تحت أنقاض الأخلاق

بناء الوعي النقدي ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية للشعوب التي تريد البقاء. تفكيك خطاب الأوليغارشية، وفضح ازدواجية معاييرها، وكشف مثقفيها المحليين، كل ذلك لا يقل أهمية عن مواجهة دباباتها وطائراتها بدون طيار التي تغتال القادة.

  • أكثر من 108 شهداء بمجزرة الاحتلال في مدرسة ميناب للبنات في إيران
    أكثر من 108 شهداء بمجزرة الاحتلال في مدرسة ميناب للبنات في إيران

 

حين يتحول الدم إلى سلعة، وتصبح المأساة مادة للمساومة، ويمتطي الضمير صهوة النفاق ليجوب العالم مزهواً بقدسيته المزيفة، هناك يسقط السؤال عن الإنسانية من قاموس الخطاب المهيمن، ليحل محله قاموس المصالح والنفوذ.

إنه المشهد العاري الذي يتكشف كل يوم: ميزان له كفتان، كفة تُذهِّب الدموع إذا سالت في المكان "الصحيح"، وكفة تبرر الصمت بل التواطؤ إذا سالت في المكان "الخطأ". الصح والخطأ هنا ليسا ثابتين، بل يتقلبان في فراش المصالح، يتنكر أحدهما كل ليلة في ثوب الآخر.

قد يراها البعض مجرد ازدواجية في المعايير اعتدنا عليها في خطاب القوى المهيمنة سياسياً واقتصادياً وإعلامياً، لكنها في الواقع نظام كامل لإنتاج القيم الأخلاقية حسب الطلب. نظام تديره "الأوليغارشية العابرة للحدود": تلك النخبة العالمية من رجال المال والسياسة والإعلام، الذين تتجاوز مصالحهم الحدود الوطنية، ويديرون العالم كما لو كان شركة خاصة.

في هذا النظام، تُوزن الدماء بميزان له كفتان أيضاً: دم ثمين يستحق عناوين الصفحات الأولى ووقفة حداد عالمية، ودم رخيص يستحق بضعة أسطر في الصفحات الداخلية، إن ذُكر أصلاً.

التفكير المزدوج

في روايته "1984"، يقدم جورج أورويل صورة مذهلة لهذه الآلية: "وزارة السلام معنية بالحرب، ووزارة الحقيقة بالكذب، ووزارة الحب بالتعذيب، ووزارة الوفرة بالمجاعة. هذه التناقضات ليست وليدة الصدفة، ولا هي نتاج نفاق عادي، بل هي ممارسات متعمدة للتفكير المزدوج".

هذه هي الآلية ذاتها التي تمارسها الأوليغارشية اليوم. وزارات السلام تصنع الحروب، ووزارات الحقيقة تنتج الأكاذيب. دول ترفع شعارات الحرية وهي تمول القمع، وأخرى تتغنى بحقوق الإنسان ويداها ملطختان بدماء الأطفال.

إنه "التفكير المزدوج" الذي يسمح للخطاب الواحد بأن يحمل معنيين متناقضين، وللضمير الواحد بأن يبكي هنا ويصفق هناك، وللمنظومة الإعلامية ذاتها بأن تدافع عن حرية التعبير وتدير أكبر آلة تضليل في التاريخ.

مسرح النفاق اليومي

تأمل هذه المشاهد المتكررة: ذات المنابر التي تهتز رعباً لامرأة تبحث عن حريتها في طهران، تظل صامتة حين يُقتل الأطفال في غزة بالجملة. ذات الأقلام التي تكتب مقالات نارية عن اغتصاب الأطفال في أقبية النخبة الغربية، تغمض عينها عن اغتصاب الأطفال في زنازين الاحتلال. ذات القنوات التي تذرف الدموع على حرية الإعلام في موسكو، تبتلع أكاذيب لا حصر لها تصدر من عواصم تعلن نفسها منارات للحرية.

