تداعيات حرب غزة على الاقتصاد الإسرائيلي
الضربة الرئيسية التي شكّلت صدمة كبيرة للحكومة الإسرائيلية جاءت من وكالات التصنيف الائتماني التي اتخذت إجراءات فورية لتقييم وضع الاقتصاد الإسرائيلي مع نشوب الحرب.
-
تداعيات حرب غزة على الاقتصاد الإسرائيلي والآثار المباشرة وغير المباشرة
يعالج هذا الكتاب تداعيات حرب غزة على الاقتصاد الإسرائيلي، والانعكاسات المباشرة لهذه الحرب، ويستعرض النتائج السلبية على الاقتصاد الإسرائيلي مثل تراجع النشاطات الإنتاجية في مناطق المواجهات، وتضرّر مقدّرات التنمية من جرّاء تجنيد عشرات الآلاف من جنود الاحتياط وتصدّعات البنى التحتية والتداعيات المتوسطة والبعيدة المدى، مثل انكماش النشاط في قطاعات السياحة والزراعة والبناء والتكنولوجيا العالية وهجرة العقول والكفاءات وتراجع الاستثمارات الأجنبية وزيادة النفقات العسكرية والأمنية، ناهيك بتأثير الحرب على التصنبف الائتماني لـ "إسرائيل"، إضافة إلى التحدّيات التي سيواجهها الاقتصاد الإسرائيلي على المدى الطويل، واستمرار تأثير عدم الاستقرار الأمني في النمو الاقتصادي بعد إعلان وقف إطلاق النار في غزة. كذلك احتوى الفصل الأخير من الكتاب على ترجمات تناولت الثمن الاقتصادي لحرب الاثني عشر يوماً بين "إسرائيل" وإيران في حزيران/ يونيو 2025.
كتاب تداعيات حرب غزة على الاقتصاد الإسرائيلي، صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2026، إعداد باسل غطاس ورندة حيدر - بيروت.
الآثار الاقتصادية للحرب
كتاب تداعيات حرب غزة، يناقش خلفيّات مشتركة بعدما دخلت "إسرائيل" مرحلة غير مسبوقة من الانخراط العسكري على جبهات متعدّدة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيت بدأت بحربٍ شاملة في قطاع غزة وامتدّت لاحقاً لتشمل مواجهات عسكرية متصاعدة على الحدود الشمالية مع لبنان وضربات متبادلة مع إيران، فضلاً عن عمليات عسكرية على الساحة اليمنية. لكنّ دراسة التداعيات والآثار لها أهمية خاصة في ضوء اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي الكبير على الاستقرار الأمني والسياسي لجذب الاستثمارات والحفاظ على وتيرة نموّه، ومن هنا يسعى هذا الكتاب لإجراء تحليلٍ شامل للآثار الاقتصادية للحروب المتزامنة في غزة ولبنان وإيران واليمن، عبر تتبّع مسارات الأثر المباشر وغير المباشر ورصد التغيّرات في المؤتمرات الاقتصادية وعرض ردّات فعل الأسواق المحلية والعالمية وصولاً إلى تقدير المخاطر والسيناريوهات المحتملة لمسار الاقتصاد الإسرائيلي في المديّين المتوسط والبعيد.
ويكشف المؤلف أنه قبل اندلاع حرب غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كان الاقتصاد الإسرائيلي يتمتع بمؤشرات قوة نسبياً على المستويين المحلي والدولي على الرغم مما واجهه من تحدّيات سياسية داخلية وأزمات اقتصادية عالمية متعاقبة، من أبرزها جائحة كورونا وأزمة سلاسل الإمداد العالمية.
لكنّ الضربة الرئيسية التي شكّلت صدمة كبيرة للحكومة الإسرائيلية جاءت من وكالات التصنيف الائتماني التي اتخذت إجراءات فورية لتقييم وضع الاقتصاد الإسرائيلي مع نشوب الحرب، وقرّرت الشركات الثلاث الكبرى "Moody" و "S&P" و "Fitch " تخفيض التصنيف الائتماني بالتدرّج، والأهمّ من ذلك وللمرة الأولى منذ فترة طويلة باتت النظرة المستقبلية إلى "إسرائيل" سلبية مع التحذير من تخفيض إضافي في حال استمر تدهور المؤشرات المالية والاقتصادية، كما خفضت وكالة التصنيف "Moody" التصنيف لـ "إسرائيل" مرتين خلال سنة 2024، مع الحفاظ على نظرة سلبية للمستقبل في حال استمرت الحرب وتعقّدت الأوضاع الداخلية في "إسرائيل"، فإنّ الخطر قائم من أن تفقد سندات الدين التي تطرحها الحكومة الإسرائيلية محلياً قيمتها بسرعة وتتحوّل إلى سندات غير مرغوب الاستثمار فيها.
الخسائر الاقتصادية المتوقّعة:
تشير التقديرات الاقتصادية كما رصدها كتاب تداعيات حرب غزة، إلى أنّ تكلفة الحرب قد تصل إلى نحو 400 مليار دولار خلال العقد المقبل، أي ما يعادل 10 % تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي ولا يعود نحو 90 % من هذه التكلفة إلى الأضرار المباشرة بل إلى التأثيرات غير المباشرة، مثل تراجع ثقة المستثمرين وانخفاض الاستثمارات الأجنبية، وتعطّل سوق العمل وتباطؤ الإنتاجية، وبحسب "بنك إسرائيل" من المتوقّع أن تصل التكلفة المباشرة وغير المباشرة للحرب إلى نحو 76 مليار دولار في الفترة 2023 - 2025 واستمرارها يرتّب خسائر اضافية.
