آمال خليل.. كنت هناك وصوّرت شهادتي

ما يسميه "الواقعيون" في هذه الحالة وهماً، هو في الواقع حقيقة أصحّ من كل حقائقهم؛ لأن الحياة ليست شيئاً آخر غير شعور الإنسان بالحياة!

  • مراسلة جريدة
    مراسلة جريدة "الأخبار" اللبنانية، الزميلة الشهيدة آمال خليل

ثمّة من يصبحون باستشهادهم أكثر قوّة وعناداً. مقولة تصحّ حتماً في حالة الصحافية الشهيدة، آمال خليل، التي اختارت أن تخرج من صورة اللامعنى إلى صورة المعنى في سجلّات الحياة، وهي تدرك أن حروب "إسرائيل" لا تقف عند حدود الخرائط فقط، بل تنفذ أيضاً إلى حياة من يراقبونها من بعيد، وتدخل يومياتهم من شقّ خفيّ، وقد أعادت الحروب العدوانية على لبنان، في معناها الأبعد، صياغة العلاقة بين الإنسان والأرض. 

لكن هذه العدوانية جعلت الحياة أقل أماناً... وأقل قدرة على احتواء الروح في هدوء، في ظل وجود الخنزير البري الذي لا يقتات إلّا على الخراب، وهو يعيث فساداً بالأرض ومن عليها.

بدأ استشهاد آمال خليل بخبر، ثم بصورة، ثم سجّل مناخاً داخليّاً يلازم مكنونات الروح كلها. ولكن كيف يتسع الشعور بأن كل ما حولنا يفقد شيئاً من صلاحيته القديمة للإقامة النفسية، وكأن الأرض نفسها تنكمش عن المعنى الذي كانت تمنحه للقلب في غفلة من الخوف؟

***

لا شك في أن الفلسفة تنظر إلى فكرة الاستشهاد من زوايا متعددة، حيث يعتبر بعض الفلاسفة أن الاستشهاد يمثّل تضحية نبيلة تمثل قيم البطولة من أجل قضية أكبر، مثل الحرية أو العدالة أو مواجهة عدو احتلالي خارجي، وقد تجلّى مفهوم الاستشهاد في عمقه التاريخي واللغوي لدى الشهيدة آمال خليل، بوصفه حضوراً فعّالاً لحقيقة، في الصوت والصورة، لا مجرد رؤية صامتة وبلا معنى. 

ولم يكن القاتل هنا من يواجه مقاومة مسلحة، بل من يسعى إلى كسر الصورة وإسكات الرواية التي تفضح جرمه.

في الفلسفة، يُنظر إلى الشهيد بوصفه كائناً حقوقيّاً يعرّي نظام الهيمنة والتفاهة والقوة. هو من يخترق البنية الإنسانية المغلقة بالصوت والصورة والجسد. فحين تستشهد آمال خليل لأنها رفضت الصمت، فإن ما استُهدف فيها هو قدرتها على الشهادة من أجل تحرير أرضها، ومن أجل كسر النظام الرمزي الذي فرضه القامع المحتل.

في ظل منظومة الهيمنة الاستكبارية التي تمثّلها الصهيونية العالمية بفروعها المتعددة، وتسعى من خلالها إلى فرض سردية روايتها بوصفها الواقع، فإن كل من يمتلك رواية مضادة يصبح خطراً بنيويّاً يجب تصفيته. 

ذلك أن الصحافية في "الأخبار" آمال خليل لم تحمل وتهدّد بالسلاح الحربي، بل بقدرتها على أن تقول: هذا غير صحيح. لقد كنتُ هناك. ورأيتُ، وصورتُ، وأعرف. وسأبقى أتذكر وإن استشهدتُ وسُجّل اسمي في سجلّات الحياة. ومن هنا يصبح قتل آمال مقدمة مزعومة لإعادة إنتاج وفرض سردية العدو.

لم يكن الهدف من قتل آمال التخلّص فقط من الأفراد وهم يواجهون الوحش، بل أيضاً تفكيك التاريخ، وتدمير الجغرافيا من خلال قطع التسلسل بين الأجيال، وفرض سردية العدو باعتبارها الحقيقة الوحيدة!

في أعقاب اغتيال الأديب الفلسطيني، غسان كنفاني، قالت رئيسة وزراء الكيان الصهيوني، غولدا مائير، معلّقة على عملية اغتياله: "اليوم تخلّصنا من لواء فكري مسلّح. فغسان بقلمه كان يشكّل خطراً على إسرائيل أكثر مما يشكّله ألف فدائي مسلّح". 

وهي تقصد أن قتل الشاهد ليس ردّ فعل على خطر وجودي فعلي، بل إجراء وقائيّاً ضد احتمال الوعي.

أن تستشهد آمال خليل في أرضها التي لطالما عشقتها، يعني أنها لم تُقتل لأنها سلاح، بل لأنها كانت تحمل روايتها... يعني أنها رأت ما لا يريده المحتل أن يقال، وأنها سمعت ورفضت أن يلفّها الصمت.

***

تحضر الفلسفة في تناول الحروب، من خلال فرعي السياسة والأخلاق، حضوراً كثيفاً. فإذا كانت فلسفة السياسة تطرح تحليل الوضع وفهم الأسباب التي تؤدي إلى الحروب، فإن فلسفة الأخلاق تطرح مسألة أخلاقيات الحروب ومشروعية قيامها. فحين كتب ماركوس توليوس شيشرون (Marcus Tullius Cicero) عمله الأشهر De Officiis (عن الواجبات)، لم يكن يضع نظرية أخلاقية مجردة، بل كان يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من جمهورية تتداعى. 

لم يكن السؤال عنده: "ما هي حقوق الإنسان؟" إنما "ما الذي يجب على الإنسان، وخاصة رجل الدولة، أن يفعله؟". هذا التحول في مركز الثقل، من الحق إلى الواجب، ليس مجرد اختلاف لغوي، لكنه اختلاف في تصوّر العالم الأخلاقي نفسه.

في النهاية، قد لا يكون السؤال: أيهما أهمّ، الحقّ أم الواجب؟ بل: أيهما يجب أن يأتي أولاً؟ شيشرون يجيب بوضوح: الواجب هو الأساس، والحقّ يتبعه. وربما تكمن قوة هذا الطرح في بساطته الصارمة: إذا قام كل فرد بما عليه، لن يضطر أحد إلى المطالبة بما له.

إننا نربح أضعاف عمرنا الفردي في هذه الحالة، نربحها حقيقة لا وهماً، فتصوُّر الحياة على هذا النحو يضاعف شعورنا بأيامنا وساعاتنا ولحظاتنا؛ فليست الحياة بِعَدِّ السنين، ولكنها بعدادِ المشاعر، وما يسميه "الواقعيون" في هذه الحالة وهماً، هو في الواقع حقيقة أصحّ من كل حقائقهم؛ لأن الحياة ليست شيئاً آخر غير شعور الإنسان بالحياة!

عندما سمعتُ خبر استشهاد آمال خليل، تخيلتُ صورتها مكوّمة على الأرض كالجنين في أحشاء أمّه، مبتسمة وهي تتمتم:

لا يبدأ الاستشهاد من الشجاعة، على الرغم من أنه لا يكون إلا بها. ولا ينتهي فقط إلى البطولة، على الرغم من أنه لا يكون إلا بممارستها. بين الشجاعة والبطولة قرابة الوعي. بين الشجاعة والوعي قرابة الثقافة. بين الثقافة والوعي قرابة العقيدة.

 

اخترنا لك