أنقرة بين نارين: لماذا تخشى حرب إيران أكثر من إيران نفسها؟

تركيا تفضل إيران ضعيفة بما يكفي لعدم تهديدها، وقوية بما يكفي لعدم انهيارها. هذا هو منطق "الاستثمار في التناقضات" نفسه الذي تنتهجه روسيا، ولكن هذا المنطق قد لا ينفعها هذه المرة.

  • تركيا.. التهديد الأمنيلمباشر و
    تركيا.. التهديد الأمنيلمباشر و"النار قريبة من الدار"..

لطالما حكمت الجغرافيا السياسية العلاقة بين إيران وتركيا، حتى قبل أن تُوجدا كدولتين حديثتين، فكلاهما يمتلك طبيعة جغرافية صعبة، مولدة لنزوع إمبراطوري حضاري، أدى بهما إلى الصدام في بعض الأحيان والتنافس في الأكثر، حتى لو كان من يحكمهما من الإثنية التركية على مدى أكثر من ألف عام.

تبقى هاتان الدولتان الوحيدتين في منطقة غرب آسيا القادرتين على إدارة هذا التنافس أو الصراع بحس الدولة والمصالح، منذ أن وقعت الدولة الصفوية والدولة العثمانية اتفاقية قصر شيرين 1648، التي حافظت على حدود ثابتة بين البلدين، مع استمرار التنافس أو الصدام غير المباشر بينهما في مناطق خارج الدولتين.

وربما يكون المثال الأوضح هو في الحرب السورية المديدة، التي خاض فيها الطرفان صراعاً منضبطاً باختيار كل طرف منهما لطرف محلي. هذا الصراع انطلق من أولويات متناقضة بعد الثورة الإيرانية، التي حولت إيران من إطار الحلف الغربي إلى عدو وجودي لـ"إسرائيل"، ودفعتها إلى تبني القضية الفلسطينية بشكل كامل إدارةً ودعماً وقيادة.

وبالرغم من موقع تركيا الأهم بعد الولايات المتحدة في حلف الناتو، واستمرار علاقتها مع "إسرائيل"، فإن ذلك لم يمنع البلدين من إدارة مصالحهما بعقلية الدولة. وصل حجم التبادل التجاري بين الطرفين لعام 2025 إلى قرابة 14 مليار دولار، ويتم العمل على رفعه إلى 30 مليار دولار، إضافة إلى التنسيق السياسي والاستخباري في ما يخص الأمن القومي للبلدين.

لم تنظر أنقرة إلى التهديدات الأميركية الأخيرة بشن حرب على إيران باعتبارها فرصة تاريخية للتخلص من منافس تاريخي لها، أو حتى فرصة لإسقاط مشروع "شمال-جنوب" الذي يشكل تهديداً لمشروع "ممر التنمية" الممتد من "ميناء الفاو الكبير" إلى تركيا ثم أوروبا، بل تعاملت مع الأمر كتهديد وجودي لها، بالرغم من العلاقة المميزة بين الرئيسين الأميركي والتركي، وضرورتها للغرب عموماً وللوﻻيات المتحدة، وخصوصاً في صراعها مع التهديدات الصينية والروسية، بهدف الحفاظ على الهيمنة الغربية على العالم وبقاء الولايات المتحدة قطباً وحيداً. هذا الموقف دفع إلى التساؤل حول أسباب القلق التركي الوجودي من نشوب الحرب، وبذل أقصى الضغوط الدبلوماسية لمنعها.

القلق التركي ليس نظرياً، بل ينبع من تهديدات جيوسياسية ملموسة قد تصل إلى حدودها، وإدراك أنقرة لعامل التهديدات الحقيقية، وهي التي تعاني أصلاً أزمة اقتصادية كبيرة وضاغطة على الدولة والمجتمع التركي، إذ بلغ إجمالي سوق الدين أكثر من 540 مليار دولار (توقعات بنهاية 2026)، وإجمالي الدين الخارجي نحو 564.9 مليار دولار حتى نهاية الربع الثالث 2025.

أولاً: التهديد الأمني المباشر: "النار قريبة من الدار"

· المخاوف الكردية (الورقة الأكثر إيلاماً): تخشى أنقرة، بشكل واضح في التصريحات الرسمية والعمل الميداني في سوريا، إحياء المشروع الكردي من جراء أي حرب واسعة ضد إيران. قد تؤدي الحرب إلى تفكك إيران وقيام كيان سياسي كردي فيها، يستطيع التمدد إلى داخل تركيا عبر التواصل مع إقليم كردستان العراق وما تبقى من مشروع كردي في سوريا، مهدداً وحدة أراضيها وجودياً.

كما تخشى أنقرة سعي الولايات المتحدة و"إسرائيل" لامتداد نيران الحرب إلى جنوب شرق تركيا، حيث الكثافة الكردية. وأي محاولة لرسم خرائط جديدة في المنطقة (مثل مشروع "كردستان الحرة" أو "روج آفا") ستكون بمنزلة إعلان حرب على أنقرة، التي تخوض صراعاً مسلحاً مع حزب العمال الكردستاني (PKK) منذ عقود.

