أبناء الحياة نؤرِّخ أعمارنا بالحروب!
نحن لا نؤرّخ بالسنوات، بل بالرصاص الذي مرَّ ولم يقتل، بالصواريخ التي سقطت ولم تُسقطنا، بالحصار الذي طال ولم ينل من صبرنا. كل حرب علمتنا أننا أقوى من الموت، وأن التراب إذا أحبَّ أحداً لا يتركه أبداً.
نحن الذين ولدنا في هذه البقعة من الكوكب لا نعدُّ أعمارنا بالشموع التي تُطفأ في أعياد الميلاد، بل بالحمم التي تنهمر. لا نسأل: "كم ربيعاً مرَّ عليك؟"، بل نسأل: "كم حرباً شهدت ونجوت؟". فلكل منا تقويمٌ خاص، أيامه مشوبة بالدخان، وشهوره أسماء حروب.
طفولتنا لم تكن أغاني المهد. صفَّارات الإنذار كانت هي التي تهدهدنا. لم نتعلم المشي على أرض ثابتة. دبَبنا على ركامٍ يتحرك تحت أقدامنا. كنا نظن أن السماء تمطر ناراً كما يمطر السحاب ماءً، وأن الليل لا يحمل نجوماً بل مقاتلات، تقول لنا إن السماء قد تسقط على الجميع، وأن فلسطين ليست قضية نقرأ عنها، بل جرح نسكنه.
كبرنا ونحن لا نصدق أن الغد سيأتي حتى نرى الصبح بأعيننا. وفي الانتظار، صرنا نتقن شيئاً لا تتقنه الأمم: ننتظر انتهاء القصف لنخرج، ننتظر عودة الأسرى، ننتظر نهاية الحصار، ننتظر أن ينبت التبغ من جديد ويثمر الزيتون. في انتظارنا صلاة، وفي صبرنا ثورة. لأن من لا يتقن الانتظار في هذه البلاد، لا يعرف كيف يحيا.
***
في خضم هذا كله، كانت الحروب الأهلية والفتن أشدَّ علينا مضاضةً من نار العدو الإسرائيلي. حين التقت الرصاصة التي لا نعرف من أطلقها بصدر الجار الذي نعرف اسمه ونحفظ تقاسيم وجهه. حين كفَّت البندقية عن حماية الحدود، وصارت ترسم حدوداً جديدة بين البيوت. حين صرنا نبحث عن وجه الوطن في نثار المرايا المحطمة، وبيروت تئن تحت خطوط التماس التي كانت أشد فتكاً من خطوط النار مع العدو.
تلك السنوات علَّمتنا أن الوطن لا يموت فقط حين يُغتصب من الخارج، بل أيضاً حين يتشظى من الداخل، وأن الجرح الأعمق هو ذاك الذي نتجنب الإشارة إلى من أحدثه. كنا ندفن شهداءنا مرتين: مرة تحت الرصاص، ومرة تحت رماد الفتنة التي تنتظر دائماً من يوقظها.
***
في الجنوب الجرح لا يلتئم من كثرة ما يُفتح، والبرتقال ينزف قبل أن يُقطف، والزيتون يحترق واقفاً، والبحر يحمل إلى شاطئه ألعاب أطفالٍ فلسطينيين سبقوا أعمارهم وسبقهم الرصاص.
هناك كانت بيوت من حجارة وطين تصمد أمام مصفحات من حديد ونار. كل قرية فيه هي قصة تبدأ بـ"كان يا ما كان"، ولا تكاد تصل إلى النهاية حتى تعود لتبدأ مجدداً من تحت الركام. لأن هذا الجنوب لا يعرف النهايات؛ يولد كل صباح، يمسح الغبار عن وجهه، ويزرع في جراحه شتلات تبغ وغرسات ورد.
في الخيام، في المنصوري، في عيتا الشعب... نساء يلدن وسط النيران ويسمين المواليد أسماء الشهداء. رجال يعانقون الشمس، وأطفال تعلموا أن الصاروخ يمر كما يمر السحاب، وأن الموت لا يخيف من كانت حياته بهذا الثمن.
***
في العام 1948 أصيبت أرض كنعان بسرطان الاحتلال الخبيث، وبدأت أوجاع التراب، وفي العام 1967 سقطت السماء مجدداً على فلسطين، فارتدَّ صدى السقوط إلينا ليؤكد أن الجرح واحد.
وفي العام 1972 تيقّنا أن الجنوب ليس هامشاً، بل هو نبض الجرح ذاته، ثم في العام 1978 كان الاجتياح الإسرائيلي يمحو البيوت، وكتبنا أسماءنا على الحجارة كي لا نضيع.
وفي العام 1982 كانت بيروت تحترق والجنوب ينزف، لكن اليد التي أمسكت البندقية كانت هي نفسها التي تعيد إعمار البيت.
ثم في العام 1996 حيث حرب أخرى، و"عناقيد الغضب" الإسرائيلية تلهب ما تبقى من وريد أخضر، وصولاً إلى
العام 2006 حيث الدمار الشامل، وعهد جديد من الصمود، جعل العالم يرى أن الجنوب اللبناني لا يُهزم.
