المجال قبل السياسة: لماذا يستحيل تحييد جنوب لبنان؟

الصراع في جنوبي لبنان تحكمه قيمة المجال الجغرافي وقدرته على إنتاج قوة المقاومة، والمفاوضات والمشاريع الاقتصادية والأمنية الحالية قد تكون أدوات لإعادة تشكيل هذا المجال وتفكيك عناصر قوته.

  • المجال قبل السياسة: لماذا يستحيل تحييد جنوب لبنان؟
    المجال قبل السياسة: لماذا يستحيل تحييد جنوب لبنان؟

كلما اندلعت الحرب في جنوبي لبنان، انصرف المحللون إلى متابعة تصريحات السياسيين، ونتائج المفاوضات، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، وكأنّ السياسة هي التي تصنع الجغرافيا. لكنّ الحقيقة قد تكون معكوسة تماماً؛ فالجغرافيا هي التي تصنع السياسة، وتجبر الدول والقوى المتصارعة على إعادة إنتاج الصراع نفسه، وإن اختلفت أدواته وأطرافه.

إنّ كلّ محاولة لفهم جنوبي لبنان من خلال السياسة وحدها تنتهي إلى تفسير ناقص؛ لأنّ السياسة تتغيّر، بينما يبقى المجال أكثر عناصر الصراع ثباتاً. ومن ثبات المجال تتكرّر المصالح، وتتجدّد الصراعات، حتى لو تبدّلت الأنظمة وأُعيد تشكيل التحالفات.

ولذلك، فإنّ السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح هو: لماذا يعود جنوبي لبنان، جيلاً بعد جيل، إلى مركز الصراع في الشرق العربي، مهما تغيّرت موازين القوى؟

والمقصود بالمجال هنا ليس مجرّد رقعة جغرافية أو حدود مرسومة على الخرائط، بل الحيّز الجغرافي الذي تفرض خصائصه الطبيعية والاقتصادية والديموغرافية، وحتى الحضارية، على الفاعلين السياسيين حدوداً للحركة وفرصاً للتوسّع، بحيث يصبح السلوك السياسي، على المدى الطويل، انعكاساً للصراع على المجال أكثر من كونه نتاجاً لإرادة الحكومات وحدها.

فالدول قد تختلف في أدواتها، وقد تتغيّر قياداتها وتحالفاتها، لكنها نادراً ما تستطيع الإفلات من مقتضيات المجال الذي تتحرّك داخله. فالمجال لا يحدّد ما يجب أن تفعله الدول، لكنه يحدّد ما لا تستطيع تجاهله. أو، بمعنى أوضح، المجال لا يكتب القرار السياسي، لكنه يرسم حدوده.

وإذا كان المجال هو الذي يرسم حدود الحركة السياسية، فإنّ جنوبي لبنان يمثّل أحد أوضح النماذج على ذلك في المشرق العربي. فقيمته لا تنبع من كونه جزءاً من الأراضي اللبنانية فحسب، وإنما من موقعه عند نقطة التقاء عدة مجالات استراتيجية في آن واحد؛ فهو يشرف على الجليل الأعلى في فلسطين المحتلة، ويرتبط طبيعياً بالعمق السوري عبر البقاع، ويطلّ على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، كما يضمّ موارد مائية وممرات طبيعية منحت هذه المنطقة، عبر التاريخ، أهمية تتجاوز كثيراً مساحتها الجغرافية.

ولهذا، فإنّ الصراع على جنوبي لبنان هو نتيجة مباشرة لقيمة المجال نفسه، وهي قيمة تاريخية بقيت ثابتة، رغم تغيّر اللاعبين وتبدّل موازين القوى.

غير أنّ قيمة هذا المجال لا تتوقّف عند ما يتيحه من موقع جغرافي فقط، وإنما فيما يسمح بتراكمه من عناصر القوة. فالمجال الذي يوفّر عمقاً جغرافياً، وممرات اتصال، وموارد طبيعية، وكتلة سكانية متماسكة، لا يمنح أيّ فاعل سياسي ميزة مؤقتة، بل يتيح له بناء قوة تتزايد بمرور الزمن.

ومن هنا، يصبح الصراع الحقيقي ليس على الأرض في ذاتها، وإنما على ما تسمح هذه الأرض بتراكمه من قدرات عسكرية واقتصادية وديموغرافية وسياسية. ولهذا، فإنّ السيطرة على المجال لا تعني امتلاك رقعة جغرافية فحسب، بل تعني امتلاك القدرة على تحويل خصائصها إلى عناصر قوة مستدامة.

