عناصر القوة الإيرانية: الشعب والجغرافيا والصواريخ والحلفاء

صمود إيران بعد الحرب يستند إلى أربعة عناصر مترابطة هي وحدة الشعب، وموقعها في مضيق هرمز، وقدرتها الصاروخية، وحلفاؤها في محور المقاومة، بما يحفظ دورها في التوازنات الإقليمية والدولية.

0:00
  • عناصر القوة الإيرانية: الشعب والجغرافيا والصواريخ والحلفاء
    عناصر القوة الإيرانية: الشعب والجغرافيا والصواريخ والحلفاء

أظهرت التطورات الأخيرة، عقب تعرض الجمهورية الإسلامية الإيرانية للحرب الإسرائيلية–الأميركية، أن إيران تمتلك مجموعة من عناصر القوة، لعل أبرزها أربعة عناصر رئيسية. 

أولًا: الشعب الإيراني

أثبت الشعب الإيراني، منذ اندلاع الحرب وصولًا إلى مراسم تشييع الإمام الخامنئي، أنه يشكل مصدر القوة الأول للجمهورية الإسلامية، وأن الحفاظ على وحدته يمثل خط الدفاع الأول والأكثر صلابة في مواجهة مختلف التحديات والأعداء.

هذا ما أشار إليه الإمام السيد مجتبى الخامنئي في رسالته الأخيرة إلى الشعب الإيراني، عندما أضفى على وحدة الشعب صفة القداسة، معتبرًا إياها "مقدسة"، ومؤكدًا أن: "أكثر الأمور مبدئيةً في هذه المرحلة، الإصرار على وحدة الكلمة والاتحاد المقدّس، على جميع مستويات الشعب والمسؤولين وفي مختلف الميادين."

ويُعد هذا المبدأ امتدادًا لما أكده الإمام الخامنئي في خطابه الأخير بمناسبة الذكرى السنوية لانتصار الثورة الإسلامية، حين شدد على أن: "القوة الوطنية، قبل أن ترتبط بالصواريخ والمسيّرات، ترتبط بإرادة الشعوب وصمودها." كما أوضح أن مفتاح دفع العدو إلى اليأس يكمن في وحدة الشعب، قائلًا: "يجب دفع العدو إلى اليأس، وهذا يتحقق بوحدة الشعب."وخاطب الإيرانيين مؤكدًا: "إن يأس العدو يتحقق باتحادكم وصمودكم."

وهو ما كنا قد أشرنا إليه في مقالة سابقة بعنوان: "إيران... القوة الوطنية في مواجهة هيمنة القوة."

وقد أثبتت الوقائع أن إيران تصبح أكثر مناعة في مواجهة الاعتداءات كلما حافظت على تماسكها الداخلي، في حين أن مختلف عناصر القوة الأخرى، بما فيها القدرات العسكرية المتطورة أو حتى النووية، تفقد جزءًا كبيرًا من فاعليتها إذا تعرضت الجبهة الداخلية لانتكاسة بدليل ما جرى مع الاتحاد السوفيتي، إذ لم تتمكن ترسانته النووية من الحؤول دون انهياره عندما تآكلت عوامل القوة الداخلية.

ومن جهة أخرى، فإن القوة الشعبية والوحدة الوطنية تحرمان الخصوم من الاستفادة من أوراق ضغط أخرى. فالتفاف ملايين الإيرانيين حول الدولة والنظام الإسلامي يقلص إلى حد كبير احتمالات لجوء الأعداء إلى خيار الغزو البري، ويحوِّل أي محاولة من هذا النوع إلى حرب استنزاف باهظة الكلفة بالنسبة للقوات المهاجمة.

كما أن هذا الالتفاف الشعبي يحد من فاعلية الضغوط الاقتصادية، وفي مقدمتها العقوبات والحصار، التي تستهدف إيلام المجتمع ودفعه إلى الانقلاب على خيارات دولته. وقد شكلت ظاهرة السلاسل البشرية التي نظمها الإيرانيون في مراحل سابقة لحماية المنشآت والبنى التحتية دليلًا على استعداد شريحة واسعة من الشعب للدفاع عن مقدرات البلاد مهما بلغت التضحيات.

إضافة إلى ذلك، يشكل الشعب، بوحدته وتماسكه، خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات الولايات المتحدة وإسرائيل الاستثمار في الجماعات الإرهابية أو الشبكات التخريبية التي قد تلجأ إلى تنفيذ عمليات أمنية داخل إيران بهدف نشر الفوضى وإرباك مؤسسات الدولة. فالتفاف المواطنين حول الدولة الإيرانية ونظامها الإسلامي يعزل هذه المجموعات، ويحد من قدرتها على التجنيد والحركة، ويمنعها من تحقيق الأهداف التي يسعى داعموها الخارجيون إلى بلوغها.

ثانيًا: العنصر الجيوسياسي المتمثل في مضيق هرمز

يشكل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط والغاز العالمية. ولذلك، فإن أي توتر في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وتكاليف النقل، واستقرار الأسواق الدولية.