هذه الأعباء انعكست في زيادة العجز المالي إلى نحو 6.8 % من الناتج المحلي وارتفاع نسبة الدين العام من 60 % إلى نحو 70 % في سنة 2024 – 2025، ومع استمرار العمليات العسكرية في غزة ولبنان وإيران يتصاعد خطر فرض عقوبات دولية أو قيود اقتصادية على "إسرائيل"، وتشمل هذه العقوبات قيوداً على صادرات الأسلحة وتقييد استثمارات صناديق سيادية أو فرض مقاطعة على منتوجات المستوطنات، وقد تتحوّل هذه الحملات إلى حدّ أنّ الأمر سيؤثّر سلباً في قطاعات الزراعة والتكنولوجيا، مع الملاحظة أنّ النفقات الأمنية ارتفعت في أعقاب الحرب نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2023 و4 % من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2024، ومن المحتمل أن يتمّ تمويلها عن طريق زيادة العجز وارتفاع نسبة الدين العامّ ومثل هذه الخطوة قد تعرّض الاستقرار المالي الإسرائيلي للخطر.
ويلاحظ التقرير، أنّ الأثر الاقتصادي الطويل المدى والأكثر وضوحاً هو فقدان الدخل والإنتاج المستقبلي من الجنود القتلى أو المصابين بإعاقات دائمة وجروح بليغة، ومع ذلك فهل ستؤثّر هذه الخسائر في الاقتصاد الوطني أم لا، فإنّ هذا سيعتمد على حجم الخسائر الديموغرافية للحرب حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2024، ومن الواضح أنّ الاقتصاد الإسرائيلي سيبدأ بالتعافي حالما ينتهي الصراع لكن يبقى السؤال: ما مدى سرعة وقوة هذا التعافي؟ هل سيكون على غرار التعافي بعد الكورونا؟
أسئلة كثيرة تطرح وتؤثّر في حجم وسرعة التعافي بعد الحرب وتدور حول حجم الخسائر والأضرار في البنية التحتية ورأس المال الإسرائيلي، هل سيُعاد توطين المناطق الزراعية بالقرب من غزة والحدود اللبنانية؟ وهل سيعود الناس إلى الزراعة هناك؟ إذا كانت الإجابة لا فسيخسر الإنتاج الزراعي المستقبلي في "إسرائيل" قليلاً. يُطرح سؤال آخر هل سيؤدّي إنهاء الحرب مع حماس وحزب الله إلى توقّف هجمات الحوثيين على سفن الشحن الدولي أو الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على "إسرائيل"؟ إذا استمرّوا في الهجمات فسيُغلق ميناء "إيلات" بشكل دائم، وهذا الوضع يكبّد الاقتصاد الإسرائيلي خسارة دائمة، وهل ستسمح "إسرائيل" بعودة العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية؟ إذا لم تفعل فهل سيتمكّن العدو من جذب عدد كافٍ من العمال الأجانب أو الإسرائيليين، الإجابة معلّقة الى ما بعد الحرب؟
تكاليف خوض الحروب
كبّدت الحرب المتعدّدة الجبهات الاقتصاد الإسرئيلي كما يكشف الكتاب، الذي كان مزدهراً في السابق، ثمناً باهظاً. وشهدت الفترة التي أعقبت هجمات 7 أكتوبر مباشرة انكماشاً حادّاً في الاقتصاد في الربع الأخير من سنة 2023، حيت انخفض الناتج المحلي الإجمالي لـ "إسرائيل" بنسبة 21 % لكنّ استدعاء جنود الاحتياط إلى القتال أدى إلى تضييق سوق العمل المحلية وزيادة الإنفاق الخاصّ علاوة على ذلك عُرقل قطاع البناء بسبب انخفاض عدد العمال الفلسطينيين الذين يدخلون إلى "إسرائيل" للعمل، وانخفاض تدفّق السياح وتعطّل النشاط الاقتصادي في المنطقة الحدودية مع لبنان بسبب صواريخ حزب الله.
وأخيراً تبحث هذه الدراسة تداعيات حرب غزة، في تأثيرات الحرب على غزة ولبنان والمواجهة مع إيران في الاقتصاد الإسرائيلي بعد عام على بدايتها يمكن أن تكون الآثار الاقتصادية لأيّ حرب إيجابية أو سلبية اعتماداً على عوامل عديدة، مثل مدى الدمار والنزوح وتكاليف خوض الحرب وما إذا كانت الحرب تخلق الفرص الاقتصادية أو تقضي عليها.
ويمكن تقسيم هذه التداعيات الاقتصادية إلى فئتين؛ التأثيرات قصيرة الأجل والتأثيرات طويلة الأجل، والتي يمكن أن تؤدّي بدورها إلى وجهات نظر مختلفة تماماً بشأن النتيجة الاقتصادية للحرب، عادة ما تكون الآثار الاقتصادية قصيرة الأجل للحروب سلبية وتركّز على التدمير والتكلفة على الرغم من أنه تكون هناك أيضاً عناصر إيجابية في المدى القصير في حال حفّزت الحرب الإنتاج الاقتصادي، لكن العواقب كبيرة جداً على الآثار الاقتصادية القصيرة والطويلة الأجل، وإنّ تحديد هذه الآثار أمر صعب، وخصوصاً أنّ حرب غزة لا تزال مستعرة وبالتالي لا يمكن للمرء سوى تحديد بعض تأثيراتها المحتملة والسلبية على المدى البعيد.