البحث العلمي والنضال الوطني
نحن قادرون على الإبداع، لكن اليد العليا هي من تكبح جماح هذه الأمة، لأن نهوض الأجيال الجديدة سيعطي مساحات كبيرة من الحرية ومنها إلى النهضة، وهو ما يرفضه الاستعمار.
-
طالب فلسطيني يناقش رسالة الماجستير داخل خيمة في غزة خلال حرب الإبادة الإسرائيلية
في بلد لا ينتمي لي، لغة أو ثقافة أو معتقداً دينياً، جاء العيد. ولم يكن بإمكاني ترك الاجتماع في الجامعة التي أعمل بها في ذلك اليوم المقدس، حيث إن هناك لقاء هام مع إحدى المجلات العلمية التي تهتم بنشر البحث العلمي، فكانت تلك المحاضرات عيدي الذي أنهل منه جديد المعرفة.
خلال الجلسات المطولة، كان يراودني مجموعة طويلة من الأسئلة، تكاد لا تنتهي، أهمها: أين نحن من البحث العلمي؟ وهل حقاً ما يتم انتاجه في الجامعات العربية يمكن أن يكون بحثاً حقيقياً؟ فإذا كان بالفعل حقيقياً فأين النتائج على الأرض؟ ولماذا نتراجع إلى الخلف، رغم وجود عدد هائل من حملة الشهادات العلمية؟ وهنا توقفت عند السؤال الأهم: هل يمكن للبحث أن يكون أداة من أدوات النضال الوطني أو على النقيض خنجراً مسموماً في عصب الأمة؟
ذات مرة دخلت على أحد الزملاء، ممن كانوا يعملون بمناصب كبيرة داخل الوزارات المحلية، واكتشفت أنه قام بتكليف 3 من موظفيه؛ لتعبئة الاستبانات لأجل بحثه العلمي في جامعة عربية تتعاطف مع سكان قطاع غزة، فضحكت: هل هكذا يتم إنتاج البحث العلمي؟ وما الحكمة من كتابة بحث لا يكتبه صاحبه؟ ألهذه الدرجة بات اللقب اللعين أهم من المعرفة؟
أتذكر زميلاً لي، حصل على درجة الماجستير من جامعة محلية، ثم قام بالتسجيل للدكتوراة لاحقاً، ثم أثناء حديثنا، عاتبني على عدم الاجتهاد بالحصول على درجة الدكتوراه، سيما وأنني حاصل على درجة الماجستير قبله بأكثر من عقد من الزمن، قائلاً: كلها كم كلمة "مِن هان وهان" وبتاخذ اللقب.. لأعود وأسأل: ما هي أهمية "اللقب" عند العربي؟ حزباً أو جماعة أو تنظيماً سياسياً أو حتى حكومة ونظام سياسي؟ لماذا يجب أن تكون "دكتوراً" كي تكون مسؤولاً في أجهزة الدولة؟
للأسف، بتنا نفتقد للثقة في البحث العربي، لأنه في مجمله بات يفتقد للمصداقية؟ نستغل سلطتنا لأجل تحقيق هدف وهمي؟ "الانتفاخ في الألقاب وتزويقها، بدءاً من "فخامة الرئيس ودولة رئيس الوزراء ومعالي الوزير وصولاً إلى سعادة النائب وعطوفة وكيل الوزارة وسيادة المدير العام.. إلخ".. أين البحث العربي في ظل عوز وحاجة كثير من الطلبة الذين يعملون على كتابة أبحاث غيرهم من خلال المكاتب الربحية أو الجهات التي تقدم هذه الخدمات؟
ما هو موقف الأكاديمي الذي يسرق جهد الطالب، مساوماً إياه بوضع اسمه على البحث كي يتم نشره في مجلة جامعية؟ أو لأجل المشاركة في مؤتمر فاشل يشبهنا؟ ولقد وصلنا اليوم إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي الذي قد يسهل إنتاج أي ورقة علمية لأدعياء المعرفة أو المهرولون نحو الألقاب، لعلهم يحصلون على ترقيات ومناصب فارغة تشبه شكل الدولة العربية اليوم.
ثم لعل الأكثر إدهاشاً في سياق البحث العربي، أن كثير من الطلبة كانوا يبحثون أحياناً عن جملة هنا أو هناك بلغة أجنبية حتى لو لم تكن صلة بالموضوع مثل إكسسوار تجميلي يتم إظهاره بالمراجع على أنه مأخوذ من كتاب أو مجلة أو منصة أجنبية، من دون أن يفكر أحد منهم في قراءة الكتب والأبحاث التي تتعلق في مجال البحث، وفي هذا السياق، أود الإشارة إلى أنني قرأت في إحدى المرات أن آخر الإحصائيات تقول إن متوسط ما يقرأه المواطن العربي هو "نصف صفحة" في السنة، هل لك أن تتخيل ذلك أيها القارئ العزيز، أي أنك هنا استثناء لأنك تقرأ هذا المقال الآن، ثم بعد ذلك نقول: لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟ ومن السبب؟ وكيف نتدارك الموقف والمصيبة؟
في المقابل، أعرف أصدقاء لا يتوقفون عن إنتاج المعرفة، ويجيدون فن القراءة، ويبدعون في كل المجالات، كجزر مضيئة من الوعي والمعرفة والأفكار الإبداعية الخلاقة، لكنهم للأسف مغمورون، قِلة لا يسمع بهم أحد، بل ربما يتم وصمهم بأنهم "مُعقدين"، لأنهم لا يحبون التبجيل ولا يرغبون بالصعود إلى سلم السلطة، بل يباشرون بحثهم في القضايا التي تشغلهم في صمت. يجلسون في زوايا الغرف التي يعملون فيها، كي لا يعكروا صفو المسؤول الذي يهابهم، ثم فجأة يغادرون "البلاد" لأجل مواصلة التعليم والتطور والارتقاء، بينما يظل الفشلة جاثمين على صدورنا، أصحاب الألقاب الوهمية التي حصلوا عليها من جامعات تصنيفها صفري أمام الجامعات العالمية الأخرى.. ثم ينزعج أحدهم إن خاطبته بأستاذ ولم تقل له يا دكتور على سبيل المثال.
ولأننا في بلادنا لا نبحث عن النتائج أو القيمة التي سنحظى بها عند الانتهاء من البحث العلمي، ومدى نجاعتها في تغيير السلوك أو السياسة العامة أو فهم الواقع أو حتى خلق نظرية علمية أو فكرية أو سياسية جديدة، فإننا نسابق الزمن في كتابة/ استكتاب أبحاثنا، نهرول نحو حرف الدال "دكتور"، في حين أن المواطن الغربي أو حتى العربي الذي يدرس في الجامعات الغربية، يمكث سنوات طويلة لأجل كتابة بحث لا تزيد عدد صفحاته عن 40 صفحة مثلاً، فالعبرة في النتائج كما يقولون، وحتى حين يحصل على اللقب، لا أحد يناديه به أو يهتم لأمره، بل لأمر النتائج والنتائج فقط.
أمام هذا كله، وكي لا تظل السوداوية هي المسيطر أمام رسالتنا في هذه المنصة، فإن هناك شموع مضيئة في البحث العربي، موجودة في كل ردهة، تناضل وطنياً بالدفاع عن حياض الأمة، من خلال صناعة أدبيات في الدبلوماسية والفكر والمقاومة، يمكن مشاهدتها بشكل عملي من خلال ما تم إنتاجه عسكرياً في ظل حصار مطبق، وعدم توفر الإمكانات وإغلاق الحدود والمعابر، لذلك ربما من الواجب، بل والضرورة أيضاً، أن يتم فتح المجال للطلبة في الابتكار وصناعة النهضة، من خلال دعم الأبحاث العلمية، ومراكز البحث، وتزويدها بكل الإمكانات اللازمة للنهوض بالأجيال القادمة، بدلاً من دعم المؤسسات الأمنية والعسكرية في الحكومات العربية أضعاف ما تحصل عليه وزارات التعليم والثقافة والصحة.
نحن قادرون على الإبداع، لكن اليد العليا هي من تكبح جماح هذه الأمة، لأن نهوض الأجيال الجديدة سيعطي مساحات كبيرة من الحرية ومنها إلى النهضة، وهو ما يرفضه الاستعمار الذي دمر العراق حين تقدم في البحث على بريطانيا، وهو من يسعى لتدمير المنطقة العربية والجمهورية الإيرانية وربما لاحقاً باكستان وتركيا، لأن العلم طريق الانتصار.