ديوان "عامٌ بلا أيلول" لآيات جرادي: "الجنوبية تقاوم وجع الفصول بالشعر"

مفردات آيات جرادي سلسة وبسيطة في اللعبة الشعرية، تصنع تأثيرها بقوّة المعنى الكامن في القصيدة، وليس بقوّة البلاغة والتراكيب، هي تلتقط التفاصيل الصغيرة وتجعل معانيها كبيرة.

  • ديوان
    ديوان "عامٌ بلا أيلول" لآيات جرادي: "الجنوبية تقاوم وجع الفصول بالشعر"

 

نقرأ ديوان "عامٌ بلا أيلول" للشاعرة آيات جرادي الصادر عن دار الولاء للتوزيع والنشر في بيروت عام 2026، وهو ديوانها الثالث، يحتوي على 180 صفحة من القطع المتوسط، نقرأ ونشعر مع آيات كم أوجعنا الماضي بأعوامه المجروحة، ونحلم معها لو يخرج أيلول من المعادلة، لأنّ أيلول، منذ أيلول الأسود في الأردن، إلى أيلول العام 82 في بيروت وما ارتكبه العدو الصهيوني من مجازر في أيلول "من صبرا وشاتيلا"، حتى أيلول العام 2024، حيث استشهاد السيد حسن نصرالله ومن معه، ومجزرة البيجر، وما ارتكبه العدو من مجازر، كأنّ أيلول هو الصفحة السوداء في تاريخ مسيرة نضالنا الطويل. 

اعتبرت شاعرتنا آيات أنّ الشهور بالنسبة لها ولنا ليست 12 شهراً، لأنّ أيلول سقط من العام، مثلما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف، فقد أمسى العام 11 شهراً في مجموعتها الشعرية التي تقاوم وجع الفصول بالكلمات. تحاول آيات ترميم ما تهدّم، تصرخ تارةً، وتهدأ تارةً، وتغني تارةً، وتسيرُ بين الضحايا تارةً، وتداوي جرح الجنوبيات تارةً أخرى، لكنّها في جميع الحالات تقاوم في الميدان، هي لا تترك سلاحها الشعري أبداً، لأنّها كتبت بالحبر الساخن، فمن يكتب بالحبر الساخن ينتصر، انتصرت بقصيدتها العالية والشرسة السلسة في آن، ولا يخلو الديوان من مصطلحات الجنوب والمقاومة والصمود والمعركة والأحلام والانتصار والضاحية. 

تقول في قصيدة "كأنّ يد الله في الضاحية" صفحة رقم " 22":

نعودُ من الموت أكثر عزماً

ولا نرهب اللحظة الآتية،

لذلك إن مسّنا الجرح عدنا

لأفراحنا مرّةً ثانية،

فإن كان أهلاً وسهلاً

وإن كان عمراً فبالعافية،

سلامٌ على كلّ قلبٍ حزينِ

سلامٌ من اللهِ يا ضاحية.

تظهر في الأبيات العزيمة على مواصلة الصمود في الضاحية، وتقصد الشاعرة هنا، أنّ الضاحية في حفظ الله، لذلك لن ترى مكروهاً، ولن يستطيع العدو القضاء على شموخها وعنفوانها المقاوم، العزيمة تظهر بشكل كبير في هذه القصيدة، ولا سيما عند قولها: "لذلك إن مسّنا الجرح عدنا / لأفراحنا مرّةً ثانية"، فالجراح كثيرة في أيلول، ولا ننسى مجزرة البيجر التي ارتكبها العدو في الضاحية أيضاً، فكتبت شاعرتنا لكي تحاول أن تداوي المصابين بالكلمات، لعلّ القلوب تنهض مثل طائر العنقاء من الرماد. هي فعلاً محاولة لصناعة الأمل، وانبعاث الضوء من سراديب الظلام، وكأنّ الشعر يحاول استبدال شهر أيلول بالربيع المقبل، والدلالة هي بالفجر الآتي إن شاء الله. 

أمّا في قصيدة "إلا السلاح" صفحة رقم "31" فتقول:

بنصف يدٍ نشدُّ على الزنادِ

ولا نرضى الوقوف على الحيادِ،

فكم عينٍ لنا انطفأت وعينٍ

وكم جسدٍ توزّع في البوادي...!

