ديوان "كأنّكِ غزّة" صياغة أخرى لشعريّة المقاومة
و"كأنّكِ غزّة" هي صرخة المقاوم الأولى التي يرفعها شعاراً مع البندقية، في ملحمة طوفان الأقصى الكبرى والمباركة التي تبشّرُ بفجرٍ جديد.
-
ديوان الشاعر مروان الخطيب "كأنّكِ غزّة" صياغة أخرى لشعريّة المقاومة
قرأتُ ديوان " كأنّكِ غزّة" للشاعر الفلسطيني الراحل مروان الخطيب منذُ سنة تقريباً، وعدتُ إليه مجدداً حين رحل الشاعر نهاية عام 2025. الديوان صادر عن دار الولاء للتوزيع والنشر في بيروت، بالتعاون مع مركز زاوية رؤية الثقافية، وهو يعتبر الديوان العاشر للشاعر الخطيب. يحتوي الديوان على ما يُقارب 31 قصيدة في حضرة غزّة ومقاومتها وتجليّات البطولة والملحمة فيها.
يفتتح شاعرنا الديوان بعبارة: "ويبقى الشعر أنتِ كغزّة"، ثمّ اقتباس لمقولة محمود درويش: "الشاعر الكبير هو من يجعلُني صغيراً حين أكتب وكبيراً حين أقرأ"، وكما جرت العادة عند شاعرنا الخطيب أن يقدّم نفسهُ بنفسه، فيكتب مقدمة الديوان بفكرهِ الخاص معبّراً عن رأيهِ الفكري بالشعر والقضية والمقاومة، وبلغة شاعرنا الخطيب ابن عمقا المحتلة في قضاء عكا، إذ كتب بشعريّته الخاصة ولغته الفريدة التي تأخذ القارئ إلى عوالم الجمال اللفظي وقوّة المعنى الكامن فيها، فكيف إذا كانت لغة المقاومة في وصف غزّة؟ فهي استطاعت أن تجمع شعريّة اللغة وشعريّة صياغة السردية الفلسطينية في أسمى تجليّاتها الإنسانية في غزة. ويذهب شاعرنا في عمق المفهوم الإنساني لمعنى المقاومة، وعنفوانها، وشعلتها التي لا تنطفئ، وصمود البقاء الأخير، والتمسك بالفكرة، حتى ولو أصبحت جمرة، ولا يكفُّ عن الرجوع إلى التاريخ والدوران حول الماضر والحاضر والمستقبل، وكأنّهُ يقول لنا: غزّة ليست الآن واليوم فقط، هي أيضاً، النكبة والتاريخ ومعارك ومراحل طويلة من خسارات وانتصارات. يرجع في هذه القصيدة إلى حطّين يقول في "حطّينُ تزمجرُ":
زغردْ يا مقاومُ بالنّار
وتقدّمْ لهبَ الأوارِ،
وأذقْ أعداءكَ مُرّتها
كي يُسحقَ قيدُ الغدّارِ،
قدَرُ الشُجعانِ بأن يلجوا
أعتامَ، هياجَ الإعصارِ
أبيات عالية الغنائية والمعنى في آن، مكتملة الإيقاع والرسالة التي يبعثها الشاعر إلى ضمير القارئ المتعدد الاتجاهات، لكنّهُ حين يلتقط الفكرة، يثبتُ في فحواها، لا يفرُّ من الإحساس بالمقاومة وحقّها المشروع في الدفاعِ عن الأرض مهما اشتدّ هياجُ الإعصار. وهنا يكمن مضمون الشعر، وغايته النبيلة في رفع مستوى الحق، وتبين الحقيقة في ظلّ احتلال الزيف لها، وهذا باختصار ما كتبهُ شاعرنا الراحل مروان الخطيب طيلة مسيرته الثقافية والشعرية، وهو يحفرُ في اللغة كي يعثر على الصورة الواضحة لهذه الغايات النبيلة. وفي قصيدة "كأنّكِ غزّة" يقول:
كأنّكِ غزّة تُدمي خُصوماً
وأعداء ورد، ونبض، وطين
كأنّكِ غزّة، فحوى انتصاري
ونجمُ اهتدائي لحورٍ وعينِ
فيا حُلمَ عُمري، هلمّي إليَّ
خُذيني، وعقداً لجيدِ حنُونِ،
