بلد المنحوس.. رواية العناد الوطني الفلسطيني..!

"بلد المنحوس" رواية تجمع لأول مرة في الأدب الفلسطيني مقاومة أهل الأرياف الفلسطينية في بلدات الجليل الفلسطيني، إلى مقاومة أهل مدينة عكا، وعناق ثقافة المقاومة الواحدة في الريف والمدينة.

  • بلد المنحوس: رواية العناد الوطني الفلسطيني..!
    بلد المنحوس: رواية العناد الوطني الفلسطيني..!

أعترف بأنّ الأدب الفلسطيني، حضوراً ونشاطاً ونقداً، قصّر في تسليط الضوء على الأدب والفكر والثقافة داخل الوطن الفلسطيني المحتل، أي داخل ما سميناه، الخط الأخضر، في مدن وبلدات عكا، وحيفا، ويافا، وأم الفحم والناصرة، وسخنين، والرامة، وميعار، وعرابة، وشفا عمرو... إلخ، قصّر كثيراً، واستأنس بهذا التقصير وركن إليه، وكأنه جزء من صورة الإحباط التي عمت كل شيء، مع أنّ اثنين من أهم الكتّاب والمبدعين الفلسطينيين اهتما بالأدب الفلسطيني المكتوب في داخل الوطن الفلسطيني، نثراً وشعراً، هما غسان كنفاني، ويوسف الخطيب، وشقّا الطريق لمعرفة هذا الأدب الجديد في كل شيء، والمهم في كل القضايا والموضوعات التي تناولها، فكان جهة معرفية مقاومة، لأنه عرفنا أكثر، ومن خلال تفاصيل ما كنا نعرف منها شيئاً، بالأبعاد النفسية والفكرية للشخصية الإسرائيلية، مثلما عرّفنا أكثر بالمجتمع الإسرائيلي، والفوارق الجلية بين من هو (أشكنازي) و(سفارديمي) وأشكال التناقض بين التقدم والتخلف، أو أشكال الرعاية والاهتمام من عدمه بالأحياء والبلدات التي يسكنها (الأشكناز/ الغربيون) والأحياء والبلدات التي يسكنها (السفارديم/ الشرقيون)، وتوجهات كل منهما، والأحلام التي تجمعهما، والتناقضات التي تفرق بينهما تمييزاً. وقد أسهم الأدب الفلسطيني الذي كتب في الوطن الفلسطيني المحتل في لفت الأنظار إلى الحال الصعبة التي عاشها الفلسطينيون تحت الحراب الإسرائيلية، ومنها وجوه الثقافة العنصرية الإسرائيلية التي سعت وعملت على أن يكون الفلسطينيون الذين تشبثوا بأرضهم وقراهم ومدنهم عام 1948، وتحملوا كل ويلات الإسرائيليين وصلفهم وسلوكياتهم العدوانية (تفرقة، وعزلاً، وحرماناً، وتقييداً في جداول رواتب البطالة لمن يحملون منهم الشهادات على اختلاف درجاتها).

والمؤسف أنّ آثار  وعلامات وصور هذا التقصير ما زالت بادية على نحو فاقع ومشين، علماً بأنّ أسماء إبداعية كبيرة أثبتت جدارتها الأدبية الكبيرة، وأوجدت لنفسها فضاء إبداعياً أبعد من مساحة جغرافية الوطن الفلسطيني المحتل، فبدت حاضرة بقوة الإبداع، وصلادة الوعي الوطني، في المشاهد الثقافية العربية، والعالمية أيضاً، حين التفتت إليها الفعاليات المعنية بالترجمة والمثاقفة، وفي مقدمة هذه الأسماء: محمود درويش، وسميح القاسم، وراشد حسين، وأميل حبيبي، وتوفيق فياض، وحنا أبو حنا، ومحمد علي طه، وأحمد حسين، ونبيه القاسم، وشكيب جهشان، وتوفيق زياد، وسالم جبران، وشفيق حبيب... إلخ، هؤلاء الأدباء الكبار الذين عرفناهم في الثلث الأخير من القرن العشرين الفارط، وقد تبعهم جيل أدبي مبدع، حمل راية الإبداع الوطني الفلسطيني، وبهمة جادة، ورؤى عميقة واضحة، تستند إلى ثقافتين مهمتين، الأولى هي الثقافة العربية بشقيها القديم والحديث، والثانية هي الثقافية الإنسانية التي أعطت الأدب العالمي سمات واضحة لمدارس في الإبداع، والنقد، والتفكير، والفلسفة، والفن، وهذا الجيل يمتاز بالانتساب إلى أبوة ثقافية وإبداعية أسسها محمود درويش، وسميح القاسم، وأميل حبيبي، وأميل توما، مثلما يمتاز أدبه بالانتساب إلى الروح الفنية الأدبية التي تجعل من الأدب عمراناً للنفوس، والمجتمعات، والقضايا الإنسانية، وبوصلة رائية للمستقبل المنشود، أي الرؤى والتوجهات المتعلقة بتعميق الرؤى ما بين ثنائيات مثل: الجلاد والضحية، والظلم والعدالة، والأسر والحرية، والمساواة والعنصرية، والبربرية والمدنية، والوعي واللاوعي... إلخ.

 أجل، إنّ ما كتبه أدباء فلسطين، في الوطن المحتل، كان ولا يزال، جزءاً أصيلاً وجوهرياً من الأدب الفلسطيني الذي كتب في المنافي والشتات، وداخل قطاع غزة والضفة الفلسطينية، والقدس، والخليل، وأريحا، وكل هذا الأدب يشكل، في اجتماعه، الأدب الفلسطيني المقاوم رغم كل أشكال الحصار، والغياب، والدعاية الإسرائيلية المضادة التي تتهمه بكل ما ليس فيه، وبكل ما لا يليق بجماله وصفائه ووضوح رؤيته، وبعده الإنساني الرزين.

قلت كل هذا، وبين يدي رواية "بلد المنحوس" للأديب الفلسطيني سهيل كيوان، الصادرة عن دار مكتبة كل شيء في مدينة حيفا، الذي يمثل الأدب الجميل داخل الخط الأخضر عام 1948 ، وقد قرأتها بكل التهيب والإجلال، لأن كل ما فيها كشاف لطبيعتين: طبيعة حياة الفلسطينيين في بلداتهم وقراهم ومدنهم داخل (الخط الأخضر)، وطبيعة ما يعانون منه من تمييز عنصري، ومضايقات كلها عدوانية وعسف وقلة احترام واعتبار، وفي جوانب حياتهم كلها أيضاً.

 واستباقاً أقول إن القضايا والموضوعات التي تعالجها هذه الرواية، هي موضوعات حياة الناس ورغائبهم وهمومهم وأحلامهم وهم يرون ما حدث ويحدث، وأن النبر الوطني فيها شديد الوضوح من جهة التعلق بأمرين اثنين لهما المكانة والحضور هما: الأرض، والتاريخ، ومنهما، وعبرهما، يتخلق المستقبل الذي نريده ونسعى إليه.

واستباقاً أيضاً، أود التعريف بسهيل كيوان، فهو كاتب أوقف حياته من أجل الأدب والإبداع مساهرة للقيم الوطنية التي تصلّب حضور الشخصية الفلسطينية، وتنقذها من الترهل، واليأس، والإحباط، والتبعية لعدو غاشم يمتلك الكثير من المفاتيح التي تجعله صاحب سلطة وقوة غاشمتين أيضاً،  وتبديها، أي الشخصية الفلسطينية، وهي تمتلك من القوة الخلاقة ما لم تمتلكه الشخصية الإسرائيلية، ولن تمتلكه.

سهيل كيوان كاتب من الجيل الثاني الذي ردف جيل محمود درويش وراشد حسين، وهو يكتب القصة القصيرة، والرواية، وقصص الأطفال، والدراسات الأدبية، وله مسرودية أدبية وافرة ومهمة وذات نيافة على أبناء جيله، قاربت في عديدها عشرين مؤلفاً وأزيد، وهو اليوم يعمل في الصحافة الأدبية، وله حضوره الأدبي الوجيه، كما أنه صاحب مشروع ثقافي متكامل.

تنفتح روايته "بلد المنحوس" على سرد يأتي من فوق مصطبة وسيعة، ملأى بكراسي القش الواطئة، وبقربها منصة حجرية عالية هي منصة الحكواتي حيناً، ومنصة المنازلات الشعرية حيناً آخر، ومنصة الغناء حيناً ثالثاً، ومنصة المخاطبات الفكرية والسياسية حيناً رابعاً، والمكان هو حي شعبي في مدينة عكا.

الحكواتي، هو (أبو ربحي) الذي يقوم بدور الراوي لأحداث وقصص وأخبار قديمة، ولكنها شديدة اللصوق والتعالق مع الحال الفلسطينية، ومنها حكاية عشق وألم وانتظار وخيبات أمل تدور بين (وضحى الصفورية) نسبة لبلدة (صفورية)، و(حمد الطبراني) نسبة لمدينة (طبريا)، في منطقة الجليل الفلسطيني، هذه الحكاية التي فاقت بجاذبيتها وأحداثها حكاية (الزير سالم) وحكاية (وضاح اليمن)، لكن الراوي هنا، وفي مفتتح الرواية يسرد علينا، حكاية دخول (رسمي الأفندي) العكاوي على بيت (جمالات السيد) العكاوية الممرضة، وهي عازبة وجميلة، ومع أنه دخل إلى البيت، وهي لم تصرخ، ولم تطرده، فإن جارها الغيور (أمين الزيدان) رأى (رسمي الأفندي)، وعرف أنّ (جمالات السيد) لم تصرخ، ولم تطرده، لذلك هب مندفعاً ودخل بيتها، وطرد (رسمي الأفندي) وضربه، وهنا تلاقت عائلتا (الأفندية)، والزيادنة) واشتبكوا في معركة أدت، فيما بعد إلى (صلحة) بين الطرفين، وانتهت بوليمة وإدانة لـ (رسمي الأفندي) لأن دخوله إلى بيت (جمالات السيد) كان غلطاً أخلاقياً، وهنا يوظف الكاتب سهيل كيوان قدراته الأدبية وثقافته التراثية ليتحدث عن جانب مهم في المجتمع الفلسطيني الذي يبجّل الكرامة والشرف والكبرياء والأعراف كي لا تخترم لأي سبب كان، ومثل هذه المعرفة العميقة التي يبديها سهيل كيوان تجاه المجتمع الفلسطيني، يبدي ما يناظرها من معرفة عميقة وهو يتحدث عن  المجتمع الصهيوني في (غيتوات أوروبا) ومنها بولونيا، ليقف بالقارئ على صور التناقض الحاد ما بين ما يفكر فيه ابن المجتمع الأوروبي، وما يفكر فيه اليهودي الذي يعيش في (الغيتو) داخل المجتمع الأوروبي نفسه، ووجوه الكراهية التي يبديها المواطن الأوروبي تجاه اليهودي الذي لم تفارقه ثقافة (الربا) وأطماعها، والظن بتفوقه، ولا حتى في منامه، كما يقف سهيل كيوان بالقارئ أمام تنامي الدعوة إلى الهجرة اليهودية، وضرورة مغادرة اليهود للغيتوات، والهجرة إلى البلاد الفلسطينية، ويشير إلى الأحزاب اليهودية، على اختلاف انتماءاتها، وما تدعو إليه من أفكار، والأدوار التي لعبتها في ترويج الهجرة اليهودية نحو البلاد الفلسطينية، وقد لعب سهيل كيوان، وبذكاء بارع، لعبة المداورة ما بين فصل يتحدث عن الحال الفلسطينية (تراثاً، وعادات، وتقاليد، ومقاومة) وفصل آخر يتحدث عن أفعال اليهود الناقصة، وقد ارتدوا أقنعتهم السياسية التي تراوح ما بين المناداة بالعنصرية الدينية، والجهر بالأفكار الاشتراكية، والنظرات الليبرالية، وقد أوجد سهيل كيوان منافسة شديدة الذكاء والتأثير ما بين فصل يقدّم لنا، وبالتشريح التفصيلي أحوال البلاد الفلسطينية في زمن الاحتلال الإنكليزي، وتنامي قوة العصابات اليهودية/الصهيونية، وأطوار تنامي المقاومة الفلسطينية وأدواتها، وما عانته من إحباط وخيبات أمل في الحصول على السلاح لمواصلة نضالها، وفصل آخر يبدي التعاطف الإنكليزي مع هجرة اليهود الصهاينة وإسنادهم عند وصولهم إلى الأراضي الفلسطينية، ومدهم بكل أسباب القوة، وتدريبهم على حمل السلاح في المعسكرات الإنكليزية.

