آلان دونو: نقد الميديوقراطية الأخلاقية
الكتاب الجديد لآلان دونو حول الأخلاقية الميديوقراطية، هو امتداد لكتابه الأول"المديوقراطية" الناقد لبنى الرأسمالية المتوحشة، وفلسفتها التداولية، القائمة على الأخلاق النفعية، في ظل غياب العقل النقدي، وتسليع الحياة، وموجات" الموضة".
-
آلان دونو: نقد الميديوقراطية الأخلاقية
ظهر مصطلح "المديوقراطية" Mediocracy لأول مرة في القاموس السياسي عام 1825، ويعني نظام الطبقة المبتذلة. تُرجم كتاب آلان دونو إلى العربية تحت عنوان "نظام التفاهة" (ترجمة الدكتورة مشاعل عبد العزيز الهاجري - الكويت، منشورات دار "سؤال"، في بيروت).
والأجدى، برأينا، أن تبقى كلمة المديوقراطية كما هي، للتعبير عن مُراد أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة كيبيك في كندا آلان دونو. لأن كل ترجمة، أحياناً، خيانة للأصل.
وتدور فكرة الكتاب الأول، الصادر عام 1917 حول النظام القيمي الرديء، في عصر الحداثة ومابعدها.
إنها الشعبوية، والديماغوجية، والابتذال، في الفكر والسياسة والاجتماع والأخلاق في معية واحدة، بحيث تصبح قيم الحرية والديمقراطية بلا قيمة، تذكّر، بما قاله مونتسكيو عن صون الحرية من الابتذال، بوضع غطاء عليها يسترها، مثلما تُستر تماثيل الآلهة. (نظام التفاهة، المرجع نفسه، ص14).
إقرأ ايضاً: كيف نقاوم نظام التفاهة؟
أما في الكتاب الجديد "الأخلاق في عصر التفاهة" ترجمة د.باسل الزين ود.المهدي مستقيم، منشورات "سؤال"، فيأخذنا آلان دونو في نقده، في ما يتعدى الخير والشر (نيتشه) وفلسفة السوق، في مايتعلق بالرأسمالية والاشتراكية، الديمقراطية والنظام الجمهوري، والليبرالية والنيو - ليبرالية، على حد سواء، إلى مراجعة مفاهيمية تكشف عن البعد التداولي، المثلي أو التماثلي، الذي يجعل من الأخلاق التداولية، موضوعاً من موضوعات التقنية، في مجالات حيوية تقوم على رسملة الصحة، وتسويق الجسد، ومقاولة الحياة، بذريعة تحسين النسل، ومحاربة الشيخوخة، بحيث صار بإمكان علم الجينوم التدخل في بيولوجية الإنسان لأغراض تسويقية. الأمر الذي يجعل المرء يتطلب البحث عن المسؤولية في حرية الاختيار.
الكتاب الجديد لآلان دونو حول الأخلاقية الميديوقراطية، هو امتداد لكتابه الأول"المديوقراطية" الناقد لبنى الرأسمالية المتوحشة، وفلسفتها التداولية، القائمة على الأخلاق النفعية، في ظل غياب العقل النقدي، وتسليع الحياة، وموجات" الموضة" السطحية، والتربية الوظيفية، القائمة على منطق السوق والسلعة والإنجاز، والرداءة في الذوق العام، والانحطاط في القيم، والاصطناعية في الإدارة، والمحاسبة، والمجانية في الفن والأدب،والتلوث البيئي، والفساد، وسيطرة منطق الربح والإثراء على الإنتاج والتنميةالاقتصادية والاجتماعية، وصولاً إلى السياسة القائمة على منطق القوة والهيمنة والسيطرة على البشر والبشرية.
ولعلّ ما نشهده من سياسات أميركية تقوم على منطق القوة والسطوة أمثلة على هذه المديوقراطية المبتذلة..
إن اقتران اسم ترامب والترامبية بالمديوقراطية (فلسفة التفاهة والابتذال) ليس مصادفة أو ابتذالاً، أو إسقاطاً على النص، إذ يلاحظ دونو أن إرادة القوة التي بنى عليها نيتشه فلسفته القيمية قد استحالت إلى إبطال قوة الإرادة في المجتمعات الحديثة. فالفلسفة البراغماتية (التداولية) جعلت من حرية الاختيار - كما يلاحظ الكاتب - فلسفة تكبّل الاختيار الإرادي ذاته، تقوم على التلاعب بالمصائر البشرية (الجينية، والاجتماعية والإعلامية والسياسية).