بين هذه الحروب، حرب لا تنتهي، تمتد من الناقورة إلى مرجعيون وشبعا، ومن بنت جبيل إلى صور وصيدا. حرب اسمها "الوجود". يريدوننا ألا نكون، ونحن نصر على أن نكون، ليس فقط أحياء، بل متمسكين بالتراب، متشبثين بالحجر، عاشقين للشجر.
كبرنا ونحن نهتف لبلاد الشام كلها، ولبلاد "العرب أوطاني"، ونعرف أن العدو لا يعترف بحدودنا. حين يضرب في غزة كأنها ضاحية من ضواحي بيروت، ويحتل الجولان كأنه حارة من حارات دمشق. حين يسقط شهيد في غزة، تبكي أمه في عمّان، وتُهَلهل امرأة في بيروت، ويزغرد فلسطيني في دمشق. أما مصر فكانت لنا "أم الدنيا" وتوأم بلاد الشام التي فصلها الاحتلال عنها بريّاً، لكن صلة الدم لم تنقطع يوماً. أمة واحدة، تتوزعها الجغرافيا، لكن الدم يجمعها تحت الجلد، في العروق والأوردة.
***
نحن شعب التراب. هذا التراب ليس كأي تراب: إذا مسحته بيدك شعرت وكأن أكف أجدادك تلامس كفيك. إذا حفرته وجدت رميم شهداء من مئات السنين، كأنهم يقولون: "لم نرحل، نحن هنا، في تربتكم، في نبضكم". التراب في بلاد الشام ليس مادة جيولوجية؛ هو ديوان الشعر الأول، هو كتاب التاريخ، هو سرادق العائلة الكبيرة. إذا قبضت عليه وجدت نبضاً. إذا نثرته على جرحك التأم. التراب هنا يعرفنا بأسمائنا وينادينا في المنام.
حين يرتقي شهيد، لا نقول "دفنّاه"، بل نقول "أعدناه إلى بيته الأبدي". التراب يستقبله كما تستقبل الأم طفلها، يحتضنه، ثم يعيده إلينا أغنية تتردد في الليل، أو طفلاً يحمل اسمه ويمشي على خطاه.
الاحتلال يمر، والدبابات تصدأ، والطائرات تتحول إلى خردة. أما التراب فيبقى، ينتظرنا كل صباح، يفتح ذراعيه لمن يحرثه ويزرعه، ويمسح دموع من يبكيه، ويحتضن من يحرسه.
***
في الجنوب يتفتح الياسمين على الجدران المثقوبة بالرصاص. في فلسطين ينبت الصبار من قلب جدار الفصل العنصري. في سوريا تزهر المدائن رغم الجراح. في الأردن يخضر الوادي رغم الجفاف. هذا التراب لا يموت، ولا يترك أبناءه.
أتذكر أمي وهي تقول: "رائحة الخبز أيام الحرب غير. كأننا نأكل العمر قبل أوانه". وكانت تلف الأرغفة بقطعة قماش بيضاء كأنها تكفنها. وكنا نأكل تحت دوي القصف وكأننا في عشاء أخير. لكننا ننهض كل صباح، نفتح النوافذ على الركام، ونزرع. دائماً نزرع. لأن الزراعة تحدٍ للموت، وإصرار على أننا باقون.
***
نحن جيل الحروب، لم نعش حياة عادية. لم نخطط لحفلات زفاف قبل أن نتأكد من انتهاء القصف. لم نقل لأطفالنا "غداً نذهب إلى البحر"، لأننا لا نعرف من يعود من البحر. لكننا عشنا حياة بمعنى الكلمة؛ حياة لا تُقاس بالسنوات بل بالصمود. حياة تُروى كما تُروى الملاحم: دم، وعرق، وحب، ثم قيامة.
فلسطين ليست فقط قضية، هي جرحنا الدائم. بيروت ليست عاصمة، هي نجمتنا الدائمة. جنوب لبنان ليس جغرافيا، هو القلب النابض أبداً. سوريا ليست مجرد دولة، هي روح المشرق. الأردن ليس حدوداً، هو البطين الآخر للقلب. وبلاد الشام كلها ليست خرائط، هي جسد واحد يئن حين يُجرح أي جزء منه، ويفرح حين ينتصر أي شبر منه. هكذا حلمنا، وهكذا آمنا.
***
نحن لا نؤرّخ بالسنوات، بل بالرصاص الذي مرَّ ولم يقتل، بالصواريخ التي سقطت ولم تُسقطنا، بالحصار الذي طال ولم ينل من صبرنا. كل حرب علمتنا أننا أقوى من الموت، وأن التراب إذا أحبَّ أحداً لا يتركه أبداً.
وهكذا نمضي، جيلاً بعد جيل، نكتب تاريخنا على شواهد القبور التي صارت مزارات، وعلى أنقاض البيوت التي صارت أيقونات، وعلى وجوه الأطفال الذين صاروا مقاومين. نمضي، والتراب في أيادينا، والشمس في عيوننا، وغدنا الذي لا يموت في قلوبنا، لأننا أبناء الحياة.