تريدون السلاحَ؟ خذوهُ منّا !

خذوهُ من السواعد والأيادي،

خذوهُ من القلوب إن استطعتم 

من الأطفال، من وجعِ البلادِ.

في هذه القصيدة التي تبيّن فيها شاعرتنا آيات التمسّك بالسلاح والمقاومة كسبيلٍ وحيدٍ لتحرير الأرض وطرد الاحتلال، رغم المجازر الكثيرة التي يرتكبها العدو الصهيوني، وخصوصاً مجزرة البيجر، رغم هذا التوحّش الذي لم يسبق له مثيل، "بنصف يدٍ يشدّون على الزناد" هم المقاومون الرجال الرجال في الميدان، لا يعرفون الاستسلام أو الهزيمة والتراجع، وشاعرتنا في المعركة معهم، فهي تشير لحالة الجمع "نشدّ" هم وهي، لأنّها منهم وهم منها، فالشاعر هو المقاوم الأول في المعركة، فلا نرضى الوقوف على الحياد، فهم أيضاً، رجال الوفاء لغزة وفلسطين، فالعدو واحد، ولا حياد هنا ولو في أوج الدماء والمجازر واستشهاد القادة. 

وفي الأبيات الأخيرة تقول للذين يطالبون بنزع سلاح المقاومة: "خذوه من القلوب إن استطعتم"، فالسلاح في القلوب للدفاع عن شرف البلاد، ثمّ تعود إلى أيلول لتقول لهُ في قصيدة "عامٌ بلا أيلول":

أيتمتنا يا شهرُ حتى أصبحت 

أحزاننا بدم النحور تقاسُ،

ما قلتَ إنّ الحزن ضيفٌ دائمٌ

وبأنّ أثواب الحداد لباسُ،

وبأنّ أيّاماً تشابه كربلاء 

فلا الحسينُ بها ولا العبّاسُ...!

المناداة "يا شهرُ" هنا للدلالة على شهر أيلول، وما أثقلهُ من حزنٍ على مَن فقدنا من الأحباب، الشهر الكربلائي / الدموي الذي حُذف من خريطة الشهور، ما أقساك يا أيلولُ، ما أقساك، فأصبحنا نتوجّسُ فيك الموت كلما حللت علينا، ونرتدي أثواب الحداد، لأنّ أيّامك كلها سوداء. 

مفردات آيات جرادي سلسة وبسيطة في اللعبة الشعرية، تصنع تأثيرها بقوّة المعنى الكامن في القصيدة، وليس بقوّة البلاغة والتراكيب، هي تلتقط التفاصيل الصغيرة وتجعل معانيها كبيرة، إنّها كلمات الناس اليومية، لكنّ شاعرتنا جعلتها قصيدة تتجوّل بينهم، تلك هي الشعرية العالية المشحونة بالمقاومة وعشق الجنوب الأبي، وربما، هذا هو سرّ قصيدة آيات التي عرفت كيف تنتزع مكانتها في المشهد الشعري الجنوبي، وكما قالت آيات عن محاولتها في هذا الديوان لاستبدال أيلول المعتم بالربيع المزهر بالضوء، لكنّها لا تكفُّ عن الحلم والأمل بالغد المقبل، وترقب النصر الآتي في الفجر المقبل، قصيدتها ساخنة ولامعة في آن.

ديوان "عامٌ بلا أيلول" للشاعرة اللبنانية الجنوبية آيات جرادي، قصائد تنهض مثل طائر العنقاء من الرماد إلى شعاع الشمس، تبلسم جرحنا المفتوح من جنوب الأرض إلى جنوب الروح، وفي قصيدة "نوح" التي تختصر كلّ ما حدث ويحدث في مشهد الطوفان الكبير، "وانظر إلى الأرض والطوفانُ يغمرها / مثل الظلام تغطّيه المصابيحُ"، هو طوفان الأقصى الذي غيّر العالم ووجه التاريخ، ونوح هذا الطوفان سيظلُّ يولد فينا ويتجدّد حتى تنجو السفينة إلى الضفة الآمنة، وإلا يا ليت الأعوام جميعُها بلا أيلول.

اخترنا لك