جزء من المعركة: هل استثمرت المخابرات الأميركية في الفن؟
هل دعمت المخابرات الأميركية الفن التجريدي كي يتحول إلى جزء من معركة ثقافية خفية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي؟
يُعدّ الفن التجريدي أحد أكثر التحولات الجذرية التي عرفها تاريخ الفنون البصرية الحديثة، إذ لم يقتصر أثره على تغيير الأساليب التقنية أو البنى التشكيلية للوحة، وإنما أعاد زلزلة التصور الفلسفي للفن ذاته، دافعاً التجربة الجمالية نحو مراجعة عميقة لمفاهيم التمثيل والمحاكاة والتشخيص والمنظور والعلاقة بين الذات المدركة والموضوع الخارجي، وهي المفاهيم التي حكمت الوعي الفني الغربي- الأوروبي منذ عصر النهضة الأوروبية.
داخل هذا التحول، لم يعد العمل الفني مرآة للعالم أو امتداداً بصرياً للطبيعة كما استقر في الإرث الكلاسيكي، وإنما غدا فضاء مستقلاً يشتغل وفق قوانينه الداخلية الخاصة، حيث يتحول اللون والخط والكتلة والإيقاع والفراغ إلى عناصر مكتفية بذاتها، منتجة لمعنى لا يمر بالضرورة عبر الصورة المشخصة أو المرجع الواقعي المباشر.
بينما لم يأتِ صعود التعبيرية التجريدية داخل الولايات المتحدة باعتباره حدثاً فنياً معزولاً عن السياق الجيوسياسي للحرب الباردة، فقد تشكّل داخل شبكة كثيفة من المصالح الثقافية والإيديولوجية والمؤسساتية التي أعادت تعريف وظيفة الفن الحديث في القرن العشرين.
منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تبحث عن لغة بصرية تستطيع من خلالها مواجهة الواقعية الاشتراكية التي أصبحت عقيدة فنية وثقافية رسمية في الاتحاد السوفياتي منذ ثلاثينيات القرن العشرين، باعتبارها النموذج الرسمي للفن الملتزم بالدولة والطبقة والبروليتاريا. هنا بدأ العمل التجريدي يتحول من تجربة جمالية تخص الفنان إلى أداة رمزية في صراع عالمي حول معنى الحرية والحداثة والإنسان.
الفن التجريدي بين الحرية الجمالية والوظيفة السياسية
-
لوحة للرسام السوفياتي إسحاق إزرائيلفيتش برودسكي
في المقابل، السردية التي تذهب إلى أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) قد دعمت الترويج الدولي للفن الحديث، وخاصة التعبيرية التجريدية الأميركية، لم تعد مجرد فرضية هامشية أو نظرية مؤامرة متداولة في الصحافة الثقافية. إذ أكدت الوثائق التي كُشف عنها منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم الدراسات التي توسعت لاحقاً، وجود دعم مؤسساتي غير مباشر لمعارض ومجلات وبرامج ثقافية مرتبطة بما سُمّي "الحرب الثقافية الباردة".
وأعادت الباحثة البريطانية، فرانسيس ستونور سوندرز، في كتابها "من الذي دفع للزمّار؟ وكالة المخابرات المركزية والحرب الباردة الثقافية"، تركيب البنية السرية التي اشتغلت عبرها الاستخبارات الأميركية لتمويل مجلات أدبية، ومعارض تشكيلية، ومهرجانات موسيقية، وبرامج ثقافية واسعة هدفت إلى تقديم الولايات المتحدة باعتبارها فضاءً للتعدد والحرية والتجريب، في مقابل النموذج السوفياتي الذي ربط الفن بالوظيفة الدعائية المباشرة.
داخل هذا السياق، صار فنانون مثل جاكسون بولوك، ومارك روثكو وويلم دي كونينغ، يمثلون، من دون وعي مباشر منهم غالباً، صورة أميركا الجديدة: أميركا التي تسمح للفنان بأن يشتغل خارج رقابة الحزب والدولة والأخلاق الرسمية. بينما تكمن المفارقة العميقة هنا في أن عدداً من هؤلاء الفنانين كانوا ذوي توجهات يسارية أو فوضوية أو راديكالية، وبعضهم ارتبط فعلاً بأوساط ماركسية وتروتسكية.
غير أن المخابرات الأميركية أدركت مبكراً أن قوة هذا الفن تكمن تحديداً في استقلاله الظاهر، وفي قدرته على تجسيد الفردانية والحرية الفردية والتجريب المفتوح. لذلك لم يكن المطلوب إنتاج لوحات دعائية تمجّد أميركا، بل تصدير صورة حضارية تقول إن المجتمع الأميركي يسمح حتى بمعارضة ذاته.
اختزال التعبيرية التجريدية في كونها اختراعاً استخباراتياً يظلم تاريخ الفن الحديث. فالتجريد سبق الحرب الباردة، وتشكّل عبر مسارات فلسفية وروحية وجمالية طويلة، لكن الدولة الأميركية التقطت قوته الرمزية ومنحته انتشاراً عالمياً لأنه خدم خطابها في مواجهة الاتحاد السوفياتي.