وقد أحسنت إيران توظيف هذه الورقة الجيوسياسية، إذ أكدت، من خلال قدرتها على تهديد الملاحة في المضيق وإمكانية إقفاله، أن أي حرب تُشن عليها لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستكون لها انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي. وبذلك، نجحت في تحويل موقعها الجغرافي إلى عنصر قوة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

وتحضر هذه المسألة بقوة في الأدبيات المرتبطة بالأمن القومي الإيراني، حيث أكد عدد كبير من المسؤولين الإيرانيين، وفي مناسبات مختلفة، أن مضيق هرمز جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي الإيراني، وأن أي محاولة لخنق إيران اقتصاديًا قد تستدعي ردًا إقليميًا. كما شددوا على أن منع إيران من تصدير نفطها أو تهديد أمنها القومي قد يدفعها إلى اتخاذ إجراءات في المضيق تجعل كلفة الضغوط المفروضة عليها كلفة عالمية، وليست إيرانية فحسب.

ومن اللافت أن الولايات المتحدة، بحسب هذا التقدير، لم تُحسن تقييم القدرات الإيرانية، إذ افترضت أن استهداف القدرات العسكرية التقليدية سيؤدي إلى تقويض قدرة طهران على التحكم بالمضيق. إلا أن مجريات الحرب أظهرت أن إيران، رغم شدة الضربات التي تعرضت لها، حافظت إلى حد كبير على قدرتها على التأثير في أمن مضيق هرمز والتحكم بمسارات التصعيد فيه.

ثالثًا: القدرة الصاروخية الإيرانية

برزت القدرة الصاروخية الإيرانية، ولا سيما الصواريخ الباليستية، بوصفها أحد أهم عناصر القوة التي تمتلكها طهران. فقد مكنتها من تنفيذ ضربات بعيدة المدى، وأثبتت قدرتها على مواصلة إطلاق الصواريخ رغم الضربات الاميركية الشديدة . وهو ما كرَّس القوة الصاروخية الإيرانية كعامل لا يمكن تجاهله في أي معادلة عسكرية أو سياسية.

وألحقت الضربات الصاروخية الإيرانية أضرارًا بالقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، الأمر الذي أثار تساؤلات لدى الدول المستضيفة لهذه القواعد حول مدى قدرة الولايات المتحدة على توفير الحماية لها. فإذا كانت واشنطن تواجه صعوبة في حماية قواعدها العسكرية، فهل ستعمل على توفير الحماية لحلفائها عند اندلاع أي مواجهة واسعة.

كما عززت الحرب القناعة التي تتبناها القيادة الإيرانية منذ سنوات، ومفادها أن القوة الصاروخية تشكل الركيزة الأساسية لمنظومة الردع الإيرانية. فقد أثبتت المواجهة أن هذه المنظومة تمنح إيران القدرة على رفع كلفة أي عمل عسكري ضدها، وتوجيه رسالة إلى خصومها بأن أي حرب لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستكون لها تداعيات عسكرية واقتصادية وسياسية تمتد إلى مختلف أنحاء الإقليم.

رابعًا: حلفاء إيران ومحور المقاومة

يشكل حلفاء إيران في المنطقة عنصرًا أساسيًا من عناصر قوتها الاستراتيجية، إذ أظهر تحركهم خلال الحرب قدرتهم على التأثير في مجريات المواجهة وتوسيع نطاقها الجغرافي. وهو ما كان الإمام الخامنئي الشهيد قد أشار إليه في خطابه بمناسبة الذكرى السنوية لانتصار الثورة الإسلامية، عندما أكد أن أي مواجهة مع إيران مرشحة للتحول إلى معركة إقليمية تمتد من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر.

ورغم أن جبهة البحر الأحمر لم تُفعّل بكامل قدراتها، لعدم الحاجة إلى ذلك في تلك المرحلة، فإن مجرد بقائها عنصرًا قابلًا للتفعيل شكل بحد ذاته ورقة ردع إضافية عززت الحسابات الإيرانية.

كما أكد الإمام السيد مجتبى الخامنئي في بيانه الأخير دور محور المقاومة، مخاطبًا خصوم إيران بقوله: "فليعلم أن لدى الشعب الإيراني العزيز وجبهة المقاومة دروسًا لا تُنسى."

إن عناصر القوة الأربعة هذه، والمتمثلة في وحدة الشعب، والموقع الجيوسياسي، والقدرة الصاروخية، وحلفاء إيران في المنطقة، تجعل من الجمهورية الإسلامية لاعبًا إقليميًا ودوليًا يصعب تجاوزه، رغم الخسائر التي تكبدتها خلال الحرب. فبدل أن تنجح الولايات المتحدة وإسرائيل في إضعاف إيران وإخراجها من دائرة التأثير في معادلات المنطقة، أظهرت نتائج المواجهة أن طهران ما زالت تحتفظ بأبرز مقومات قوتها، وأنها خرجت من الحرب وهي قادرة على الحفاظ على دورها وتأثيرها في التوازنات الإقليمية.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.