حكاية أسير.. حكاية مخيم

بعد أقل من عام، خرج زوجها من السجن، لكنها لم تعد إلى البيت، لقد جن الرجل، وصار العيش معه أكثر رعباً من الموت.  ثم خرجت أنا من غزة، لكن الأسير الذي بداخلي ما يزال يربض كفارس بانتظار المعركة.  

  • جنود إسرائيليون يقفون بجانب شاحنة مليئة بالأسرى الفلسطينيين من غزة عام 2023 (رويترز)
    جنود إسرائيليون يقفون بجانب شاحنة مليئة بالأسرى الفلسطينيين من غزة عام 2023 (رويترز)

هاتفتني صديقتي، كان الوضع حينذاك متوتراً في شمال قطاع غزة، قالت إن أختها ما تزال في مخيم جباليا، ولا يوجد من يهتم لأمرها أو أي من أبنائها بعد اعتقال زوجها، فتواصلت معها عبر الهاتف ثم زرتها في بيتها، ولم يكن هناك بيت. ربما بعض جدران تستر الموتى الغارقين في عذاباتهم، سلمت عليها وجلست أنتظر فنجان القهوة الذي تعده على الحطب، حيث لا يوجد غاز للطهي في المدينة.

كان وجهها قاحلاً كصحراء، وجسدها ضعيف كأمة أصابها إعصار فاحترقت، ترتجف وهي تضع فنجان القهوة على حجر مكسور، أطفالها الثلاثة بجوارها، أكبرهم 10 أعوام، وكالعادة سألتها عن حالها، كأننا في ظروف عادية تحتمل المجاملة، لكنها ردت ببرود غريب، اقشعر بدني من هذا السكون: هل هي مرحلة الصدمة التي لا فكاك منها، وبعد رشفة من قهوة ليست قهوة، وإنما عدس يتم حرقه ليصبح قريباً من شكل القهوة، سألتها عن زوجها؛ فظلت صامتة. شعرت بالحرج من مواصلة الحوار، وجلست أتأمل الجدران المحترقة، وبعض الأوراق المعلقة تحت سقف متهالك.

"الحمد لله" هي الجملة الوحيدة التي خرجت من فمها خلال شرب قهوة "الكاوتشوك"، ثم غرقت مجدداً في الحديث مع أبنائها الذين يبحثون عن طعام أحضرته معي، وكانت بعض قطع الحلوى مغلفة بصورة لطائرة مدنية، فسألتني، وكان مفتتح الحوار: هل هناك فانوس سحري أو طريقة مجنونة يمكن من خلالها تحويل هذه الطائرة إلى حقيقة، تأخذني وأولادي إلى أي مكان خارج غزة؟ ثم ابتسمت. 

حضورها الرقيق مع تلك الضحكة العابرة سرق عداد الزمن ليعيدها إلى عمرها الحقيقي، فإشراقة وجهها فاتنة، أجبت: "أكيد، راح يجي يوم ونسافر كلنا"؛ ثم فجأة انطلقت في الحديث كأننا نعرف بعضنا الآخر منذ وقت طويل.

أخبرتني أنها تبصر زوجها الذي اعتقلوه أمام عينيها بعد حشرهم في ساحة المدرسة، كانوا يركلونه بأحذيتهم كما يفعلون مع بقية الرجال، يأتيها كل ليلة، يُسر لها بما جرى معه، كيف قطع المحقق خنصره وهو يضحك بفجاجة، وكيف قامت مجندة بضربه في المناطق الحساسة من جسده لأنها تريد قطع الحرث والنسل، كيف كانوا يبصقون في وجهه كما فعلوا حين اجتاحوا المخيم. تصمت ثم تطفر دمعة.

"أحياناً أتخيل زوجي يدخل علي باب المنزل، وأتجهز لأصرخ في وجهه وأسأله عن كل هذا التأخير، عن إزعاج الأطفال لي خلال غيابه، وطلباتهم التي لا تنتهي أمام الجوع"، قالت.

تواصل الحوار الغرائبي، قصة اجتياح المخيم، وجمع الرجال والنساء في ساحة المدرسة، تقول وقد تحولت إلى امرأة هرمة: "وضعونا في الساحة، أحضروا الشبان الصغار، جردوهم من ملابسهم، وضعوا عصبة سمراء على عيونهم، ثم بدأوا يركلونهم بالأحذية، لقد قتلوا 5 أمامي، كلهم أطفال، كبيرهم لا يتجاوز 20 عاماً. يا الله، كيف للأب أن يحتمل موت ابنه أمام عينيه، فقد قتلوا رجلاً مسناً قام يلعنهم بعدما قتلوا الشبان، وصار الآباء ينتحبون كما الأطفال، نشيج متقطع مع صراخ النساء اللواتي يلبسن ملابس فضفاضة، تخبئ كل الهزائم في أجسادهن". 

"أتعرف يا يسري"، قالت اسمي بحدة، كأنها تريد أن تنتقم من الجنود المتسلحين بكل أنواع الأسلحة بالحديث معي بعنف، كأنها تريد أن تصرخ ولم تجد أحداً أمامها لتفعل، فكنت القدر المسخ الذي وجب عليه أن يحتمل الانفجار.

"أنا أعيش الموت كل لحظة"، ثم انخمدت كبركان ثار لعقود طويلة، عَرفت بالكوابيس التي تأتيها كل ليلة، تبصر زوجها مشنوقاً، ومرة أخرى بلا قدمين، ومرة يحملون جسده على نعش، يدورون فيه داخل مردوان بسجن سديه تيمان الذي تسمع عنه. 

قبل أن أغادر قالت بخجل: "سمعت أن هناك فيديو لجنود إسرائيليين يغتصبون شاباً، قامت واحدة من المجندات بتوثيق الحدث، أخشى أن يكون زوجي، أخشى أن يقوموا باغتصاب الشبان، لأنهم لا يتورعون عن فعل ذلك بنا"، ثم دارت وجهها، ففهمت أن هناك بعض حالات الاغتصاب حدثت في المدرسة، كما أشارت جارتي لي بعد اجتياح مستشفى الشفاء.

 لم يمض على تلك الجلسة أكثر من شهر، حتى صدرت الأوامر بإخلاء الشمال مرة أخرى، ضمن عملية مركبات جدعون، ولم تجد تلك الفتاة مكاناً تذهب إليه، فبحثت لها عن بيت في المخيم، تركه أهله ونزحوا باتجاه جنوب قطاع غزة خوفاً من الموت، فماتوا هناك ودفنوا في أرض بعيدة.

يقابل البيت الذي تسكن فيه، عمارة لأصدقائي الذين ظلوا على رعايتها حتى قتل بعضهم وأصيب البعض الآخر في حوادث وأماكن مختلفة، وكنت أذهب إليها كل يوم حتى اضطررنا جميعاً إلى النزوح نحو وسط قطاع عزة، وتفرقنا ولم أعد أسمع عنها شيئاً. فقط الكوابيس انتقلت من جسدها الذي شاخ قبل أوانه، وتلبستني لأبصر الأسرى كل يوم يتعرضون لكل أنواع التعذيب، بينما يتفرج العالم على الأحداث مثل فيلم رعب، يشاهدونه ويعيشون الألم اللذيذ ثم ينامون كأن شيئاً لم يكن. 

بعد أقل من عام، خرج زوجها من السجن، لكنها لم تعد إلى البيت، لقد جن الرجل، وصار العيش معه أكثر رعباً من الموت.  ثم خرجت أنا من غزة، لكن الأسير الذي بداخلي ما يزال يربض كفارس بانتظار المعركة.  

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك