الريف الصيني بين الإصلاح والتطوير
كتاب "الريف الصيني بين الإصلاح والتطوير" دراسة سوسيواقتصادية بالغة الأهمية، لأنه يكشف أن صعود الصين لم يكن نتاج الصناعة والتكنولوجيا وحدهما، بل ثمرة مشروع طويل بدأ من الأرض والقرية والحقل الزراعي. ومن هنا تنبع أهميته للقارئ العربي
-
الريف الصيني بين الإصلاح والتطوير
في كتابه "الريف الصيني بين الإصلاح والتطوير" يحاول البروفيسور "لي جوو "تقديم رؤية شاملة لفهم أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في التجربة الصينية الحديثة وهي: كيف استطاعت الصين أن تؤمّن الغذاء لما يقارب مليارًا ونصف المليار نسمة، بالتوازي مع التحول الصناعي والتوسع العمراني الهائل؟
الترجمة العربية للكتاب أنجزتها آية عاطف شلبي بإشراف حسنين فهمي حسين، الأمر الذي أكسب الكتاب أهمية إضافية، لأنه ينقل التجربة الصينية مباشرة من مصادرها الأكاديمية الرسمية إلى القارئ العربي، بعيدًا عن القراءات الغربية المعتادة للصين.
الكتاب الصادر عن دار نشر جامعة رينمين الصينية (Renmin University of China Press) بالتعاون والشراكة مع مؤسسة "بيت الحكمة" للثقافة والخدمات الإعلامية لا يتعامل مع الريف الصيني بوصفه قطاعًا اقتصاديًا هامشيا، بل باعتباره الركيزة العميقة التي قامت عليها "المعجزة الصينية". فالصين، رغم صعودها الصناعي والتكنولوجي، لم تتخلَّ عن مركزية الأرض والزراعة في مشروعها التنموي، بل أعادت صياغتهما ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد. وهنا تكمن إحدى أهم
نقاط قوة الكتاب، إذ ينجح في تفكيك العلاقة المعقدة بين الأمن الغذائي والاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.
يرى الكاتب أن نجاح الصين في تأمين غذائها اعتمد على أربعة محاور مترابطة.: أولها حماية الأراضي الزراعية من التآكل العمراني، عبر منع تحويل الحقول الخصبة إلى مشاريع صناعية أو سكنية، ويعرض الكتاب هذه السياسة بوصفها قرارًا سياديًا لا يقل أهمية عن حماية الحدود أو الأمن القومي. كما يبرز أهمية تطوير البنية التحتية الزراعية، من شبكات الري الحديثة إلى المكننة وتحسين جودة التربة، بما يكشف عن عقلية تخطيطية بعيدة المدى، تختلف عن السياسات الزراعية المؤقتة التي عرفتها كثير من الدول النامية.
أما المحور الثاني فيتمثل في تحديث سلاسل التوزيع والنقل والتخزين، وهي نقطة غالبًا ما تُهمَل في النقاشات الزراعية العربية التي تركز على الإنتاج وحده.. يلفت الكتاب الانتباه إلى أن جزءًا مهمًا من الأمن الغذائي لا يتحقق فقط بزراعة المحاصيل، بل أيضًا بالقدرة على إيصالها بكفاءة وتقليل الفقد منها. وهنا تظهر التجربة الصينية كنموذج لإدارة الاقتصاد الزراعي بمنطق صناعي حديث.
وفي تناوله للتجارة الدولية، يقدّم المؤلف رؤية متوازنة بين الاكتفاء الذاتي والانفتاح على الأسواق العالمية، فالصين، بحسب الكتاب، لم تعتمد سياسة انعزالية، لكنها في الوقت نفسه لم تسمح بتحويل الغذاء إلى نقطة ضعف استراتيجية.
وهذه الفكرة تمنح الكتاب بعدًا جيوسياسيًا يتجاوز الإطار الزراعي البحت.
غير أن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن فقط في عرض النجاحات، بل أيضًا في رصده التحديات البنيوية التي رافقت عملية الإصلاح. فهو يناقش بوضوح آثار التمدن السريع وتحويل الأراضي الزراعية، إضافة إلى مشكلة استنزاف المياه وتلوث التربة نتيجة الاستخدام المكثف للأسمدة في مراحل التنمية الأولى.. كما يطرح سؤال القدرة التنافسية للمنتج الزراعي الصيني التي تستند إلى تخفيض كلفة الإنتاج ورفع الإنتاجية في ظل العولمة، وهو سؤال يكشف إدراك المؤلف للتناقضات التي ترافق أي تجربة تنموية كبرى.
ومع ذلك، يمكن تسجيل بعض الملاحظات النقدية على الكتاب. فالنبرة العامة تميل أحيانًا إلى الطابع التقريري الذي يقترب من الخطاب التنموي الرسمي، ما يجعل مساحة النقد السياسي والاجتماعي محدودة نسبيًا. كما أن التركيز على نجاح الدولة المركزية في إدارة التحولات الريفية يأتي أحيانًا على حساب إظهار التفاوت الاجتماعي أو التحديات الثقافية التي واجهها المجتمع الريفي الصيني خلال عملية التحديث السريعة.
كذلك، يبدو أن المؤلف ينظر إلى التنمية الريفية من زاوية اقتصادية وإدارية أكثر منها إنسانية أو ثقافية، إذ يقلّ اهتمامه بتحولات الهوية الريفية أو أثر التحديث على البنية الاجتماعية التقليدية في القرى الصينية. وكان يمكن للكتاب أن يكون أكثر ثراءً لو منح هذه الجوانب مساحة أوسع.
مع ذلك، يبقى الكتاب دراسة سوسيواقتصادية بالغة الأهمية، لأنه يكشف أن صعود الصين لم يكن نتاج الصناعة والتكنولوجيا وحدهما، بل ثمرة مشروع طويل بدأ من الأرض والقرية والحقل الزراعي. ومن هنا تنبع أهميته للقارئ العربي، خصوصًا في ظل الأزمات الغذائية العالمية وتراجع الاهتمام بالتنمية الزراعية في كثير من البلدان العربية.
يبقى أن كتاب "الريف الصيني بين الإصلاح والتطوير" يقدّم وصفاً أكاديمياً للسياسات الزراعية الناجحة التي اعتمدت في الصين إبان ثورتها الاقتصادية، ويطرح نموذجًا لدولة أدركت مبكرًا أن الأمن الغذائي ليس شأنًا اقتصاديًا فحسب، بل شرطاً من شروط الاستقلال والسيادة والاستقرار الاجتماعي.