"تمويه" لعدنيّة شبلي: رواية الأسرى والزيتون المقاوم
نلحظ في هذه الرواية الرمزية التي أرادت منها الروائية للدلالة على ادعاء الاحتلال بأنّهُ يريد السلام، ويردّد هذه العبارة ليل نهار، لكنّهُ يعتبر الفلسطينيين إرهابيين، كما يزعم، بينما هو الذي يحتل الأرض ويقتل ويرتكب المجازر، ويردّد مثل الببغاء، سلام. سلام.
-
رواية "تمويه" لعدنيّة الشبلي: رواية الأسرى والزيتون المقاوم
أدهشتني رواية "تمويه" للروائية الفلسطينية عدنية الشبلي، الصادرة عن دار الآداب هذه السنة، وهي رواية فلسطينية جديدة وحديثة في المضمون والشكل، فيها رائحة الأرض ببرتقالها وزيتونها وفصولها الأربعة، تنبش الرواية في رواية الفلسطيني الذي يبحث عن ذاته في وطنه، أو يبحث عن ذاته في ذاته، وتمسك بأطراف الحكاية الأولى.
تبدأ الرواية من أرض البرتقال الحزين كما قال غسان كنفاني، وتصعد بنا إلى جوهر القضية، وتمرّ بكلّ فصول الأرض، من قداسة الزيتون إلى عناد الصنوبر، ومن الحجر الأوّل إلى ألوان الفجر الأولى، لا توجد أسماء حقيقية واضحة لشخصيات الرواية، بل أسماء رمزية، مثل: الطالب والطالبة، الصحافيّ، والمشغّلة، والأجير.
وتدور أحداثها حول فلسطيني وفلسطينية؛ الطالب أسير محرّر، والطالبة تدرس في الجامعة التي تقع على الخط الفاصل بين حيّ فلسطيني قديم ومستوطنة إسرائيلية، ويدخلان في صراع التمسّك بالحروف العربية واللكنة العربية في ظلّ الهيمنة الصهيونية في محاولة فرض اللغة العبرية في المحاضرات الجامعية، وتحديداً في تخصص علم الاجتماع، حيث اختارت الطالبة الفلسطينية هذا الاختصاص.
والطالبة من عائلة فلسطينية فقيرة، تدرس في الجامعة وتبحث عن عمل كي تعين أسرتها، فتتعرّف إلى طبيب نفسي، يرسلها إلى مريضة نفسية إسرائيلية تحتاج إلى شغّالة في بيتها، فتذهب وتتعرّف إليها، وتبدأ بالعمل عندها، فتسمع منها الكثير من الاعتداءات على الفلسطينيين بأنّهم إرهابيين، فتغضب الطالبة وتنزعج، وهنا يصيح الببغاء المعلّق ويردّد: سلام. سلام. الفلسطينيون إرهابيون.
ونلحظ هنا هذه الرمزية التي أرادت منها الروائية للدلالة على ادعاء الاحتلال بأنّهُ يريد السلام، ويردّد هذه العبارة ليل نهار، لكنّهُ يعتبر الفلسطينيين إرهابيين، كما يزعم، بينما هو الذي يحتل الأرض ويقتل ويرتكب المجازر، ويردّد مثل الببغاء، سلام. سلام.
وتصوّر الرواية أيضاً الدور الأميركي المشارك في جريمة الاحتلال في رمزيّة المحاضرة اليهودية من أصول أميركية الملقّبة بـ "الحرباء" من قبل الطلاب، لأنّها تتغيّر وتتبدّل وتدافع عن اللغة العبرية في الجامعة وحقّها في الانتشار. وتصوير الشغّيلة الصهيونية بالمريضة نفسياً أيضاً لها دلالات كثيرة على الاشتباك النفسي الذي يعشش في نفوس المحتلين الصهاينة للأرض، بأنّهم هنا لكنّهم ليسوا من هنا، فهم يعيشون حالة الفصام النفسي في ذواتهم، وهذا يعكس البعد الدلالي الكبير في الرواية التي أضاءت على رموز كثيرة ومنحتها المعاني المناسبة لكي تعالج مفهومها الحقيقي للقارئ الذي يجهل حقيقة القضية الفلسطينية بكلّ تفاصيلها على الأرض، وتصوّر بشكلٍ كبيرٍ حياة الفلسطينيين ومعاناتهم مع هذا الاحتلال الوحشي، وظلمه، وسلبه للأرض واختراع سرديته الكاذبة والمزيّفة.
