الفن والمقاومة: فلسطين في قلب الفن التشكيلي
كيف يتحول الفن من مجرد تمثيل للواقع الفلسطيني إلى فعل مقاومة يعيد مساءلة التاريخ والإنسانية؟
في سياق عالمي مشبع بالحروب والدماء، تنبعث أصوات مقاومة ومنددة، تنحاز إلى القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
لم تغب هذه القضية عن مجالات الفن التشكيلي والبصري داخل فلسطين وخارجها منذ بدايات الاحتلال، حيث تم تمثيل الجسد الفلسطيني من قبل فنانين فلسطينيين أو عرب أو غير عرب، في أبعاده الفيزيولوجية والجغرافية والثقافية، جسداً مجروحاً ومقاوماً في الآن ذاته.
و"إن ما وقع، ويقع، في فلسطين"، كما يقول سعيد منتسب، ليس مجرد صورة فوتوغرافية لمصوّر هاوٍ يعشق جمع الجثث والخرائب. إن ما يقع يُدين الإنسانية كلها، ويضع الكاتب أو الفنان أمام مسؤولية الصعود في التاريخ". بناء على ذلك، يتجاوز الفن حدود التمثيل ليصير ممارسة إستتيقية تستنطق العالم وتعيد مساءلته.
يتجاوز الفن، بوصفه كشفاً أنطولوجياً، وظيفة نقل الواقع، ويتخذ شكل توتر دائم بين الظهور والاختفاء، وبين الأثر وإعادة تشكيله داخل شبكات دلالية معقدة. ذلك أن الفنان مدفوع بالحقيقة داخل الفن، حيث يغدو الإبداع "مقاومة"، بالمعنى الذي صاغه جيل دولوز، أو "انخراطاً"، بالمعنى الذي دافع عنه ألبير كامو، أكثر من كونه "التزاماً" بالمعنى السارتري، يخندقه في مغاور إيديولوجية. إنه، إذاً، مقاومة عبر إعادة تشكيل المخيال الجمعي، بعيداً من الخطابية المباشرة.
من هذا المنظور، يتحول الفن إلى حفر داخل الوعي، يفتح إمكانات جديدة للرؤية، فتتداخل الحدود بين الصورة والحدث، وبين الجسد كأثر والجسد كحقل صراع. ومنه ينزاح العمل الفني عن كونه وثيقة، ليصير أداة لفهم مغاير للتاريخ، مقاوماً لأنماط الإدراك المستقرة، ومؤسساً لمساحة مواجهة، حيث يتحقق السؤال بوصفه قوة زعزعة، وتنبثق إرادة الحياة.
منذ نكبة 1948، أصبح الفنان العربي جزءاً من المعركة الرمزية، مستبدلاً السلاح باللون، في محاولة لانتزاع الاعتراف بالذات الفلسطينية.
يشتغل الفن ها هنا على تقويض السرديات الزائفة التي توظف الصورة المشوهة في مواجهة خطاب إعلامي مهيمن. فعندما قال جاك لاكان إن: "للحقيقة بنية التخييل"، كان يشير إلى تشابك الحقيقة والخيال داخل بنية رمزية معقدة.
وعليه، تتحول الحقيقة إلى بناء مستمر عبر اللغة والعلامات، ما يبرز الممارسة الفنية كطاقة خلاقة تواجه التشويه. ومنه يصبح الفن فعلاً تحررياً، يستعيد تفاصيل الحياة اليومية بوصفها جبهات مقاومة ضد النسيان، وضد الاستعمار البصري الذي يسعى إلى تثبيت الفلسطيني في صورة الضحية الساكنة، ليعلي بذلك من صورة الفلسطيني بوصفه ضحية رمزية لكل مآسي الإنسانية اليوم وعبر كل العصور.
إنه الدال البصري الأكثر قدرة على خلخلة النزعة السياسية المحتكرة لصوت التضامن، والأكثر إزعاجاً للأصوات الخاملة. ولنتأمل ما فعلته جدران "بانكسي"، ذلك الفنان البريطاني المضمر الاسم، من زعزعة للكيان الإسرائيلي الوهمي. فيصير الخطاب البصري خطاباً مندِّداً يقول: "نحن هنا"، عبر اللون والمادة والشكل والإسمنت والحديد والمعدن، وعبر الحضور والغياب، في مثول مكثف يجعل الفن جداراً في وجه المحو.
ضمن هذا الأفق، انخرطت تجارب عربية وإيرانية في صياغة خطاب بصري مقاوم، حيث غايتها رفع خطاب صيغته الرمزية المدوية: "هزمتك يا موت الفنون جميعها"، لمحمود درويش. فمنذ منتصف القرن العشرين، عرف الفن المناصر للقضية الفلسطينية زخماً عبر الملصقات واللوحات والمعارض المرتبطة بالنصوص الشعرية والسياسية.