صحيح أن سهيل كيوان في روايته "بلد المنحوس" يعود عشرات السنين إلى الوراء، وهو يروي بأسلوب سهل ممتنع، شائق، القصص، والأخبار، والأحداث، ويقف عند الخيبات والثغرات، والبطولات، والأحلام لزمن انتهى بكارثة غامقة في حزنها، موجعة في لذعها الحارق، وغير أخلاقية ولا إنسانيةفي صورها ومآلاتها، هي نكبة البلاد الفلسطينية عام 1948، ولكن الصحيح، والجوهري هو أنّ سهيل كيوان في روايته "بلد المنحوس" ومن خلال سرده المتين والدقيق يبدي قوة الجذور الفلسطينية، وفي جميع الاتجاهات والنواحي، الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية، وقوة المقاومة الفلسطينية وحضورها في كل جزئية من الأحداث والتواريخ المروية والمعاشة.

   رواية "بلد المنحوس"، سرد بعيد الغور في تقصي تاريخ الحال الفلسطينية التي انتهت، رغم الحب العزيز، والمقاومة الشجاعة، والتشبث المكين بالجذور، إلى مأساة كونية، فضحت ما تريد ثقافة الاستعمار الغربي، وما رمت إليه مفاعيل القوة الغربية الغاشمة؛ سرد يفضح ما جرى للشعب الفلسطيني من ظلم، من خلال الجولان في مكان معين، هو مدينة عكا الفلسطينية، صاحبة التاريخ النضالي البهار من أيام الظاهر بيبرس، وظاهر العمر الزيدي، ووقوفها العنيد في وجه نابليون بونابرت، وصلابة مقاومة أهلها للانكليز المحتلين للمكان بالقوة الغاشمة، ومقاومة العكاويين للعصابات الصهيونية، وعلى مستويات عدة، إنها رواية تجمع لأول مرة في الأدب الفلسطيني مقاومة أهل الأرياف الفلسطينية في بلدات الجليل الفلسطيني، إلى مقاومة أهل مدينة عكا، وعناق ثقافة المقاومة الواحدة في الريف والمدينة.

  رواية "بلد المنحوس" لسهيل كيوان رواية مذهلة حقاً في تقصيها العميق للبقع الأرجوانية في التاريخ الفلسطيني البعيد في جذوره الحضارية، والرصين بمعارفه المنادية بقيم الحداثة والتقدم، والحرية، والمجد الإنساني، والعناد الوطني تجاه كل أشكال الظلموت التي تروم الاغتصاب والاحتلال، وما أكثر أشكال ذلك الظلموت التي عرفها التاريخ الفلسطيني، وما أكثر الأحداث والوقائع الفلسطينية الباعثة على الاعتزاز، والأهالي يدفعون الشر بعيداً  عن بيوتهم وقراهم وحقولهم ومدنهم وعمرانهم، و"بلد المنحوس" رواية عالية في تقنيتها الروائية التي يتناوب فيها السرد على إشغال فاعلية التعبير من أجل الكشف عن التناقضات ما بين ثنائيات: القوة المادية الباطشة، والقوة المتجذرة في انشدادها إلى معاني التاريخ والجغرافيا والروح الوطنية البادية في الثقافة والعمران، والعناد الجميل في الدفاع عن الأرض وما استنبتته فوقها من جمال خرافي، أبعاده متعددة، وأذرعه طويلة، وطبقاته كثيرة، وأنواره مديدة عمّت الدنيا كلها.

 وبعد، ومهما قيل عن جمال رواية "بلد المنحوس" لـسهيل كيوان، فإن هذا لا يكفي هذه الرواية حقها، ولا يفي معناها ومبناها وغناها، وما هي جديرة به، إنها الرواية الثانية الأهم بعد (متشائل) أميل حبيبي التي توظف التراثي، والتاريخي، والمكاني، والروح المقاومة، وما تحلم به الأرواح الفلسطينية التي لا تُهزم، حتى إن انحنت، من أجل كتابة سرد حميم يليق بالعناد الوطني الفلسطيني.

اخترنا لك