فالأخلاق الخلاصية عند الأديان، والتي تصورها أرسطو تقوم على "التدبير" في كتابه "الأخلاق إلى نيقوماخوس"، وعلى "الواجب" عند كانط في "نقد العقل العملي" ليست تداولية براغماتية، ولا استنسابية، ولا ديونيسية سادية (نسبة إلى المركيز دو ساد) أي لا تقوم على اللذة والمنفعة، وإنما على الاستقامة والمسؤولية، ناهيك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والحال هذه، يلاحظ دونو أن الحداثيين وسّعوا حدود فلسفة الاختيار إلى حدّ إلغاء المحرّمات والمقدسات، الدينية والدنيوية على حد سواء.
ويلاحظ هانس جوناس في كتابه"مبدأ المسؤولية" أن التكنولوجيا الحديثة أدخلت أفعالاً ذات تراتب قيمي جديد، مع تبعات مستجدة غير قابلة للقياس، بحيث صار الإنسان جزءًا من موضوعات التقنية، حسب مقتضيات البيولوجيا الخلوية، التي تعمل على إطالة متوسط العمر؛ والعلوم الطبية التي تتدخل في الدماغ بقصد التأثير على السلوك البشري، بحيث تصبح الذات معزولة عن المجتمع والبيئة والتاريخ (ص245).
ورأت سيلين لافونتين، عالمة الاجتماع، في مؤلفها "الجسد - السوق" أن تجارة إطالة العمر حوّلت الجسد إلى سلعة تجارية، مع ما ينطوي عليه هذا الأمر من دوار وجودي (ص246)..
وطرحت مسألة التلاعب بالجينات حدوداً غير مشروعة، كالتأثير على قدرة العسكريين في مجالات حربية محددة، أو التدخل الجراحي في الدماغ لإنتاج علماء بارزين..
علاوة على التدخل في المجال الحيوي الذري، اللامتناهي في الصغر، التي لا تحوّل علاقتنا بالطبيعة فحسب، بل تحوّل ماهية الطبيعة نفسها (ص،248).
ألم نسمع، ولماذا التعجب أن أحدهم يقول إن الفلسفة أصبحت فلسفة سوق، لا فلسفة هوية وماهية؟!
على الصعيد الإعلامي والمديولوجي، يمكن القول - حسب آلان دونو - إن اغتراب العقول، بات مسألة عادية، من جراء التلاعب بالوعي واللاوعي الفردي والجمعي، لأتباع شبكة الإنترنت (فايسبوك، وغوغل، وتويتر) وحتى شركة "أناليتيكا" التي اعتمدها ترامب في حملته الانتخابية، وذلك للتأثير الرقمي والميديائي على العقول؟! (ص،249).
وتقوم الشركات المالية الرقمية حالياً، في لبنان بتوظيف السياسيين والإعلاميين والرياضيين المشهورين، للتلاعب بمفهوم الغنى والفقر، عبر الادعاء بإمكانية التلاعب بخوارزميات البورصة للإثراء اللاقياسي..
إقرأ ايضاً: حول ثقافة التفاهة وسيطرة غير الأكفاء
إن اقتران اسم ترامب، وكلينتون وإيهود باراك بالمديوقراطية (فلسفة الابتذال والتفاهة الإبستينية) ليس مصادفة، لأن إرادة القوة، التي بنى عليها نيتشه فلسفته استحالت إلى إبطال قوة الإرادة في المجتمعات الحديثة، التي جعلت من حرية الاختيار فلسفة تُكبّل الاختيار الإرادي ذاته، من خلال التلاعب بالمصائر.
وأصبحت التكنولوجيا فعّالة إلى حدّ الإطاحة بالأخلاق والقيم والحقوق، بإطاحتها بمبدأ المسؤولية التي تقوم عليه هذه القيم.
إن الإنسان ذاته بات موضوعاً من موضوعات التقنية، وصار الجسد قيمة سوقية. وقيّدت الميدياء الوعي واللاوعي. وحتى انتشار الأوبئة والحروب على النطاق الإنساني أصبح إمكانية من الإمكانيات المتاحة؟!
وباتت الأوليغارشية المالية تستفيد من العولمة لكي تمارس تأثيرها على أكبر عدد ممكن من البشر، وفقاً لإرادات القوى التي تتحكم بها، والتي تدير الذوات، والبيئة والمجال الحيوي، وذلك باسم الحرية والديمقراطية؟!
إن السياسة، شأنها شأن السلوكية، لم تعد ثمرة لحرية الاختيار القصدي (أحب - لا أحب، أريد - لا أريد) وإنما خاضعة لقوى أمرية تُخضع الطبيعة ذاتها للاختيار البراغماتي، الأمر الذي يجعل من ممثل عادي، كرونالد ريغان، وطالب متحذلق، مثل كلينتون، كما وصفه أستاذه هشام شرابي، ومقامر، كدونالد ترامب، رؤساء لدولة عظمى تقوم إيديولوجيتها وسياساتها على مقالات نهاية التاريخ، وأمركة العالم، وصدام الحضارات ومنطق السوق والاستهلاك والسيطرة والهيمنة على العالم والعالمين..