تحوّلات الخطاب السلفي: الصراع الداخلي وتفكيك التيارات المعاصرة

يخلص كتاب "تفكيك السلفيّة: تحوّلاتها وتحوّراتها" إلى دعوتين متكاملتين في غايتهما؛ تتعلّق الأولى بحتميّة اعتماد القراءة السوسيولوجية للتطرّف والثانية تختصّ بحتمية إعادة قراءة التراث وفق أفق تجديد الخطاب الديني.

تحوّلات الخطاب السلفي: الصراع الداخلي وتفكيك التيارات المعاصرة
تحوّلات الخطاب السلفي: الصراع الداخلي وتفكيك التيارات المعاصرة

تمثّل التحوّلات التاريخية التي طرأت على تيار "السلفيّة"، والتغيّرات التي أثّرت في تعديل هويّتها عبر تاريخها الطويل، بدءاً من ظهور مدرسة أهل الحديث وحتى اليوم، الأساسَ الذي يتمحور حوله كتاب "تفكيك السلفيّة: تحوّلاتها وتحوّراتها" (مركز دراسات الوحدة العربية 2025) للباحث المغربي الدكتور محمد بو شيخي. ويفسّرُ فيه خضوع السلفيّة لتطوّرات أثّرت في منظومة أفكارها حتى انتقلت من "مجالس العلم" في عهدها التأسيسي وصولاً إلى "جبهات القتال" في الوقت الحاضر، وحتى مستوى المنطق والمرجعيّة وما تلاه من ظروفٍ سياسية وصراعاتٍ مذهبية داخل المشهد الديني.

   ويشير بو شيخي، بوصفه باحثاً متخصصاً في القضايا الجيوسياسية والحقل الديني، إلى أنّ أكبر حدث هزّ ثوابت المدارس التقليدية السلفية كان التمازج الحاصل بين الوهابيّة ومدرسة أهل الحديث الهندية. وهو في الوقت ذاته، تمازجٌ أدّى إلى ولادة مدرسة "المحدّثين الإحيائيّين" التي مثّل قيادتها كلّ من: محمد الدهلوي، ومحمد ناصر الدين الألباني. ويضع الباحث بادئ الأمر فرضيّة مفادها؛ أنّ السلفية لم تعد كتلة واحدة متجانسة، بل تحوّلت إلى بنية مركّبة نتجت عن عمليات "تهجين" بين تيارات فكرية مختلفة، كان أبرزها "الألبانية" و"القطبية". هذا التداخل أسسَ لاحقاً لظهور ما يُعرف بالسلفية الجهادية بصيغتها الحركية المقاتلة. لذا يتجه البحث إلى تفكيك هذه المسارات وتحليل الآليات التي نقلت السلفية من حالتها الأولى بوصفها منهجاً في طلب العلم والحديث، إلى حالة أيديولوجية ثورية تحتفي بالجهاد بوصفه مركزاً جوهرياً في منظومتها الفكرية. لذا فإنّ منهج البحث التحليلي الذي اعتمد عليه الباحث تجاوز الوصف السطحي، بل هو منهجٌ نقديّ فكّكَ العناصر المكوِّنة للخطاب السلفي المعاصر وربطها بسياقاتها السياسية والمذهبية. ويركّز على التفاعلات البينية بين التيارات المختلفة داخل المشهد الديني عوضاً عن النظر إليها بوصفها تيارات منعزلة. حيث يتتبّع التحوّلات في المفاهيم المركزية للخطاب مثل: انتقال "طائفة المنصورة" من مفهومها العلمي التقليدي إلى مفهومها الثوري الحركي. وهو ما يكشف عن صلب الصراع البنيوي لهذه التيارات، وأيضاً عن الصراع بين النخب الدينية (حملة القلم) والنخب الميدانية (حملة السيف) الذين جسّدوا فكرهم في مقولات مثل: "لا يفتي قاعدٌ لمجاهدٍ). 

