تركيا تنتصر مرة أخرى في ليبيا . فمن هو الخاسر؟
التطبيق العملي للاتفاق الليبي - التركي لن يكن سهلاً مع استمرار الخلافات بين الدول المتشاطئة على الأبيض المتوسط.
-
ما مصير الدور التركي في ليبيا؟
بعد ست سنوات من الانتصار الذي حقّقه غرب ليبيا من خلال طرد قوات خليفة حفتر المدعومة من مصر والإمارات والتي كانت تحاصر العاصمة طرابلس بحكومة فائز السراج، حقّقت أنقرة الثلاثاء 20 تشرين الأول/أكتوبر انتصارها الثاني وهذه المرة في عقر دار حفتر وأولاده الذين يحكمون شرق البلاد منذ أكثر من عشر سنوات.
فبعد أسبوعين من انتخابه رئيساً للبرلمان الليبي ترّأس الصالحين عبد النبي المقرّب من تركيا اجتماعاً خاصاً وعاجلاً لمناقشة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، والتي تمّ التوقيع عليها في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 ومعها اتفاقية التعاون الأمني والعسكري بين البلدين.
وساعدت هذه الاتفاقية آنذاك أنقرة للتدخّل عسكرياً مع الآلاف من المرتزقة السوريين لفكّ الحصار عن طرابلس، وبالتالي إقامة قواعد عسكرية برية وبحرية وجوية غرب البلاد، حيث أصبحت تركيا العنصر الأكثر تأثيراً في مجمل سياسات حكومة طرابلس المعترف بها دولياً.
ووافق البرلمان بالإجماع التامّ على الاتفاقية المذكورة، وبعد أن الغى كلّ القرارات السابقة التي أصدرها عام 2020 ورفض من خلالها الاتفاقية وطالب حينها بقطع العلاقات مع أنقرة.
مصادقة البرلمان الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود جاءت أيضاً في الساعات التي كان رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين يبحث فيها مع رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة خطط توحيد ليبيا في إطار المساعي التي تبذلها واشنطن في الاتجاه نفسه وتلقى دعماً من العواصم الأوروبية وخاصة روما وبرلين وباريس.
وجاء التغيير المفاجئ في موقف بنغازي تجاه أنقرة وهو ما أدّى إلى انتخاب رئيس جديد للبرلمان خلفاً لعقيلة صالح الذي يترّأس البرلمان منذ 12 سنة، بعد الزيارة التي قام بها وزير الخارجية هاكان فيدان إلى بنغازي في 12 آب/أغسطس الماضي حيث التقى بالمشير خليفة حفتر القائد العامّ للجيش الوطني الليبي ونائبه ونجله الفريق صدام حفتر ورئيس الأركان نجله خالد حفتر ورئيس صندوق التنمية والإعمار نجله الثالث بالقاسم حفتر.
وشهدت العلاقات بين بنغازي وأنقرة خلال الأشهر القليلة الماضية تطوّرات مثيرة زار خلالها صدام حفتر والعديد من المسؤولين العسكريين والأمنيين في بنغازي تركيا، وبحثوا مع المسؤولين الأتراك تفاصيل التعاون المستقبلي بين الطرفين في جميع المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية والمالية.
مصادقة البرلمان الليبي برئاسته الجديدة على اتفاقية ترسيم الحدود مع تركيا أثارت ردود فعل سريعة من جانب الاتحاد الأوروبي وكلّ من قبرص واليونان الأعضاء في الاتحاد. وأصدرت رئيسة المفوّضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بياناً عاجلاً وشديد اللهجة أعلنت فيه "رفض الاتحاد الأوروبي بكلّ مؤسساته لقرار البرلمان الليبي" بعد أن ذكّرت "برفض الاتحاد لاتفاقية ترسيم الحدود بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 والتي تجاهلت حقوق الجزر اليونانية في ترسيم مناطقها البحرية".
وأصدرت الخارجية اليونانية بدورها بياناً عاجلاً رفضت فيه قرار البرلمان الليبي وقالت إنه "ليس بأيّ قيمة قانونية دولية" واعتبرت "مذكّرة التفاهم بين تركيا وليبيا انتهاكاً لقانون البحار الدولي ومساساً بالحقوق السيادية لدول المنطقة، خاصة أنّ تركيا وليبيا لا تربطهما سواحل متقابلة أو متجاورة تبرّر هذا الترسيم".
وكانت اليونان قد ردّت على هذه الاتفاقية بالتوقيع على اتفاق لترسيم الحدود البحرية وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة مع مصر في 6 آب/أغسطس 2020 واتفاقية مماثلة مع إيطاليا في 9 حزيران/يونيو 2020.
