التخفّي وراء اسم مستعار: ضرورات رقابية أم حرية تعبير؟
لماذا يلجأ الكتّاب إلى الأسماء المستعارة: خوفاً من الرقابة أم بحثاً عن حرية أوسع؟ وهل يكون الاسم المستعار هوية أدبية جديدة تتفوّق أحياناً على الاسم الحقيقي؟
يصعب إحصاء عدد الكتّاب الذين لجأوا للكتابة بأسماء مستعارة، والأسباب التي قادت هؤلاء للتخفّي وراء أقنعة تحمي نصوصهم من المواجهة المباشرة مع المتلقّي، وذلك طلباً للحماية أو الخشية من العقاب والقيود، خصوصاً إذا كان النصّ محمّلاً بالممنوعات الرقابية أو الاعترافات أو البوح.
في هذا المقام سيحضر أولاً "ك" (كاف) الاسم المستعار الذي وقّع به عبد الرحمن الكواكبي (1855- 1902) مقالاته في صحيفة "المؤيّد" المصرية، قبل نشرها في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد". الكتاب الذي كان صرخةً في واد، وبياناً ضدّ الاستبداد السياسي خلال الخلافة العثمانية، ما اضطرّه إلى الفرار من حلب إلى القاهرة خوفاً من بطش السلطات إلى أن انتهى مسموماً.
إيزيس كوبيا وأدونيس وآخرون
-
مي زيادة
على المقلب الآخر، لجأت مي زيادة في مطلع حياتها إلى توقيع ديوانها الأول "زهرات حلم" باسم "إيزيس كوبيا"، وقد كتبته باللغة الإنكليزية كنوع من الحذر الإضافي، لتنتهي هي الأخرى في مستشفى الأمراض العقلية في بيروت 1938 بمؤامرة عائلية، وسيستعيد الروائي واسيني الاعرج جانباً من سيرتها المعذّبة في روايته "ليالي إيزيس كوبيا".
كما سيسطع اسم الشاعر السوري "أدونيس" كدمغة ثقافية وقناع أسطوري أكثر منه تخلّياً عن اسمه الأصلي "علي أحمد سعيد أسبر"، كما سيعنون أحد دواوينه المبكرة باسم" أغاني مهيار الدمشقي" مستعيراً صورة الشاعر العباسي المتمرّد مهيار الديلمي، فيما اختار الشاعر اللبناني، أنسي الحاج، توقيع بعض نصوصه باسم "سراب العارف" مبرّراً اللجوء إلى هذا الاسم بقوله: "عندما يغدو الوجه سجناً يصبح القناع فوقه حرية"، ويضيف أنّ "الاسم المستعار يقول ما يشاء، كيف ما يشاء، من دون أن يخشى تعرّض اسمه الحقيقي للتجريح".
إنّ التواري وراء اسم مستعار في حالات أخرى يأتي استجابة لضرورات رقابية، ليست سياسية بالضرورة، إنما حفاظاً على أسرار عائلية تمنع صاحبها من إماطة اللثام عما يكمن وراء الستار.
وستتخلى الناقدة اللبنانية المعروفة، يمنى العيد، عن اسمها الحقيقي "حكمت صباغ" بقصد حجب الاسم والهوية. أما الفلسطيني، غسان كنفاني، فقد اختار اسم "فارس فارس" لتوقيع مقالاته النقدية الساخرة التي كان ينشرها في ملحق جريدة "الأنوار" اللبنانية بعد هزيمة حزيران/يونيو عام 1967، كاشفاً عن مثالب نصوص الآخرين من دون ألم.
في مقالاته هذه عمل صاحب "رجال في الشمس" على تعرية عشرات النصوص الهزيلة متمترساً وراء اسمه المستعار. إذ وجد أنّ هؤلاء أكثر أذى من الهزيمة ذاتها، وأنّ ما كتبوه أقرب ما يكون إلى مأتم أو مناحة و"طق حنك".
التخفّي لأسباب رقابية
-
فرناندو بيسوا
إنّ التواري وراء اسم مستعار في حالات أخرى يأتي استجابة لضرورات رقابية، ليست سياسية بالضرورة، إنما حفاظاً على أسرار عائلية تمنع صاحبها من إماطة اللثام عما يكمن وراء الستارة، كما فعلت الأديبة الفرنسية، فرانسواز ساغان، في روايتها "صباح الخير أيها الحزن". إذ اقتنصت كنيتها من اسم أحد شخوص رواية مارسيل بروست "البحث عن الزمن المفقود". الأمر الذي أتاح أمامها نبش أسرار شخصية بمكاشفات جريئة من العيار الثقيل.
ولكن مهلاً، ما الذي قاد الشاعر والكاتب البرتغالي، فرناندو بيسوا، إلى استعمال 72 اسماً مستعاراً؟ في الواقع يصعب استيعاب هذه الوليمة من الأسماء، نظراً لتعدد مشاربها وقدرة كل اسم على حدة التفرد في الأسلوب والمصير و"اللاطمأنينة".
يعترف بيسوا أنّ نصوصه الموقّعة باسم "برناندو سواريس" على نحوٍ خاص، هي الأقرب إلى شخصيته الحقيقية، "إنه أنا من دون عقلانيتي ومشاعري"، يقول.
لم يكن الاسم المستعار هروباً من الخطر فقط، بل كان ولادة لهوية أدبية جديدة. أدونيس، موليير، فولتير، ستندال، ولويس كارول أمثلة على أسماء غطّت على الأسماء الأصلية.