   إنّ المنهج الذي يعتمده الباحث في الكتاب يفكّك التيارات التي نشأت عن منظومة الفكر السلفي وكيفيّة تطوّرها. وعلى سبيل المثال، كان للتطوّرات في مصر دور بارز في تحوّل السلفية مع محمد رشيد طه إلى نوعٍ من التفكير الحركي وتبلورَ في نهايته بظهور جماعة الإخوان المسلمين، وانبثاق الأدبيات "القطبية" نسبة إلى سيد قطب. ويكشف عن حقيقة تقول: إنّ الرؤية الجهادية لسيد قطب استهوت عناصر وتنظيمات مسلّحة من دون أن تحتكر مرجعيّتهم، وقد انتعشت في مرحلة لاحقة ضمن إطار عمليات التفاعل التي سادت فكر الإسلام السياسي. وهنا يشير إلى نقطة هامّة وهي تقاطع "الألبانية" مع "القطبية" ليس فقط على مستوى شعار "الإسلام هو الحلّ" إنما على مستوى يتجسّد معناه في "العودة إلى الإسلام" وليس "استعادته" خلافاً للمثقّف "التجديدي" الذي كان محلّ نقد التيارات على الدوام. هذا التحليل العميق للتفاعل بين تياري الألبانية والقطبية، يمثّل جوهر أطروحة الكتاب؛ إذ يرى بو شيخي أنّ هذا التفاعل هو المحرّك الأساسي لولادة "السلفية الجهادية"، فالألبانية جاءت بوصفها زلزالاً في قلب السلفية التقليدية، وذلك من خلال أفكار طرحتها تمثّلت في: إحياء منهج المحدثين، والقراءة الظاهرية. أما القطبية، فقد جسّدت، بحسب رأيه، ثورةً على الجمود والبراغماتية السياسية. وهي ثورة مزدوجة؛ على جمود السلفية من جهة، وعلى البراغماتية السياسية لجماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى. ويشير الباحث إلى ما قام به سيد قطب من صياغة منهجٍ تغييري قام على رفض الفقه السائد واعتبار الجهاد منتجاً للفقه، وضرورة الاعتراف بمرحلية أحكام الشريعة. 

تلك الظروف والسياقات دفعت إلى ما يسمّى عملية "تهجين" بين التيارَين، وذلك بسبب تلاقيهما على الرغم من الخلافات بينهما، وأبرز ما التقيا عليه كان: التطابق على مستوى التحليل؛ حيث استعار الألباني من سيد قطب مفاهيم "الجاهلية" و"المفاصلة" و"التماثل" على مستوى التغيير، إذ تبنّى مفهوماً ثورياً للطائفة "المنصورة" وجعلها تتماهى مع مفهوم قطب "للجيل القرآني الفريد". غيرَ أنّ الباحث يشير إلى أنّ التزاوج بين التيارين لم يكن سلساً، بل أنتج تناقضاتٍ وصراعات عميقة داخل السلفية الجهادية ذاتها. فالتوتر البنيوي بينهما تجسَّدَ من خلال تمسّك القيادة الشرعية (حملة القلم) للمنهج التقليدي الألباني الذي عدّته المنهج الأكثر أصالة وشرعيّة، في حين اقتنعت القيادة الميدانية (حملة السيف) بالمنهج القطبي، وأكّدت أولوية العمل الجهادي وتهميش الدور التقليدي للعلماء. وقد تجلّى هذا الصراع في مقولات أصبحت شعارات لأزمة العلاقة بين التنظير الفقهي والممارسة القتالية. بل إنّ بعض الجهاديّين، تحت تأثير المنهج القطبي، أصبحوا "يفقّهون" أنفسهم استخفافاً بالعلم الشرعي التقليدي وحامليه، معتقدين أنّ التجربة الميدانية للجهاد تنتج فقهاً أصدق وأكثر ملاءمة للواقع. 

  ولا بدّ من الإشارة إلى ما حملته نهاية البحث من دعوتين متكاملتين في غايتهما؛ تتعلّق الأولى بحتميّة اعتماد القراءة السوسيولوجية للتطرّف، وهي قراءةٌ تقدّم الظروف الاجتماعية بوصفها دوافع لتبنّي أفكار أيديولوجية مستلهمة من الدين. والثانية تختصّ بحتمية إعادة قراءة التراث وفق أفق تجديد الخطاب الديني لإعادة تأسيس العقل الإسلامي على قواعد العلم ومستلزمات العيش المشترك مع الآخر. وأيضاً الإشارة إلى ما قدّمه الكتاب من خلال تفكيكه واحدة من أهمّ التحوّلات الفكرية في القرن الحادي والعشرين، وتحليله الدقيق للتداخل المعقّد بين التيارات الفكرية المؤثّرة، إذ لا يكتفي فقط بعرض النتائج، بل يفسّر أسبابها وآلياتها من مثل التهجين، والاستعارة المفاهيمية، اللتين عُدّتا مرجعاً أساسياً لفهم واحدة من أكثر الظواهر الفكرية تأثيراً في التاريخ الإسلامي المعاصر والسياسة العالمية، ونستطيع القول إنّ الكتاب بمثابة عمل تأسيسي لا غنى عنه لكلّ باحثٍ أو قارئ مهتمّ بفهم التعقيدات الدينية والسياسية في العالم العربي والإسلامي، مشدّداً على أنّ فهم الحاضر يتطلّب تفكيك طبقات الماضي ومساءلة تداخلاته الفكرية المعقّدة.  

اخترنا لك