وتتضح هنا الطبيعة المعقدة للعلاقة بين السلطة والفن. لم تفرض السلطة الأميركية على الفنانين موضوعات أو شعارات مباشرة كما فعلت الأنظمة التوتاليتارية في القرن الــ 20، لكنها اشتغلت عبر ما سماه بعض الباحثين "الاحتواء الناعم" (Soft Containment). هكذا جرى تمويل المعارض الدولية، ودعم المتاحف، وتمكين النقاد الأميركيين من احتلال مواقع مركزية في المشهد الثقافي العالمي.
في هذا السياق لعب متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) دوراً أساسياً في هذا المسار، خصوصاً عبر برنامج معارضه الدولية وشبكة علاقاته بالنخب الثقافية والسياسية والاقتصادية الأميركية. هكذا حظيت بعض المعارض التي جابت أوروبا خلال الخمسينيات بدعم مؤسساتي أو غير مباشر ضمن مناخ الحرب الثقافية الباردة.
التعبيرية التجريدية كسلاح ناعم في الحرب الباردة
-
لوحة لجاكسون بولوك
لم يكن الرهان الأميركي جمالياً فقط، إنما أنثروبولوجياً وسياسياً كذلك. فقد كانت الواقعية الاشتراكية السوفياتية تقدم الإنسان باعتباره جزءاً من الجماعة والتاريخ والعمل الجماعي، بينما جاءت التعبيرية التجريدية الأميركية لتُعلي من شأن الذات المنفردة، والانفعال الداخلي، والحركة الحرة، والعفوية، واللايقين.
لوحة جاكسون بولوك المندفعة، التي تبدو وكأنها أثر جسدي مباشر، تحولت إلى استعارة بصرية عن الحرية الفردية الأميركية. بهذا المعنى، صار الجسد الذي يرمي اللون على القماش مقابلاً رمزياً للجسد المؤطر داخل بيروقراطية الحزب الشيوعي السوفياتي.
غير أن هذه السردية، رغم قوتها، تحتاج إلى قدر كبير من الحذر النقدي. اختزال التعبيرية التجريدية في كونها "اختراعاً استخباراتياً" يؤدي إلى تسطيح تاريخ الفن الحديث نفسه.
الحركة التجريدية بدأت قبل الحرب الباردة بسنوات طويلة، مع فاسيلي كاندينسكي، وكازيمير ماليفيتش، وبيت موندريان. أي أن جذور التجريد تعود إلى التحولات الفلسفية والروحية والحداثية التي عرفتها أوروبا منذ بدايات القرن العشرين.
لم تصنع وكالة المخابرات المركزية الأميركية الفن التجريدي، ولم تتحكم مباشرة في الفنانين، لكنها أدركت مبكراً قيمته الرمزية داخل الحرب الباردة، فاستثمرت عبر واجهات ثقافية ومؤسسات مستقلة ظاهرياً في ترويجه عالمياً بوصفه علامة على حرية الفرد والتجريب في مواجهة النموذج السوفياتي الرسمي.
كما أن التعبيرية التجريدية الأميركية نفسها تشكلت عبر مسارات إستتيقية وفكرية معقدة مرتبطة بالسريالية، والتحليل النفسي، وفلسفات اللاوعي، وأزمة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لهذا فإن القول إن المخابرات "صنعت" التجريد يتجاهل تاريخاً طويلاً من التحولات الفنية التي سبقت الحرب الباردة، منذ السنوات الأولى للقرن العشرين، خصوصاً مع تجارب كاندينسكي التجريدية المبكرة التي تُنسب عادة إلى حدود 1910.
يتطلب منا الأمر أن ننتبه إلى أنه لم يكن انتقال مركزية الفن من أوروبا إلى الولايات المتحدة مجرد تحول جغرافي فحسب. فقد كان إعادة تشكيل للسلطة الرمزية داخل العالم الغربي نفسه، بعد هجرة فنانين كثر، من بينهم مارسيل دوشان وفنانون أوروبيون آخرون فروا من أزمات أوروبا وصعود الفاشية والحرب. بينما فرنسا التي كانت تعتبر نفسها مركز الحداثة الفنية منذ القرن الــ 19 وجدت نفسها أمام صعود أميركي مدعوم بالقوة الاقتصادية والسياسية والإعلامية.
في المقابل، فإن المعارض الأميركية التي جابت أوروبا قُدمت بوصفها تعبيراً عن حيوية الديمقراطية الأميركية، في وقت كانت أيضاً جزءاً من معركة ناعمة لإعادة تشكيل الذوق العالمي، وفقاً للتصور الأميركي، أو ما يسميه المنشغلون بالسوسيولوجيا بـ"أمركة الفن".
تكمن المفارقة في أن الولايات المتحدة روّجت لفن كان جزء من مجتمعها المحافظ يرفضه ويسخر منه. غير أن قوته السياسية جاءت تحديداً من استقلاله الظاهر، ومن قدرته على تقديم أميركا بوصفها بلداً يسمح حتى للفنان بأن يعارض الذوق الرسمي والسائد.