تترك الطالبة العمل مع الشغّيلة المريضة نفسياً بسبب ما سمعتهُ من عداء للفلسطينيين، فلم تتحمّل هذه الإساءات العدوانية، وتتعرّف إلى الصحافي الأجنبي الذي كان يبحث عن مترجمة من العربية إلى الإنكليزية في فلسطين، فاشتغلت معهُ كمترجمة، بدأت بكتابة التقارير باللغة الإنكليزية، تتنقل معهُ في الأحياء الفلسطينية وتترجم له مدى تعلّق الفلسطيني في وطنه، وعلاقته بأشجار الزيتون وخضرة الأرض.
وحين يبدأ المستوطنون بالاعتداء على الفلسطينيين ويحرقون شجر الزيتون ويطلقون النار على الفلسطينيين، يطلب منها الصحافي التغطية ويذهب معها إلى المستوطنة الصهيونية للتحقيق حول الحادث، فلاحظت عند التغطية بأنّهُ يطلب منها أن تكتب مصطلحات تستخدمها الصحف الأجنبية، وتذكر رواية الاحتلال بدقّة، مثلما يذكرها رئيس بلدية المستوطنة الصهيونية، مثل: "الفلسطينيون هم المعتدون أولاً"، فتبدأ بالشرود والتشتّت والتساؤل، فتصبح المهمة صعبة بالنسبة إليها، لكنّها تقع في حبّ الصحافي، فلا يكفّ عن الاعتراف لها بالحب، وتترك سكنها الجامعي المُكلف بالنسبة لها، وتذهب لكي تسكن معه، وتدخل الرواية في الطقوس الرومنسية في لغةٍ شعريّةٍ فائضة بالخيال الماتع، واللغة الرشيقة والساحرة التي تنبعث منها رائحة العشب في الأرض المقدّسة، تقول في صفحة رقم "163":
"في غضون تجوالهما بلا هدفٍ في أنحاء الساحة، تتّقد حيرة الصحافيّ شيئاً فشيئاً بصدد رغبتهِ بشراء تماثيل مصنوعةٍ يدويّاً من خشب الزيتون، قد تُسعد بها والدته. هي تماثيل خشبيةٌ مختلفة، تحاكي مشهد ولادة المسيح"،
تذهب الرواية إلى عمق المعنى في الرموز والدلالات الكبيرة في حقيقة الموروث، وأنّ "فلسطين" هي أرض الأنبياء وسيرتهم في الأرض، والديانات السماويّة، ولا سيما عند الانتهاء هنا بجملة تحمل معنى الرواية كاملة حين قال: "سيزرعهُ في أصيص (وعاء) يتركهُ معها لينمو على غرار نموّه خلف من هجّروا، الآن وقد هجّرَ هو الآخر. تبقى صامتة. كما أن، لا أحد يعرف إن كان بمقدرة نباتٍ ما أن يُكمل مسيرة إنسان".
وهذا يدلُّ على أنّ علاقة النبات بالأرض مثل علاقة الإنسان الفلسطيني في وطنه، حتى غادر وأبعد عنه، فهو متشبّثٌ بالتراب كتشبّث الزيتون في التراب، فهناك علاقة صلبة وقويّة بين الأرض وأهل الأرض الأصليين، ربّما تكون الإجابة عن هذا السؤال المطروح في الرواية، فالأثر في الأرض هو الوحيد الذي يبقى بعد رحيل الإنسان عن أرضه.
ولا تكفّ الرواية عن النبش في الواقعي والجوهري كما في المتخيّل في آن، فهي بشكلٍ مختصرٍ رواية الثلاثيّ المقدّس: "السرديّة والمقاومة والأرض"، رغم ازدحام المسارات الرئيسية الكثيرة في الرواية، يبقى الثبات أوضح من المتحوّل، في لعبة المشاهد المدرّجة بالجوهري.
رواية "تمويه" للروائية الفلسطينية عدنية الشبلي مختلفة جدّاً، وتثير الكثير من التساؤلات الذاهبة إلى أنبل قضية إنسانيّة في تاريخ البشرية، وتمسك اليد من جهة الجرح، لا لتوجع، بل لتمنع الدم من النزيف، وهذا يذكّرنا بمقولة الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل مريد البرغوثي: "الأمل يضغط على صاحبه كما يضغط الألم".