هذه ليست مجرد هفوات في البصيرة، إنها عملية جعل البصيرة ذاتها تعمل وفق بوصلة مختلفة: بوصلة المصالح التي ترسم خريطة العالم إلى مناطق "مقدسة" وأخرى "مدنسة". على "الأرض المقدسة"، تسيل الدموع غزيرة وتعلو الأصوات مدوية. على "الأرض المدنسة"، لا صوت يعلو ولا دمع يذرف، بل صمت ثقيل يشبه التواطؤ.
وفي امتداد هذا الصمت، يتسع النطاق: خطاب يبرر اغتيال قادة الدول باسم "نشر الديمقراطية"، ويجد مبررات لخطف الرؤساء وتصفيتهم تحت عناوين "محاربة الإرهاب" أو "الاستثناء السيادي".

نفس الخطاب يشرعن حصار الشعوب حتى تموت جوعاً، ثم يقدم لها المساعدات ليبقيها على قيد الحياة بما يكفي لمواصلة استنزافها. إنها آلة ممنهجة لإفقار الأمم تحت شعار "الإصلاح الاقتصادي"، ونهب ثرواتها تحت غطاء "المساعدات الدولية" و"برامج التنمية". بينما الشعوب المحاصرة تموت بطيئاً، يكون أغنياء الأوليغارشية قد اشتروا بالمليارات فيلات في سويسرا وجزراً خاصة في المحيط الهادئ.

وما قضية إبستين وأوراقه السوداء التي فضحت نخبة المال والسياسة والإعلام، إلا نافذة على هذه الآلية. هناك، في تلك الجزيرة الخاصة، كان هؤلاء القتلة يدورون في حلبة من زجاج، يوقعون عقوداً بماء الذهب، ويمارسون طقوس السلطة بوصفها متعة خاصة. وفي الطوابق السفلية، كان الأطفال يُغتصبون ويُقتلون ويُقدمون قرابين في طقوس شيطانية مرعبة. ولما انكشفت الفضيحة، حاولوا اختزالها في شخص شاذ، وتحويل جريمة المنظومة إلى انحراف فردي. لكن الأوراق ظلت تتساقط كشهود، تقول: الابتزاز والاستغلال ليسا حادثين عابرين، بل هما جزء من آلة صناعة القرار في عواصم الأوليغارشية الجديدة.

مثقفو الإمبراطورية الجدد

غير أن الأدهى من جيوش تزحف، وأشد فتكاً من أساطيل تبحر، أولئك المثقفون من أبناء الشعوب المستهدفة الذين يتبنون خطاب الأوليغارشية، ويصوغون له المبررات الأخلاقية باسم "الموضوعية" أو "النقد الذاتي".

يستيقظ أحدهم فيكتب مقالاً يبرر فيه اغتيال قائد وطني لأن "سلطته أصبحت عقبة أمام الاستقرار!" ويتحدث آخر في منتدى دولي فيشرعن خطف رئيس دولة منتخب لأن "البديل كان أسوأ!" ويكتب ثالث عن "ضرورة الانفتاح على المجتمع الدولي"، في الوقت الذي ينهب فيه ذلك المجتمع ثروات بلاده ويطوق شعبها بالجوع والحصار.

يقول المفكر جيلبرت الأشقر: "أخطر ما في الاستعمار الجديد أنه يخلق نخبة محلية تتحدث بلغة الحرية وهي تخدم الهيمنة". هؤلاء هم "تراجمة الأوليغارشية" الذين يحولون خطابها إلى لغة مفهومة لأبناء جلدتهم، فيسهل ابتلاع السم وهم يحسبونه دواء.

ويذهب فرانز فانون أبعد: "المثقف المستعمَر الذي يستوعب خطاب المستعمِر يصبح أخطر من المستعمِر نفسه، لأنه يقدم الوهم بأن المقاومة لا طائل منها". إنهم يمنحون الأوليغارشية ما تعجز عن شرائه بأغلى الأموال: غطاء أخلاقي يصدر من الداخل، ويأتي على لسان من يفترض بهم أن يكونوا حراس الهوية.

اليقظة الثقافية

في مواجهة هذا الزيف المدوّي، حيث يصبح "التفكير المزدوج" هو القاعدة لا الاستثناء، وحيث تغتال الأوليغارشية القادة وتخطف الرؤساء وتحاصر الشعوب وتنهب الثروات تحت أنظار العالم وصمته، تبرز أهمية ما يمكن تسميته "اليقظة الثقافية".

ليست اليقظة هنا بمعنى الشعارات التي ترفع، بل بناء وعي نقدي قادر على مواجهة التزييف، وكشف الأقنعة، وتمزيق خطاب الأوليغارشية من الداخل. إنها تلك الحالة من الانتباه الدائم التي لا تسمح للخطاب المهيمن بأن يمر من دون مساءلة.

يقول مالك بن نبي: "مشكلة كل شعب هي مشكلة ثقافته، فإذا استطاع المستعمر أن يغير ثقافة شعب فقد استعمره من الداخل".

ويضيف فانون: "الاستعمار لا يكتفي بتسخير جسد المستعمَر، بل يعمل على تشويه وعيه وتفكيك عالمه الثقافي".

في هاتين المقولتين يتلخص جوهر المعركة: إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة أرض. لكن للأسف، ونقولها بمرارة، لقد نجح استعمار وعي شرائح واسعة جداً من المجتمعات العربية.

وإذا كانت الأوليغارشية قد أتقنت فن "التفكير المزدوج" - سلام يصنع الحرب، حقيقة تنتج الكذب، حب يساوي تعذيباً، وفرة تعني مجاعة - فإن المواجهة تبدأ بكسر هذه المعادلة: أن نسمي الأشياء بأسمائها. أن نقول عن الاغتيال إنه اغتيال، وعن الخطف إنه خطف، وعن الحصار إنه حصار، وعن النهب إنه نهب. مهما تزينت هذه الأفعال بعناوين الحرية والديمقراطية والإصلاح والتنمية.

وإذا كان مثقفو الإمبراطورية الجدد قد تفرغوا لترجمة خطاب الهيمنة إلى لغة مفهومة لأبناء جلدتهم، ليسهل ابتلاع السم وهم يحسبونه دواء، فإن اليقظة الثقافية تعني إنتاج خطاب مضاد: خطاب يفكك مسوغاتهم، ويكشف زيف موضوعيتهم، ويفضح خيانتهم الناعمة. ليس انتقاماً منهم، بل لأنهم يشكلون الجسر الذي تعبر عليه الهيمنة إلى وعي الأمة.

بناء الوعي النقدي ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية للشعوب التي تريد البقاء. تفكيك خطاب الأوليغارشية، وفضح ازدواجية معاييرها، وكشف مثقفيها المحليين، كل ذلك لا يقل أهمية عن مواجهة دباباتها وطائراتها بدون طيار التي تغتال القادة، وسفنها الحربية التي تحاصر السواحل، وبنوكها التي تمتص ثروات الأرض.

ربما لن يرى الكثيرون نتيجة هذه اليقظة بأعينهم. لكن الأهم أن يبقى في الوعي الإنساني شاهد على أنهم لم يكونوا مثلهم. شاهد يقول: عرفنا أن وزارات السلام كانت تصنع الحرب، وأن وزارات الحقيقة كانت تنتج الكذب، وأن من تغنوا بالحرية كانوا يمولون القمع، وأن من بكوا على امرأة في طهران صمتوا على أطفال في غزة. عرفنا ذلك، ولم ننخدع.

وهذا، تحت أنقاض الأخلاق، حيث أمسى "التفكير المزدوج" هو اللغة الوحيدة للسلطة، وحيث تحول اغتيال الزعماء إلى "عمليات جراحية" وخطف الرؤساء إلى "تسليم للعدالة" وحصار الشعوب إلى "عقوبات ذكية" ونهب الثروات إلى "استثمارات دولية"، يبقى هذا الشاهد - شاهد الوعي الذي لا ينخدع - هو الانتصار الوحيد.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك