتلون فلسطين"، وكلمة الحق في جوهر الصراع وجوهر الإنسان.

الرواية حديثة جداً، من جهة الأسلوب وطريقة تقسيم النصوص، والقفز من مشهدٍ إلى آخر، وربما خارج شعور القارىء بالانتقال بين نصٍ وآخر، مع انتقال الأبطال أيضاً، الذين هم" الوالي الصالح آزاد / خلود/ ايزل"، وكما نلاحظ عبوره من التاريخي إلى المستقبل والحاضر، يبدأ من الأحداث التاريخية المهمة في صراعنا مع العدو الصهيوني إلى ما حدث في وقتنا الحالي، يقول في فصل:" الحركة الثالثة - رقصة الموت":

رغم شهور الإعداد والمتابعات والمراقبات و الاغتيالات والسعي نحو الرأس المدبّر لعملية ميونخ، علي حسن سلامة، الأمير الأحمر كما يصفونه، جاءت هذه العملية الأخيرة مشبعةً بالتسرع والارتباك. كان أمل الموساد بالتخلص أخيراً من الفلسطيني الذي قضّ مضجعهم، الذراع اليمنى لياسر عرفات.

حاول الروائي ذكر هذه العملية كي يضيء على الصراع بين الحق والباطل، وأنّهُ ما زال مستمراً إلى يومنا هذا، للولوج في التاريخ وإظهار كشف الحقيقة، لتعزيز التجربة بما هو صواب وما هو خطأ، ولا ننسى أن الروائي مغربي الجنسية، بدأ باليهود في المغرب وطبيعة العيش معهم،"سارة سرور واسحاق"، ولكن اللا طبيعي هو العيش مع الاحتلال الصهيوني المتوحش في فلسطين " أبناء عمومتهم" كما قال.

الرواية متاهة سردية عنكبوتية كما قال عنها الكاتب، ذاكرة خلود حُفرت على ألواح الكهف، هل هي الحياة؟ أم هو الموت المتنقل بين الناس؟ ورحلة الأسئلة في النصوص لا تتوقف، ولا إجابات واضحة تقدم جوهرية الفكرة للقارىء، فالقارىء هنا أيضاً، هو الباحث عن الحقيقة، الحقيقة المتعددة، ليس لها مشهد واحد، بل هي الكنز الضائع بين السطور.

اخترنا لك