· موجات لجوء جديدة: تخشى تركيا أن تتدفق إليها موجات لجوء واسعة من جراء الحرب، وخصوصاً من أذري إيران (الترك)، ما يعني موجة جديدة لا تستطيع أنقرة تحملها، وهي التي تعاني من استضافة أكبر عدد من اللاجئين في العالم، حيث يصل عددهم إلى قرابة 4 ملايين لاجئ أغلبهم من السوريين، في ظل وضع اقتصادي صعب جداً. المشكلة الأخرى في اللاجئين الأذريين أنهم ينتمون إلى المذهب الشيعي الإمامي، والمجتمع التركي الذي يشهد أصلاً توترات خفية بين أغلبيته السنية وأقلياته العلوية والكردية، قد لا يتقبل بسهولة تدفق مئات الآلاف من الشيعة الإماميين، وخصوصاً في ظل خطاب إعلامي معادٍ لإيران أحياناً.

ثانياً: المصالح الاقتصادية: ممرات وسوق وطاقة

· ممر "شمال-جنوب" ومشاريع النقل: على الرغم من استفادة تركيا من فشل مشروع "ممر شمال-جنوب" لمصلحة مشروعها "ممر التنمية"، فإن المشكلة تكمن في أن هذا المشروع يمر من جنوب شرق تركيا، وهي منطقة قد تتحول إلى منطقة غير آمنة في حال اندلاع الحرب، ما قد يقضي على طموحاتها في أن تصبح عقدة الممرات البرية الوحيدة.

· الطاقة والتبادل التجاري:

· تستورد تركيا جزءاً لا يستهان به من احتياجاتها من الطاقة (نفط وغاز) من إيران وبأسعار تقل عن السوق العالمية بنسبة تصل إلى 30% بسبب العقوبات الغربية (رقم تقريبي غير معلن)، وهي ستخسر مصدر طاقة رخيصاً يوفر عليها إنفاقاً أكبر ويزيد من الضغوطات الاقتصادية عليها.

· سيكون حرمان سكان المناطق الشرقية من تركيا من عوائد التبادل التجاري وعمليات التهريب بين البلدين في المناطق الحدودية ضاغطاً على الحكومة التركية، باعتبار أن سكان هذه المناطق هم الأضعف اقتصادياً.

ثالثاً: التنافس مع "إسرائيل" والطموح الإقليمي

هذا هو القلب الجيوسياسي للمسألة.

"إسرائيل" كمنافس استراتيجي: هناك قناعة كاملة لدى أنقرة بأن "إسرائيل" تسعى إلى إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في كامل غرب آسيا، بعد ما تعتقده انتصاراً ساحقاً على محور المقاومة إثر معركة "طوفان الأقصى"، وما تعتبره مكاسب بالجملة نتيجة حرب الإبادة في غزة، وتحجيم "حزب الله" في لبنان. كما تدرك أنقرة أن تحول تركيا إلى تهديد استراتيجي وجودي بديل من إيران التي خرجت من سوريا، جعل منها الهدف التالي في الخطة الإسرائيلية للتفكيك بعد إيران مباشرة، وهي تملك عوامل التفجير الداخلي بسبب تنوعها الإثني والديني المذهبي.

- إيران كحاجز وكمنافس: هنا تقف أنقرة القلقة من نتائج الحرب وارتداداتها في موقع الحائرة: ماذا تفعل؟

- إن خسرت إيران الحرب، فإن تركيا ستخسر الحاجز الذي يرد عنها الهجمة "الإسرائيلية" التالية، وسيحصل فراغ جيوسياسي ستملؤه "إسرائيل" والولايات المتحدة ومعهم الكرد على حساب الدور التركي.

- وإن فشلت الحرب الأميركية الإسرائيلية، فإن نتائجها لن تكون بالضرورة لمصلحة تركيا، فقد تدفع الحرب إيران إلى إنتاج قنبلتها النووية والتحول إلى قوة نووية، ما قد يفرض على تركيا سباق تسلح لا ينتهي ويعد مكلفاً اقتصادياً. كما سيحرر القدرات الاقتصادية الهائلة والكامنة في إيران، ما يجعل منها قوة محورية من جديد في منطقة شرق المتوسط.

تسعى أنقرة من خلال ضغوطها الدبلوماسية مع بقية عواصم القرار العربي والإسلامي إلى إبقاء حالة التوازن بين إيران و"إسرائيل" في منطقة غرب آسيا على وضعها الحالي، فهي غير مستعدة بعد لتسلم زعامة العالم الإسلامي، التي تتطلب استلام راية القضية الفلسطينية وقدرة اقتصادية كبيرة غير متوفرة حالياً.

هذا التوازن يجعل الطرفين الإيراني والإسرائيلي منشغلين ببعضهما البعض، ما يتيح الفرصة لأنقرة للتغلب على التهديدات الوجودية والاقتصادية، وإحياء دورها الإمبراطوري التاريخي في كامل المنطقة العربية وصولاً إلى أفريقيا.

تركيا تفضل إيران ضعيفة بما يكفي لعدم تهديدها، وقوية بما يكفي لعدم انهيارها. هذا هو منطق "الاستثمار في التناقضات" نفسه الذي تنتهجه روسيا، ولكن هذا المنطق قد لا ينفعها هذه المرة.

العالم على أعتاب تحول كبير ينجم عنه فراغ لا يملؤه إلا الأقوياء، ولا يوجد طرف قوي بذاته لديه القدرة على ملء هذا الفراغ، إلا إذا تغيرت معادلة "أُكلت يوم أُكل الثور الأسود". وهذه المعادلة لن تتغير إلا إذا غيرت القوى الإقليمية طرائق تفكيرها السياسي، وبدأت بالبحث عن المصالح المشتركة لتجاوز التهديدات الوجودية، الأمر الذي يتطلب نظاماً إقليمياً جديداً نواته تركيا وإيران، بالانتقال من "منطق بناء الشراكات".