"قوس قزح فوق غزة" كتاب محتشد بالضوء والعزة

هذه المجموعة تصور حياة الفلسطينيين الغزيين، وهم يتشبّثون بأرضهم وقناعاتهم وأحلامهم بأن لا خروج، ولا هجرة، ولا تشريد من غزة إلى محيطها، وأنّ الخروج من مكان إلى اَخر هو صمود متحرّك، متنقّل من أجل كسب المزيد من الأوكسجين الوطني.

  • قوس قزح فوق غزة  كتاب محتشد بالضوء والعزة
    قوس قزح فوق غزة كتاب محتشد بالضوء والعزة

أشعر، مثل غيري من المتابعين للمشهد الثقافي، أنّ فنّ القصة القصيرة لا يموت ولا يغيب، فهو، في السنوات الأخيرة يحظى بحضور إبداعي فاعل وجميل في الكثير من الساحات الثقافية العربية، ويدلّ على ذلك كثرة الحنين والشغف في دواخل الأجيال الأدبية القديمة التي عرفت الشهرة الأدبية من خلال كتابتها للقصة القصيرة.

  في المشهد الثقافي الحالي، تطلّ القصة بكلّ ما لها من أوهاج وطموح لتكتب عن الواقع في البلاد العربية، فهي الفنّ الإبداعي الأقرب للحديث عن الناس، ولا سيما حال الطبقة الوسطى التي نجت من لوثة الغرق في مشكلات الطبقات الفقيرة، بالعلم والثقافة في آن، مثلما نجت من هوس أحلام الطبقة الغنية التي رأت أنّ الحياة في كليتها، هي متع، ولهو، وحفلات، وأفراح أياً كانت الظروف، وأياً كانت أشكال التهديد والمخاطر، فالغنيمة بالنسبة إليها هي التفكير بسعادة النفس، والخلاص الفردي وحسب.

  أقول هذا، لأنّ بين يدي مجموعة قصصية مهمّة، تشير قصصها الناجحة إلى أكثر من أمر جوهري، يخصّ المجتمع وأحلام الناس، وما يواجههما من مخاطر، عنوان المجموعة "قوس قزح فوق غزة" وهي للكاتب القصصي المعروف الدكتور أحمد زياد محبك، وهو أديب سوري له عشرات المؤلفات الأكاديمية في الشؤون الأدبية، نقداً، ودراسة وبحثاً، وله أيضاً عشرات الكتب في الإبداع القصصي التي زاوجت ما بين الالتفات إلى التراث العربي الأصيل، موضوعات وتقنيات، والانتباه الحريص للحاضر الذي نعيشه بحلوه ومرّه وما بعده للمستقبل.

  هذه المجموعة الصادرة عن دار "الآن ناشرون وموزّعون" في مدينة عمّان الأردنية، تشير إلى أنّ فنّ القصة القصيرة ما زال حاضراً وقادراً على التعبير، واستبطان الواقع، وما تقوله الحوادث، والحادثات، والتأريخ لها، وإنه الفنّ الأدبي الأكثر حرارة وسرعة في الحضور والتلبية لقول ما تعيشه الذات المألومة التي اقتحمتها نيران الحرب، ولفّتها لعنات الظلموت بشراسته ودمويّته الوحشية كما يحدث في قطاع غزة، وما تعانيه، هذه الذات، من خذلان عمّ المحيط من حولها، الأمكنة والأزمنة والبشر، إلّا من استمسك بعروة المقاومة، وآمن بها نهجاً وسبيلاً وغاية. فالكاتب سوري، والقصص جميعها فلسطينية، ودار النشر التي أصدرتها أردنية، وهذا يؤكد أنّ الشعور الوطني والقومي في وحدة وتلازم حين تدلهم الغيوم السود، وتشيع روائح البارود.