تفعيلة المتقارب التي تمتزج بتفعيلة غزّة النابضة، بروحِ الطين والانتصار الذي يعششُ في أحلام العمر، رغم فيض الدماء التي تروي الأرض. ويذكرنا الشاعر هنا بمقولة الفنان المسرحي السوري سعد الله ونوس الذي قال: "إنّنا محكومون بالأمل"، وهذا الأمل هو تلك الأحلام التي لا تغادر وجدان شاعرنا، وأمله الكبير بصناعة التحرير والحرية المنتظرة، و"كأنّكِ غزّة" هي صرخة المقاوم الأولى التي يرفعها شعاراً مع البندقية، في ملحمة طوفان الأقصى الكبرى والمباركة التي تبشّرُ بفجرٍ جديد، وتبقى أحلام العمر مفتوحة على مصراعيها في هذه المعركة الكبيرة أو في معاركنا القادمة إن شاء الله. ويستأنف الخطيب نشيدهُ المستمر في حضرة غزّة، يقول:
واذكرْ لغزّة شافعيّاً في عُلومِ
الله قد بزّ النُّهى، كان الإمامْ،
واذكرْ لها آياتها في العزّ سفراً
في ذؤابتهِ تعالى بدرُها النُّور التمامْ،
واذكرْ لها أيّامها، وبسالةً
زخّاتِ نصرِ قدْ علتْ غيث الغمامْ،
وبأنّها قدْ دوّخت أعداءها
حتّى هوى النتنُ الغبيُّ، وفي الزؤامْ،
تعلو وتيرة الشعر في هذه القصيدة، ولا سيما حين يعرجُ إلى صورة النصر، وهو يعلو غيث الغمام، كما قال شاعرنا، وحثّهُ على الذاكرة والتمسك بها. هي ذاكرة غزّة التي لا يجب أن تغيب عن عقولنا وقلوبنا، وعن وعينا المشترك الهادف إلى محاربة الأعداء والتصدي لهم، وعن تاريخ الإمام الشافعيّ العالم الفذ فيها، فهذه غزّة الأسطورة التي سطرت أعظم الملاحم على مرّ التاريخ تُعيد القصيدة إحياء ذاكرة غزّة في الوجدان، ومع تكرار كلمة "واذكر" لا تنسى و"ذكّر"، كأنّهُ يحث العالم على النهوض والصحو، والعودة إلى الرشد، وإدراك مفهوم وجدوى ما يحدث في غزّة، هذه التي دوّخت أعداءها، وما زالت واقفة وتقاوم باللحم الحي، حتى يتحقق المُراد كما أسلف شاعرنا:
"وبسالةً - زخّاتِ نصرِ قدْ علتْ غيث الغمامْ"؛ هذه البسالة لن تجدها إلا بنضال أهل غزة وصمودهم وتضحياتهم الجسام، فالشاعر هنا أتقن تصويب بوصلة الشعر نحو الجرح المدفون في أحشائها. ويبدو أنّ قصائد الديوان كلّها تبدو قصيدة واحدة، نشيداً مشتركاً ومتماسكاً تحت عنوان واحد "كأنّكِ غزّة"، وتضعنا القصائد عند قراءتها من الوهلة الأولى في خان يونس والشجاعية والمواصي ورفح والنصيرات ومخيم الشاطئ، وكأنّ شاعرنا يُعيد بناء غزّة من جديد بيتاً وبيتاً، وهذه هي مهمة الشعر الذي يُحارب الإبادة الجماعية بصياغة سرديّتها من جديد، أليست القصيدة هي صوت الضحية المجروح تحت الدمار؟ ويختم شاعرنا بالقصيدة الأخيرة وبآخر أبياته، يقول:
ونسبحُ في معارج الأنوارِ
وتأتي البحرَ عِناقاً نورسيّاً في القلمون،
وفجراً كورانيّاً كالزيتون،
ومعتّقاً بنكهة البنّ اليمنيّ،
تكتبهُ السنونوات لانتصارِ غزّة،
ولفرح حبّنا القائم كاليقينِ...
ويطوي شاعرنا وأديبنا القدير الراحل مروان الخطيب ديوانهُ الأخير "كأنكِ غزة"، وتبقى غزة على قيد الصحو كما هي على قيد الحياة، وتبعث في الأجيال الجديدة رؤىً جديدةً، وفجراً جديداً.