فكلما تمكّنت قوة سياسية أو عسكرية من العمل بحرية داخل مجال مترابط جغرافياً، ازدادت قدرتها على تحويل مزايا هذا المجال إلى عناصر قوة متراكمة. فالعمق الجغرافي يوفّر الحماية، وطرق الاتصال تسهّل الحركة والإمداد، والكتلة السكانية تؤمّن الحاضنة البشرية، بينما تمنح الموارد الطبيعية والاقتصادية القدرة على الاستمرار. وهكذا، لا يبقى المجال مجرّد مكان تُدار فيه المواجهات، بل يتحوّل إلى بيئة تنتج القوة وتضاعفها مع مرور الزمن.

إذا أُسقط قانون المجال والتراكم على الحالة اللبنانية، يصبح من السهل فهم السبب الذي يجعل المنطقة الممتدة من جنوبي لبنان حتى بعلبك والهرمل أكثر من مجرّد مناطق ذات أغلبية شيعية؛ فهي تمثّل مجالاً جغرافياً مترابطاً يسمح، متى توفّرت حرية الحركة داخله، بتراكم القدرات العسكرية واللوجستية والبشرية بصورة تجعل أيّ قوة تتمركز فيه أكثر قدرة على الصمود، وإعادة إنتاج قدراتها، وتوسيع نفوذها مع مرور الزمن.

فكلّ عنصر داخل هذا المجال يعزّز العنصر الآخر؛ فالحاضنة الاجتماعية تؤمّن الاستمرار، والعمق الجغرافي يوفّر الحماية، وشبكات الاتصال تؤمّن الحركة، بينما تسمح الموارد والقدرات المحلية بتحويل هذا الترابط إلى قوة تتراكم بمرور الوقت.

فالأطماع الصهيونية في جنوبي لبنان لا تستهدف فقط السيطرة على قطعة أرض حدودية، وإنما تستهدف منع هذا المجال من أداء وظيفته الطبيعية في دعم المقاومة عبر إنتاج القوة وتراكمها. وبمعنى أوضح، يمكن القول إنه ما دام الكيان الصهيوني موجوداً في فلسطين والجولان، فإنه سيسعى إلى محاولة احتلال جنوبي لبنان وضمّه إلى أراضيه. ومن هذا المنظور، يصبح من الصعب تفسير الاندفاع الحالي للحكومة اللبنانية نحو مسار التفاوض مع الكيان الصهيوني باعتباره مجرّد محاولة لتثبيت وقف إطلاق النار أو معالجة نزاع حدودي، من دون وضع سوء النيّات في الاعتبار.

فالموضوع يتجاوز بكثير ترسيم خطوط التماس أو تبادل الضمانات الأمنية، ليمسّ جوهر المجال الذي يقوم عليه توازن القوى في جنوبي لبنان. ذلك فإنّ أيّ ترتيبات سياسية أو أمنية تؤدّي إلى تقليص حرية الحركة داخل هذا المجال، أو تفكيك الترابط الجغرافي بين جنوبي لبنان وعمقه الطبيعي في البقاع، ستنعكس مباشرة على قدرة المقاومة على الحفاظ على تراكم عناصر قوتها وإعادة إنتاجها مع مرور الزمن.

علامَ تراهن السلطة اللبنانية؟

تدرك السلطة اللبنانية، كما يدرك جميع الأطراف، أنّ أيّ اتفاق سياسي لن يغيّر الحقائق التي فرضها المجال في جنوبي لبنان، ولن يؤدّي، بمجرّد توقيعه، إلى إنهاء معادلة المقاومة أو تغيير البيئة التي نشأت فيها. ولذلك، فإنّ الرهان لا يتعلّق بإبرام اتفاق في حدّ ذاته، وإنما بإحداث تغيّرات داخل المجال الجغرافي نفسه، من شأنها أن تحدّ من قدرته على إنتاج القوة وتراكمها.

لفهم ما يجري اليوم، قد يكون من المفيد العودة إلى واحدة من أكثر الروايات إثارة للاهتمام في تاريخ لبنان الحديث. ففي كتاب "عدوّ عدوّي"، تشير الكاتبة الصهيونية لورا زيتراين إيزنبيرغ إلى أنّ الرئيس اللبناني الأول بشارة الخوري كانت له لقاءات مع إلياهو ساسون، ممثّل الحركة الصهيونية، عام 1941[1].