  القصص متنوّعة في موضوعاتها وأمكنتها، وأوقاتها الزمنية، مثلما هي متنوّعة في تفكيكها، وكشفها عن ما يعيشه الفرد الفلسطيني في وسط جهنمي من القتل والخراب والتدمير والتهجير والمطاردة من جهة، وما يعيشه المقاتل الفلسطيني في الأنفاق، والخنادق، وبين البيوت والأحياء التي دمّرتها الطائرات والمدافع والدبابات وأصابع الديناميت الإسرائيلية، وما يقوم به من أفعال مقاومة باهرة تجاه آلة الحرب الإسرائيلية، التي حيّدت الأخلاق، والقوانين، وطبائع الحروب وأعرافها جانباً، فما كان ما صدر عنها صوتاً، وسلوكاً، و ممارسات سوى القتل والخراب والتدمير وإشاعة ثقافة الإخافة من أجل التطهير العرقي بحقّ الفلسطينيين، وتشريدهم، وإبادتهم تحت ركام البيوت، أو داخل المخيمات التي بنيت على عجل، أو قتلهم في الطرق وهم يبحثون عن مكان آمن بعيد عن قنابل الإسرائيليين وصواريخهم، ورقابة طائراتهم المحوّمة والراصدة لكلّ حركة في قطاع غزة ليل نهار، ومكان بعيد عن نيران السفن الحربية، والطوربيدات الإسرائيلية التي تحاصر أهل غزة من جهة البحر، فلا قوارب أو سفن مساعدات تقترب من شواطئ غزة، ولا قوارب صيد تتجاسر على الدخول إلى البحر أيضاً.

  مكان القصص وأزمنتها غزية بادية، وأبطالها غزيون بادون أيضاً في ترسيمات الحال والصورة المتشظيّتين جحيماً في غزة، فالقصص تتمحور وتنمو مع نمو فعل المقاومة عبر مشاهده المذهلة في الشجاعة، والإرادة، والتعبير الجسور عن التضحية والفداء وعشق الوطن والذود عنه بالمتاح، والإصرار على المقاومة، وهي حياة تعلو بها السلالم التي بناها المقاتلون الفلسطينيون مثل زاقورات تصعد بهم نحو الفضاء، من إنفاق بعيدة الغور، من أجل مواجهات الإسرائيليين، وهم في دباباتهم التي تجتاح البيوت، والأحياء، والدروب هدماً، وتدميراً، ثمّ مواجهتهم أيضاً، وهم يمدّون أسلاك الديناميت لتفجير كلّ الأمكنة التي استطاعوا الوصول إليها "البيوت، والمدارس، والمشافي، ودور العبادة، ومراكز توزيع المساعدات، والتكايا حيث توزّع وجبات الطعام، والساحات التي غدت مقابر جماعية". 

  قصص انصرفت، وباهتمام مدهش، إلى تصوير حياة الفلسطينيين الغزيين، وهم يتشبّثون بأرضهم وقناعاتهم وأحلامهم بأن لا خروج، ولا هجرة، ولا تشريد من غزة إلى محيطها، وأنّ الخروج من مكان في الشمال، بيت لاهيا، إلى مكان في الوسط (مخيمات المغازي والنصيرات والبريج) إلى مكان في الجنوب (رفح، وبني سهيلا، والمواصي) هو صمود متحرّك، متنقّل من أجل كسب المزيد من الأوكسجين الوطني، ومن أجل المزيد من عافية الشعور بالعزة الوطنية، فكلّ امرأة، وفي غياب أولادها واستشهاد زوجها، تقول: أرضي، أرضي! وهي تدقّ أوتاد الخيمة، مع أنها تعرف أنها ستقتلعها الرياح الهوج، أو تجتاحها نيران القنابل والصواريخ الإسرائيلية، أو أنها ستتهاوى حين تغمرها أمطار الشتاء، وكلّ طفل وطفلة، يبحثان عن الحطب، ونباتات الشوك، من أجل التدفئة، أو خبز أرغفة العجين، يعرفان أنهما مرصودان من طائرات (الكواد كابتر) التي تزنّ فوقهما فحيحاً مثل فحيح الأفاعي، ومع ذلك فهما يخرجان، ويبحثان ويعودان بالحطب غير مرّة، فتفرح الأمهات، ويفرح الإخوة لأنّ الحطب يعني النجاة من حرب الجوع، وأنّ الحطب يعني أنّ ناراً ستوقد، وأنّ أرغفة العجين ستصير خبزاً.