وما يجعل هذه القضية معقدة ومتشعبة أن الولايات المتحدة دعمت فناً كان قطاع واسع من المجتمع الأميركي المحافظ يرفضه ويسخر منه، لكونه فناً يقطع مع التمثيل المباشر للواقع، ويفكك العلاقة التقليدية بين الصورة ومرجعها الخارجي، لصالح الاندفاع الداخلي والتعبير الروحاني والهندسي والغنائي.
واعتبر أعضاء في الكونغرس الأميركي التعبيرية التجريدية فناً منحطاً وغير مفهوم. هذا التناقض هو ما دفع الاستخبارات الأميركية إلى العمل عبر قنوات غير مباشرة، لأن الترويج الرسمي لهذا الفن داخل الولايات المتحدة نفسها كان سيخلق صداماً سياسياً. لذلك ظهرت استراتيجية "الحبل الطويل" (Long Leash)، أي تمويل المؤسسات الثقافية من دون إعلان الصلة المباشرة بالدولة أو الاستخبارات.
أما المثير أيضاً في قضيتنا هذه، هو أن الحرب الباردة حولت كل شيء إلى ساحة تنافس رمزي: السينما، الموسيقى، الأدب، الرياضة، وحتى المعارض التشكيلية، حيث لم يعد الفن شأناً جمالياً خالصاً. فقد صارت لوحة تجريدية معلقة في باريس أو برلين أو طوكيو تحمل معها خطاباً كاملاً عن الحرية من المنظور الأميركي الجديد. ثم على المقلب الآخر، كانت الواقعية الاشتراكية، كما في تجربة إسحاق برودسكي، تقدم أجساد العمال والفلاحين والجنود بوصفها أيقونات للبطولة الجماعية، بأسلوب يفرض قيوداً موضوعية وشكلية على التجربة التشكيلية.
هكذا تحول الصراع بين التجريد والتشخيص إلى صراع بين تصورين للعالم: تصور يحتفي بالفرد والذات والقلق والتشظي، وآخر يحتفي بالجماعة والإنتاج والتاريخ الثوري.
في لحظة الحرب الباردة، لم تعد اللوحة التجريدية مجرد تجربة لونية أو تشكيلية، بل تحولت إلى مساحة رمزية تختصر صراعاً أوسع حول معنى الحرية والحداثة والإنسان. كان اللون والخط والحركة يقولون ما لا تقوله الشعارات السياسية مباشرة.
غير أن هذه الثنائية نفسها تعرضت لاحقاً لنقد واسع. عدد من الباحثين رأوا أن التجريد الأميركي، رغم ادعائه الحرية المطلقة، انتهى إلى نوع من النخبوية الفنية التي أبعدت الفن عن الجمهور الواسع. كما أن السوق الفنية الأميركية حولت التعبيرية التجريدية إلى سلعة استثمارية ضخمة، الأمر الذي جعل الفن يدخل تدريجياً في المنطق الرأسمالي، كما تمثل في انتقادات مدرسة فرانكفورت لما اصطلحوا عليه بـ"الصناعة الثقافية"، إذ بحسبهم لم يعد العمل الفني فقط موضوعاً للتأمل الإستتيقي، بل صار قيمة اقتصادية وأداة دبلوماسية ورأسمالاً رمزياً.
وهذا ما يفسر استمرار الجدل إلى اليوم. بعض الخطابات المعاصرة ما تزال تنظر إلى الفن التجريدي بوصفه "خدعة نخب ثقافية"، بينما يذهب بعض منظري المؤامرة إلى اعتبار كل الحداثة الفنية صناعة استخباراتية.
هل صنعت المخابرات الأميركية الفن أم استثمرت في قوته الرمزية؟
-
لوحة "البرتقالي والأصفر" لمارك روثكو
لا ينبغي أن نسقط في التبسيط والاختزال متناسين أثر التاريخ وتطوره. فما حدث يتمثل مبدئياً في أن الدولة الأميركية استثمرت في تيار فني موجود فعلاً ومتجذر، ومنحته قدرة انتشار عالمية لأنه كان يخدم صورة أميركا الليبرالية في مواجهة الاتحاد السوفياتي. الفنانون لم يكونوا عملاء سريين، والحركة لم تكن اختراعاً مخابراتياً، غير أن الدولة أدركت القوة الرمزية لهذا الفن واستثمرتها استثماراً استراتيجياً لصالح خطابها.
وبالتالي، لم تكن المعركة حول "الهيمنة على الصورة" أقل أهمية من المعركة حول الصواريخ. وحين ننظر اليوم إلى أعمال بولوك أو روثكو الذي اشتهر لاحقاً بانسحابه من مشروع جداريات مطعم "Four Seasons" في مبنى "Seagram"، بعدما رفض أن تتحول أعماله إلى زخرفة داخل فضاء فاخر، داخل أكبر متاحف العالم، فإننا نعاين في الوقت نفسه إنجازاً فنياً هائلاً، وأثراً من آثار الحرب الباردة، وشكلاً من أشكال الصراع حول تعريف الحرية والحداثة والإنسان نفسه.