ونقل ساسون عن بشارة الخوري قوله إنّ جبل عامل يمثّل حاجزاً يجب إزالته، وضرورة تفريغه من سكانه الشيعة، الذين وصفهم بـ"الخطر المستمر على بلدينا"، واقترح الخوري تفريغ المنطقة من الشيعة وتوطين الموارنة اللبنانيين المهاجرين في الأميركيتين فيها بدلاً منهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لم تتوقّف المحاولات عند هذا الحدّ، فبعد احتلال الجولان عام 1967، ظهر مشروع صهيوني لإعادة تشكيل المنطقة على أسس طائفية وعرقية، تضمن إنشاء كيان درزي يمتدّ من الجولان إلى أجزاء من جنوبي لبنان.

ويذكر الكاتب محمد خالد قطمة، في كتابه "قصة الدولتين المارونية والدرزية مع الوثائق والمستندات"، أنّ القيادي الدرزي كمال كنج، بعد اطلاعه على تفاصيل المشروع، نقلها إلى كمال جنبلاط، الذي بادر بدوره إلى إبلاغ الرئيس جمال عبد الناصر، كما أُبلغت دمشق بتفاصيل الخطة، قبل أن تتسرّب إلى وسائل الإعلام العربية، وهو ما أدى إلى إفشال المشروع قبل أن يرى النور.

واللافت أنّ تلك المرحلة نفسها شهدت طرح مشروع أميركي لإنشاء منطقة اقتصادية تمتد بين الجولان وجنوبي لبنان، عُرض على الرئيس اللبناني شارل حلو عام 1969، إلا أنه رفضه، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي كان يمرّ بها لبنان آنذاك بعد أزمة بنك إنترا.

وتكتسب هذه الواقعة أهميتها لأنها تكشف أنّ إعادة تشكيل المجال لم تكن تُطرح من منظور أمني أو عسكري فحسب، بل اقترنت أيضاً بمشاريع اقتصادية تستهدف إعادة تعريف الوظيفة الجيوسياسية للمنطقة. إنّ تفاصيل هذه الوقائع تكشف عن حقيقة جديرة بالتأمّل، وهي أنّ فكرة إعادة تشكيل جنوبي لبنان وربطه بمشاريع إقليمية تتجاوز حدوده ليست وليدة التطوّرات الراهنة.

فالتصوّر القائم على أنّ تغيير التوازنات في الجنوب يبدأ بتغيير المجال نفسه، سواء عبر إعادة رسم حدوده الوظيفية، أو تغيير تركيبته السكانية، أو دمجه في ترتيبات اقتصادية وأمنية جديدة، هو تصوّر تكرّر ظهوره في أكثر من محطة تاريخية، وإن اختلفت الأدوات والظروف المحيطة به.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة الطروحات الأميركية الأخيرة بشأن إنشاء منطقة اقتصادية في جنوبي لبنان بوصفها أكثر من مجرّد مشروع تنموي. فإذا قورنت هذه الطروحات بالمشاريع التي ظهرت في أواخر ستينيات القرن الماضي، فإنها تفتح الباب أمام فرضيّة مفادها أنّ إعادة تعريف الوظيفة الاقتصادية للجنوب قد تكون جزءاً من تصوّر أوسع لإعادة تشكيل المجال نفسه.

ومن هذا المنظور، لا تبدو العلاقة بين المسار السياسي، والترتيبات الأمنية، والمشروع الاقتصادي علاقة عارضة، بل حلقات في مقاربة واحدة تستهدف، في حال نجاحها، إحداث تحوّلات تدريجية في التوازنات الاجتماعية والديموغرافية التي قام عليها مجال الجنوب خلال العقود الماضية، بما ينعكس، في النهاية، على البيئة التي أتاحت للمقاومة تراكم عناصر قوتها.

وتزداد قوة هذه الفرضيّة عند النظر إلى مجموعة من المؤشرات بوصفها سياقاً واحداً، لا وقائع منفصلة. فالإصرار على منع سكان القرى الحدودية من العودة إلى مناطقهم، واستمرار السيطرة الصهيونية على الجولان، والاعتراف الأميركي بضمّ الجولان، وما ترتّب على ذلك من ترسيخ واقع جغرافي جديد، كلّها تطوّرات يصعب فصلها عن الطروحات الأميركية الخاصة بإعادة تعريف الدور الاقتصادي لجنوبي لبنان.

وقد لا ينهض أيّ عنصر من هذه العناصر، منفرداً، دليلاً قاطعاً على وجود مشروع متكامل، إلا أنّ اقترانها معاً يمنح فرضية إعادة تشكيل المجال الجغرافي والديموغرافي وزناً تحليلياً أكبر، خاصة إذا قُرئت في ضوء السوابق التاريخية التي شهدها الإقليم خلال العقود الماضية.

إذا وُضعت المفاوضات الجارية بين السلطة اللبنانية والكيان الصهيوني في هذا السياق، فإنها تبدو أبعد من مجرّد مساعٍ لتثبيت وقف إطلاق النار. فجوهر هذه المفاوضات يتعلّق بمستقبل المجال الذي أنتج معادلة الردع في جنوبي لبنان طوال العقود الماضية. ومن هنا، فإنّ أيّ ترتيبات تُطرح تحت عناوين الأمن أو التنمية أو إعادة الإعمار لا يمكن فصلها عن السؤال الأكبر: هل تؤدّي هذه الترتيبات إلى الحفاظ على المجال بوصفه بيئة قادرة على إنتاج القوة، أم أنها تستهدف تفكيك العناصر التي جعلت هذا المجال قادراً على تراكمها؟

وكإجابة عن السؤال، فمن الواضح أنّ السلطة اللبنانية لا تراهن على نجاح اتفاق سياسي في حدّ ذاته، وإنما يقوم الرهان الحقيقي على تغيّر البيئة الإقليمية المحيطة بمجال الجنوب اللبناني. فإذا نجحت الضغوط الأميركية في تقليص الدور الإيراني، واستقرّ الوضع السوري بصورة تمنع إعادة فتح خطوط الإسناد، وأُدمج جنوبي لبنان في ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة برعاية أميركية وغربية، فإنّ المجال نفسه سيفقد تدريجياً قدرته على إنتاج القوة وتراكمها.

وعندئذ، قد يصبح نزع سلاح المقاومة أو تحجيم دورها نتيجة سياسية لتحوّل جغرافي واستراتيجي أوسع، لا مجرّد تنفيذ لبنود اتفاق. وبهذا المعنى، لا تكون المفاوضات غاية في ذاتها، بل إحدى أدوات مشروع أشمل يهدف إلى إعادة تشكيل المجال الذي قامت عليه معادلة المقاومة منذ عقود.

ولا يقتصر هذا الرهان على الساحة اللبنانية وحدها، بل يرتبط بإعادة ترتيب المجال الإقليمي المحيط بها. فتركيا تسعى إلى تثبيت نفوذها في سوريا، بما يحدّ من قدرة محور المقاومة على استعادة خطوط الاتصال التقليدية، بينما تتجه الحكومة العراقية إلى تكريس مبدأ حصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل المسلحة، في مسار يدّعي مؤيّدوه أنه يعزّز سلطة الدولة، ويراه منتقدوه تضييقاً على أحد أهم روافد محور المقاومة.

وإذا اقترنت هذه التحوّلات بالضغوط الأميركية والخليجية، فإنها تبدو كأنها حلقات في محاولة أوسع لإعادة تشكيل المجال الإقليمي الذي يتحرّك داخله محور المقاومة. غير أنّ نجاح هذا الرهان يبقى مرهوناً بمدى قدرة القوى الإقليمية والدولية على تغيير الحقائق التي فرضتها الجغرافيا والتاريخ، وهو أمر لا يبدو قابلاً للتنفيذ، بالنظر إلى اتساع ساحات الصراع وتشابكها، من جنوبي لبنان إلى سوريا والعراق والبحر الأحمر والخليج.

إنّ جوهر الأزمة اللبنانية الحالية لا يكمن في غياب الاتفاقات المزعومة مع الكيان الصهيوني، بل في استحالة تغيير المجال الذي أنتج المقاومة وجعلها رأس الزاوية في معادلة الصراع. وتشير تطوّراته حتى الآن إلى أنّ رهان السلطة اللبنانية على إعادة تشكيل هذا المجال الجنوبي يصطدم بصمود محور المقاومة واستمرار قدرته على تعطيل التحوّلات التي يُراد فرضها. فالواقع الجديد في الشرق العربي لن ترسمه طاولات التفاوض، وإنما سترسمه موازين القوة التي تفرضها الجغرافيا والصراع على المجال.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.