جميل ملاعب في رحلة الجغرافيا الروحية

في معرضه "رحلات مدن"، يدعونا جميل ملاعب لنكون رفقاءه في رحلة بصرية عبر نحو 50 مدينة، حيث تتحول المدن من أسماء على الخريطة إلى كائنات حية لها إيقاعها الخاص

  • جميل ملاعب
    جميل ملاعب

رغم أننا بتنا نعيش في  زمن تتلاشى فيه ملامح العبور خلف ضباب السرعة، يقف الفنان جميل ملاعب ثابتاً كحكواتي يحمل صندوق ذاكرته البصرية، ليفتحه في معرضه "رحلات مدن" الذي افتتح في 23 أيلول/سبتمبر 2026 في غاليري جانين ربيز، ليبقى مفتوحاً حتى 30 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.

إنه رحّالة يجوب الآفاق، وأرشيفي الجمال الذي يوثق العالم لوحة تلو الأخرى، جامعاً بين إرثه الأكاديمي الذي صقله في "معهد برات" في نيويورك وجامعة أوهايو، وذاكرة ريفية شكلت وجدانه الأول في بيصور عام 1948.
 
رحلات مدن

في هذا المعرض، يقدم ملاعب 50 مدينة تنبض بالحياة على جدران الغاليري، في رحلة بصرية تمتد من شنغهاي إلى بيروت، مروراً باليابان والأميركيتين وأوروبا وشمال أفريقيا والدول العربية.

يستوعب ملاعب طاقة الأماكن، ويراقب إيقاعها وتفاصيلها الفريدة، ثم يعيد ترجمتها مباشرة إلى ألوان وخطوط، ليكون شاهداً ومفسراً في آن واحد. يرسم المنظر ويرسم "الحالة"،  تلك اللحظة العابرة التي تتحول فيها المدينة إلى ذكرى، والذكرى إلى لون. وحين تفتتح أبواب الغاليري، يذهب الزائر لمشاهدة لوحات تقرأ فصلاً جديداً من كتاب "جميل ملاعب" الذي لا ينضب عن العالم والجمال.
 
فلسطين والقدس

بين مدن العالم التي رسمها ملاعب، تحضر فلسطين والقدس بحضور استثنائي في تجربته. لم تطأ قدماه أرض القدس، لكنه رسمها. لم ير قبابها ولا أزقتها ولا حجارتها عن قرب، لكنه أخرجها من أعماقه لوحات تنبض بالحنين والوجع والانتماء.

القدس عنده ليست مدينة جغرافية تُزار، بل ذاكرة جماعية تسكن الوجدان العربي، وحضور روحي يتجاوز حدود المكان والجوازات. رسمها كما يراها القلب، لا كما تراها العين؛ بألوان تحمل شوقاً إلى مدينة لم يزرها لكنها تسكنه، وترسم ملامحها من الحكايات والصور والذاكرة والصلاة.

في لوحاته عن فلسطين، يتحول البعيد إلى قريب، والممنوع إلى ممكن في رحاب الفن، حيث لا احتلال ولا حواجز ولا جدران.
 
الجذور الريفية والتراث

تأثر ملاعب في بداياته بأجيال من أساتذة الحداثة اللبنانيين، وعلى رأسهم شفيق عبود وبول غيراغوسيان، الذين تركوا بصماتهم الواضحة في أعماله. ثم نحت صوته الخاص، ووجد في قريته بيصور مرتعاً لا ينضب من الحكايات. رسم ملاعب الأشخاص بالثياب الفولكلورية، والأعراس، ورصة الدبكة، والعزف على العود، وأجواء المناسبات الشعبية.

كانت هذه العودة إلى التراث تشبثاً بـ"خميرته الفنية" في مواجهة "عولمة ساحقة" تسعى لطمس الأصالة.
في مرحلة لاحقة، اتجه ملاعب إلى رسم الطبيعة مباشرة في الهواء الطلق، مستخدماً الألوان المائية (الأكواريل والغواش) على ضفاف الشواطئ اللبنانية من الشمال إلى الجنوب.

رسم البحر بأسلوب تأملي صاف، حيث تصبح اللوحات "مساحات مشمسة واسعة من الماء والسماء"، يلتقي فيها الأفق من دون موج أو اضطراب. هذا التقشف البصري - خط أرضي، بعض النباتات، قوارب قليلة، ومساحتان أفقيتان من الأزرق - ترجمة للغة التجريد التي عبر بها ملاعب، عبر مشهد بحري مبسط ينطق بالصفاء.
 
غرافيك الذاكرة

بين عامي 1980 و1984، خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، أنجز ملاعب واحدة من أهم تجاربه الفنية: المحفورات الخشبية. لجأ إلى الحفر على ألواح خشبية بدائية - جذوع الصنوبر، وأبواب مستعملة - مستخدماً أدوات مرتجلة.

كان يطبع النسخ يدوياً بأسطوانة صغيرة لا يتجاوز طولها 5 سنتيمترات، وهو عمل شاق يوضح ندرة النسخ الفريدة.

تنقسم هذه المحفورات إلى مسجلات سردية، تروى فيها الحكايات عبر تراصف الرموز: سيارات، ثعابين، حمير، وجوه، أطفال، أمهات، دبابات، وكتابات. هذه الأعمال أشبه بشرائط سينمائية من الذاكرة، تختزل مشاهد الحرب والانقسام والعبور في مشاهد متعددة تجمع الوجع بالجمال.

خاض ملاعب غمار التجريد بمساحات لونية موحدة تتحرك فيها ومضات من الألوان الصافية على الهوامش. تحضر في تجريده صلات بالتراث الكابالاوي الدرزي، حيث تعانق مساحات اللون مفهوم الفضاء اللامحدود. اللون عند ملاعب مسألة خطيرة، لأنه يحمل حريةً خارجة عن قواعد الموضة والأعراف. يعبر عن حريته بألوان كان يراها مناسبة للطفل والبدوي والمهرج، أكثر من "الإنسان المتحضر الذي يبتعد عن ذاته".

يبدأ ملاعب من النحت قبل الرسم، ويؤمن بالاستمرارية الطبيعية بينهما. بدأ بمواد حجرية، ثم انتقل إلى الخشب حيث يدمج الألوان مع عناصر بشرية مصغرة. في أعماله النحتية، عبر عن "أثر الحرب الأهلية" من خلال استعماله "القسوة المباشرة" في تشكيل الخشب. خاض تجربة الموزاييك، حيث يستعير عناصر التفتيت من فنه الموزاييكي ليدخلها إلى اللوحة: عناصر مصغرة، ورموز، وأيقونات، تتوزع أحياناً كأنها مخلوقات مجنحة في مشهد هوائي.
 
من الجذور إلى العالمية

تمتد أسفار جميل ملاعب عبر شنغهاي والأميركيتين وأوروبا وشمال أفريقيا، وتبقى بيروت ولبنان نقطة الارتكاز ومحطة العودة، والبوصلة التي توجه إبداعه.

في معرضه "رحلات مدن"، يدعونا لنكون رفقاءه في رحلة بصرية عبر نحو 50 مدينة، حيث تتحول المدن من أسماء على الخريطة إلى كائنات حية لها إيقاعها الخاص. يوثق ملاعب العالم لوحة تلو الأخرى، تاركاً لنا سجلاً بصرياً يربط الجذور بالعالمية، والذاكرة بالمستقبل، والقدس التي لم يزرها بالقدس التي تسكنه.

اخترنا لك