ومع انتظار ردّ القاهرة التي تعاني من أزمات داخلية وتناقضات خارجية بسبب العدوان السعودي على اليمن، يبدو واضحاً أنّ أنقرة قد حقّقت انتصاراً جديداً على منافسيها وأعدائها في الأبيض المتوسط بانعكاسات ذلك على مجمل القضايا الإقليمية.
ولا سيما أنّ التطوّر الأخير قد جاء رداً على تبادل الزيارات والتوقيع على اتفاقيات سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية مهمة بين كلّ من أثينا ونيقوسيا و"تل أبيب" وأثينا ونيقوسيا والقاهرة.
وتجد القاهرة نفسها الآن بين فكّي الكماشة التي تمسك بها السعودية والإمارات وقطر، وهي معاً مصدر التمويل المالي المباشر للبنك المركزي المصري. ومع التذكير بمشاركة صدام حفتر في اجتماع نتنياهو مع شخصيات عربية في أبو ظبي في 27 أيلول/سبتمبر الماضي. فالمعلومات تتوقّع لأنقرة أن تؤدّي دوراً مهماً في الأزمة السودانية بعد منع تهريب السلاح عبر الحدود الشرقية الجنوبية لليبيا إلى قوات الدعم السريع السودانية والمدعومة من الإمارات وحليفها الكيان العبري الذي ينافس تركيا في القارة الأفريقية، وحيث الوجود التركي في العديد من دولها، ومنها الصومال والسودان ومالي وأفريقيا الوسطى وتشاد وموريتانيا والنيجر وغيرها.
ومع انتظار ردّ الفعل الأميركي والروسي على التطوّرات الأخيرة حيث تدعم موسكو بنغازي فيما تنسّق واشنطن مع أنقرة لتوحيد ليبيا، يبدو واضحاً أنّ أنقرة وبانتصارها الدبلوماسي الجديد سوف تصبح صاحبة الكلمة الأكثر تأثيراً في مجمل تطوّرات ليبيا، ولا سيما أنها تملك مقارنة مع الأطراف الأخرى ومنها مصر واليونان مقوّمات هذا التأثير في مجال الصناعات العسكرية والأنشطة الاستخباراتية والعلاقات الاقتصادية والمالية المتشابكة مع كلّ الأطراف، بما فيها الفصائل الإسلامية المسلحة المعتدلة منها والمتطرفة والتي تحكم غرب ليبيا. كما تستغلّ أنقرة انشغال القاهرة بمشكلاتها الاقتصادية والمالية الصعبة وتناقض علاقاتها الخارجية خاصة مع "تل أبيب" بسبب اتفاقية كامب ديفيد، ومع واشنطن التي تدعم الرئيس إردوغان بشكل مطلق.
وفي جميع الحالات وأياً كانت التطوّرات المحتملة فيما يتعلّق بالانتصار الدبلوماسي والنفسي لأنقرة، فإنّ التطبيق العملي للاتفاق الليبي - التركي لن يكن سهلاً مع استمرار الخلافات بين الدول المتشاطئة على الأبيض المتوسط بل وحتى إيجة حيث الخلافات العميقة بين أنقرة وأثينا فيما يتعلّق بتقاسم المياه الإقليمية والجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة في بحر إيجة والمجالات الجوية فوق البحر المذكور.
ويدفع ذلك أثينا ومعها القبارصة اليونانيون المعترف بهم دولياً إلى مزيد من التحالف العسكري الاستراتيجي مع "تل أبيب" التي تسعى لمواجهة المدّ التركي في المنطقة عبر وجودها العسكري في سوريا، والتنسيق مع بيروت وإقليم أرض الصومال والتحالف الاستراتيجي مع الإمارات، وأخيراً الاعتماد على الدعم الأميركي المطلق لها.
وهو ما سيقرّر مصير الدور التركي في ليبيا بانعكاساته بالدرجة الأولى على جاراتها مصر وتونس والجزائر التي عاشت وما زالت مشكلات الإسلام السياسي المدعوم من تركيا منذ استلام العدالة والتنمية للسلطة نهاية 2002، ولا سيما بعد ما يسمّى بـ"الربيع العربي". وتحوّلت تركيا من خلاله إلى لاعب رئيسي في مجمل التطوّرات ليس فقط في الشرق الأوسط بل أفريقيا والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى، وكما كانت عليه في العهد العثماني الذي يتغنّى الرئيس إردوغان بذكرياته ويشجّعه في ذلك السفير توم برّاك الذي يرى في نفسه وزيراً جديداً للمستعمرات الأميركية في المنطقة!