تموجات الحرية
-
عمل لمحمد المليحي
اشتغل الفنان التشكيلي، محمد المليحي، في سبعينيات القرن الماضي على إنتاج ملصقات ولوحات تعكس انخراطه في القضية الفلسطينية. اعتمد فيها لغة تجريدية قائمة على تموجات لونية متصاعدة، مستلهمة من رؤى مدرسة الدار البيضاء، التي ارتبطت بخلفيات يسارية جعلت من التضامن مع فلسطين مرجعية فكرية تدافع عن القضايا العادلة فنياً.
فقد شارك فنانو هذه المدرسة في معارض جماعية في عواصم عربية عدة، ضمن سياق نضالي. ومنذ نكبة 1948، أصبح الفنان العربي جزءاً من المعركة الرمزية، مستبدلاً السلاح باللون، في محاولة لانتزاع الاعتراف بالذات الفلسطينية.
هكذا تظهر في ملصق المليحي كلمة "فلسطين" بأحرف لاتينية، تعلو موجات متصاعدة تشبه ألسنة اللهب. تتحول الموجة إلى طاقة دينامية تشير إلى الانبعاث، وكأنها حركة تحرر تتجاوز الأرض نحو أفق اشتعال جديد. الموجة هنا تحمل دلالة وجودية، حيث تتجسد الكينونة في الامتداد الحركي، وتصبح "فلسطين" علامة على إرادة الحياة.
تشظيات في مواجهة الشتات
-
عمل لمحمد قاسمي
زميل المليحي، المغربي محمد قاسمي، قدّم تجربة مغايرة تعتمد على الكولاج والتفكيك البصري، حيث يجمع شظايا الصور داخل فضاء يعكس دماراً ممتداً. العمل لا يقدم الواقع كما هو، فغايته إعادة توزيعه في الفضاء كما تختزنه الذاكرة: ممزقاً ومتشظياً.
يتحول الفن إلى حفر داخل الوعي، يفتح إمكانات جديدة للرؤية، فتتداخل الحدود بين الصورة والحدث، وبين الجسد كأثر والجسد كحقل صراع. ومنه ينزاح العمل الفني عن كونه وثيقة، ليصير أداة لفهم مغاير للتاريخ، مقاومًا لأنماط الإدراك المستقرة، ومؤسساً لمساحة مواجهة.
يوظف القاسمي تقنيات حداثية تعكس صراع الإنسان العربي، جامعاً بين البعد الأخلاقي والإستتيقي. تتشكل اللوحة من صور ورسومات وكاريكاتورات تتداخل داخل فضاء معتم، حيث يحيل اللونان الأسود والأخضر إلى الحداد والأرض.
يطرح العمل سؤال العلاقة بين الفن والواقع: كيف يتحول الفن إلى أداة تعبير وشفاء في آن؟ عبر تفكيك الزمن وإعادة تركيبه، تتحول اللوحة إلى جرح مفتوح، حيث تعيد الذاكرة بناء ذاتها من خلال الشظايا. الفن في هذا المستوى من الاشتغال يتجاوز المادة ليصير حاملاً لقيم أخلاقية ومحفزاً للتفكير النقدي.
المرأة الفلسطينية
-
عمل لرفيق شرف
من جهته، أنجز الفنان اللبناني، رفيق شرف، لوحة بعنوان "المرأة الفلسطينية" عام 1966، حيث تتجسد المرأة كرمز للمعاناة والصمود. تخلق الألوان الداكنة والظلال الكثيفة مناخاً بصرياً يعكس الألم والحنين، فيما تحمل ملامح الوجه تاريخاً من النضال. تقع المرأة في مركز التكوين، بوصفها تمثيلاً جماعياً للأمهات اللواتي عايشن الفقد والتهجير.
في المنجز، يتحول الثوب الأسود إلى حامل رمزي للكرامة، أما الخطوط الهندسية فتعكس تعقيد الحياة. العينان الغارقتان في السواد تحكيان عن مرارة التجربة، بقدر ما تكشف تدرجات اللون صراعاً داخلياً بين الألم والرجاء. اللوحة تقدم المرأة كأفق للأمل، حيث يستمر الضوء داخل العتمة.