من جهتها، رغبت البريطانية، جي كي رولينغ، صاحبة السلسلة الروائية الشهيرة "هاري بوتر" أن تجرّب نمطاً آخر من الكتابة فابتكرت اسماّ ذكورياً هو روبرت جالبريث لتوقيع روايتها "نداء الكوكو" بنفس بوليسي يتتبّع جريمة مقتل عارضة أزياء.
تقول رولينغ بعد اكتشاف اسمها الحقيقي: "كان من الرائع أن تنشر كتاباً من دون ضجيج أو توقيع، فضلاً عن المتعة الخالصة في أن تتلقى ردود الفعل على العمل باسم مختلف".
وسيكتشف القارئ متأخراً أنّ من كتب رواية "أليس في بلاد العجائب" ليس هو لويس كارول، إنما عالم رياضيات يدعى تشارلز دود سين لظنّه أنّ كتابة رواية مغامرات من هذا الطراز لا تليق بمقامه الأكاديمي، وإذا بهذه الرواية تخلّد اسمه المستعار إلى اليوم، بعد ترجمتها لمعظم لغات العالم.
حفاظاً على الأعراف
-
فولتير
في تاريخ أقدم، اضطر بعض الكتّاب إلى التخلي عن الاسم الأصلي حفاظاً على الأعراف العائلية. إذ لم يكن لائقاً أن ينتسب أحدهم إلى عائلة برجوازية ويعمل في المسرح.
هذا ما حصل مع الفرنسي، جان باتيست بوكلين، المعروف اليوم باسم "موليير"، صاحب المسرحيات الكوميدية التي هاجمت رذائل المجتمع البرجوازي مثل "طرطوف"، و"البخيل"، و"مدرسة الزوجات"، فيما اضطر فرانسوا ماري أرويه إلى الهروب من الرقابة الصارمة للتوقيع باسم "فولتير"، وسيتخفى هنري بايل صاحب رواية "الأحمر والأسود" وراء اسم "ستندال" خشية غضب الكنيسة واتهامه بالهرطقة.
المفارقة في هذا السياق أنّ وليم شكسبير نفسه لم يسلم من الشكوك بمصداقيّة اسمه الأصلي، فها هي المؤرّخة إيرين كوسليت تصدر كتاباً بعنوان "شكسبير الحقيقي" تزعم في فصوله بأنّ المؤلف الحقيقي لمسرحياته امرأة سوداء البشرة بهويات ثقافية متعدّدة تدعى إميليا باسانو، وقد طُمس اسمها بفعل قرون من "الأيديولوجية الغربية والأوروبية المركزية".
في العصر الرقمي اجتاحت الأسماء المستعارة هذا الفضاء كقناع للحماية الشخصية من جهة، وحرية التعبير من جهةٍ ثانية، وتصفية حساب من جهةٍ ثالثة، وانتحال شخصية، من جهةٍ رابعة.
وقد استخدمت اسم "شكسبير" المستعار وكتبت مجموعة مسرحيات شكسبير المعروفة، قبل أن تُسرق أعمالها من قِبل دخيل غير متعلّم من ستراتفورد.
وتشير مؤلفة الكتاب إلى أنّ هذا الدخيل، الذي نعرفه اليوم باسم ويليام شكسبير (حظي بالتبجيل من قِبل الأجيال اللاحقة لأنّ فكرة العبقري "الأبيض" كانت مُفضّلة على فكرة كاتبة مسرحية سوداء).
لن ننسى بالطبع أنّ شاعراً مثل "أبو الطيب المتنبي"، تخلّى عن اسمه الأصلي أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي، وقد اكتسب لقب "المتنبي" لادعائه النبوة في بادية السماوة في بداياته، أو تشبيهاً له بـ "متنبئ الشعر" لتفوّقه.
كما أنّ الشاعر الجاهلي، ثابت بن جابر، المعروف باسم "تأبّط شراً" قد سمّي بهذا الاسم، بحسب ما يقول التبريزي "لأنه أخذ سيفاً وخرج، فسُئلت أمه: أين هو؟ فقالت: "لا أدري، تأبّط شراً وخرج"، وأنّ الشاعر عبد السلام بن رغبان عُرف باسمه المستعار "ديك الجن الحمصي".
مزايا ومثالب العصر الرقمي
-
عبد الرحمن الكواكبي
في العصر الرقمي اجتاحت الأسماء المستعارة هذا الفضاء كقناع للحماية الشخصية من جهة، وحرية التعبير من جهةٍ ثانية، وتصفية حساب من جهةٍ ثالثة، وانتحال شخصية، من جهةٍ رابعة، ما استنفر الجهات الأمنية للسلطة لمواجهة هذه الموجة الكاسحة من المعارضين والملاحقين أمنياً، من دون نتائج مرضية.
كما أتاح الفضاء الأزرق (فيسبوك) فسحة للبوح الوجداني بتناسل مئات الشعراء والشاعرات بقصائد ركيكة وأخطاء لغوية فادحة، فلكل فرد حائطه وسطل دهانه وفرشاته لكتابة ما يشاء، وسيجد حتماً من يثني على خزعبلاته بأيقونة "أعجبني".
آخر ما ابتكره بعض الكتّاب المعروفين، تسجيل حسابات وهمية بأسماء مستعارة، ومدح أعمالهم بما ليس فيها على أنها من كتابة قرّاء إبداعاتهم!