الاستعارة الكابوسية
-
عمل ليوسف عبدلكي
في لوحة "طفل من غزّة" عام 2023، يقدم السوري، يوسف عبدلكي، مشهداً مشحوناً بالرعب، حيث يواجه الطفل كائناً هجينياً يجمع بين المعدن واللحم. يمثل الوحش العنف في شكله الميكانيكي، آلة قتالة بلا قناع. أما الطفل ففي وضعية استسلام، ممدداً، يرفع يديه كالتماس يائس.
يعتمد عبدلكي في منجزه هذا تقنية الفحم، ما يعزز الإحساس بالاختناق، حيث يغيب اللون لصالح تكثيف الحقيقة. في الوقت عينه، تبرز الخطوط الحادة حتمية المصير، والجسد العاري يعكس هشاشة الإنسان أمام آلة العنف. يخلق العمل استعارة بصرية للعنف كقوة ميتافيزيقية مستمرة.
في هذا العمل تحديداً، يتحول الطفل إلى وجه بالمعنى الليفيناسي، أي الضعف المطلق الذي يلقي على عاتقنا مسؤولية أخلاقية، بينما يجسد الوحش الميكانيكي ما سمّته حنة أرندت "تلاشي الفكر" أو غيابه، من حيث كونه "جذر الشر"؛ حيث يصبح الشر آلياً، تقنياً، ومنزوع الإنسانية، لا يرى في الضحية سوى مادة للمحو.
فلسطين ليست وحدها
-
عمل لهيبت أحمدي
تحولت الممارسة التشكيلية في إيران إلى خطاب مقاومة، حيث تجاوزت اللوحة بعدها الإستتيقي نحو وظيفة تداولية تكشف العنف. عبر وسائط فنية متعددة، بما فيها الرقمية، انخرط الفنانون في تفكيك السرديات، مبرزين صمت الغرب. يوازي الفن في هذه الحال التعبير السياسي، بوصفه أداة تأويل وإدانة.
في المقابل، امتد العنف ليشمل الفنانين أنفسهم، كما في استشهاد منصورة عليخاني وصالح بايرامي في العدوان الإسرائيلي عام 2025، ما يعكس استهداف الحقول الرمزية. في سياق آخر، نظمت جمعية الفنون التشكيلية للثورة والدفاع المقدس معرض "تجلّيات المقاومة"، تلاه نشاط "من القدس إلى القدس"، في مرقد الإمام الرضا، دعماً لغزة.
وعلى مستوى التجربة الفردية، اشتغل هيبت أحمدي على إعادة توظيف عمل لجون فرانسوا مييه، حيث تظهر 3 شخصيات منحنية تلتقط الحجارة، في دلالة مزدوجة. يخلق هذا الانحناء الجماعي محوراً بصرياً منخفضاً يثقل المشهد ويمنحه كثافة درامية، وفي الآن عينه يصير فعلاً يومياً ومقاومة كامنة. إذ يعكس الحشد في الخلفية جماعية الفعل، بينما تؤطر عبارة "فلسطين ليست وحدها" القراءة ضمن أفق تضامني.
تحولت الممارسة التشكيلية في إيران إلى خطاب مقاومة، حيث تجاوزت اللوحة بعدها الإستتيقي نحو وظيفة تداولية تكشف العنف. عبر وسائط فنية متعددة، بما فيها الرقمية، انخرط الفنانون في تفكيك السرديات، مبرزين صمت الغرب. يوازي الفن في هذه الحال التعبير السياسي، بوصفه أداة تأويل وإدانة.
أما محمد رضا شيتزاز فيشيّد بنيته البصرية على تدرّج عمودي يكدّس رموزاً دينية مركزية في الوعي الإسلامي، الكعبة، قبة المسجد النبوي، ثم قبة الصخرة، داخل تشكيل أقرب إلى نماذج ثلاثية الأبعاد ذات طابع تبسيطي، ما يمنحها مظهر السلع المعروضة.
-
عمل لمحمد رضا شيتزاز
فالعلامات الخضراء "NEW" والختم الأحمر "FOR SALE" لا تؤدي وظيفة تزيينية، بل تفكّ قدسية هذه الرموز عبر إدخالها في منطق السوق، حيث تتحول من فضاءات عبادة إلى وحدات قابلة للتداول.
هذا التنافر بين القدسي والتجاري يُنتج صدمة دلالية، تُعزَّز بأسلوب نظيف ومحايد لونياً، يكاد يحاكي إعلانات المنتجات، فيقود المتلقي إلى قراءة العمل كتعليق نقدي على تسليع المقدّس ضمن سياقات سياسية معاصرة، خاصة مع الإحالة النصية إلى "صفقة القرن" التي تؤطر المعنى داخل خطاب جيوسياسي محدد، حيث يغدو البيع استعارة لعمليات إعادة التشكيل القسري للرموز والفضاءات.