  قصص توقّف عربات الجرّ التي تقودها البهائم، ويسوقها أطفال صغار نهراً لها، وطلباً منها لمضاعفة السرعة باتجاه المشافي، لأنها امتلأت بجثث الشهداء، وأجساد الجرحى، وقد عمّها الأنين والشكوى، والدم الذي أغرق كلّ ما فيها، عندئذ يعلو بكاء الأطفال الذين يسوقون عربات الجرّ والبهائم، صحيح أنهم نجحوا في الوصول إلى بوابات المشافي، لكنّ الغمّة كانت بانتظارهم لأنّ صواريخ الطائرات الحربية والمسيّرة لاقتهم عند تلك البوابات فاصطادتهم، فبات الجميع.. الشهداء، والجرحى، والعربات، والأطفال كتلة من وقيدة نار أحاطت بهم.

  وقصص تكمن مع مقاتلين فلسطينيين كمنوا الليالي بين ركام البيوت من أجل أن يفجّروا دبابة أو جرّافة أو يصطادوا مجموعة من الجنود الإسرائيليين الذين خرجوا من دباباتهم من أجل تفجير الأبنية، وقصص أخرى تماشي سيارات الشحن الناقلة للمساعدات الإنسانية التي جاءت إلى القطاع، لترسم لنا مشاهد تدميرها وحرقها بالقنابل والصواريخ الإسرائيلية في وسط الطرق والدروب التي سلكتها، وقصص تمشي في عنابر المشافي لترصد كيف يبتر الأطباء الأقدام والأذرع من دون أدوية مخدّرة، ومن دون تعقيمات، وكيف تفتح الجروح بسكاكين المطابخ، وكيف تلفّ الجروح بمزق من ستائر الشبابيك، وكيف تقف الممرضات عاجزات عن تلبية أم تطلب حبّة دواء، أو تحميلة، كي تنخفض حرارة طفلها، وكيف تلد الأمهات الحوامل في الممرات، أو أمام بوابة المشفى. 

قصص تصرخ وتبكي مثلما يبكي من بترت أقدامهم من دون (بنج)، وتصرخ وتبكي مثل الأمهات العاجزات عن فعل أيّ شيء، وقصص تجالس حفّاري القبور الذين نشطوا في حفر القبور الجديدة لأنهم يعرفون أنّ الكثير من الشهداء قادمون إليهم، قصص تجالسهم لتروي هول ما يعانونه، فأيديهم كلّت، وأجسادهم تعبت وانهارت من كثرة الحفر ليل نهار، وعيونهم تبكي الشهداء الذين هم بلا أكفان، والذين هم أشلاء، والذين هم بلا أقدام بلا أذرع بلا عيون، وبعض الشهداء لم يرافقهم أحد من أهلهم. قصص تروي أنّ أجرة هؤلاء الحفّارين لا تتعدّى رغيف خبز، أو قولة ربي يعطيكم العافية، ومع ذلك هم يسكنون المقابر انتظاراً للشهداء، ويعيشون فيها لأنهم تحوّلوا إلى مقاومين مهمّتهم الأولى هي إكرام الشهداء.

  وقصص "قوس قزح فوق غزة" للكاتب الدكتور أحمد زياد محبك تكاد تكون قصص بيوت غزة التي خرّت سقوفها فوق حيطانها، وقولات أهلها تردّد؛ نعم لم تغادر البيوت، لم تنهزم، ونحن لم نغادرها إلا التفاتاً يبعدنا عن الموت، ها هي أمامنا، تخيّم على لعب الأطفال، وفرشهم وثيابهم، وكتبهم، ونرى  كتاباتهم الخجولة على الحيطان: هذا بيت محمد شاهين الشهيد، وأنا أحب أمي الشهيدة، ننتظرك يا سعيد، فتعالَ على عجل، وحج مبرور، وسعي مشكور، وهذا من فضل ربي، وها هي دوالي البيوت ما زالت، رغم انحنائها، عفيّة بخضرتها، تهزّ أوراقها في هواء مسّه الحزن، فارتجف بها، وها هي الحبال ما زالت ممدودة، من شباك إلى شباك، ومن زاوية إلى أخرى، ها هي البيوت/ الركام تحتضن أبوابها ونوافذها. يا لها من وفية رضية، وها هي كتب الأطفال المدرسية، يهزّ الهواء صفحاتها فتنفتح تلقائياً على نشيد محفوظ: بلادي، بلادي، وعلى خريطة طويلة ناحلة ترهج بها المدن والقرى والأنهار والحقول وتومض مثل النجوم، خريطة صورتها كيّ الصدور. 

  بلى، قصص "قوس قزح فوق غزة" القاصّ أحمد زياد محبك كتابة منقولة بالحرف والرسم وعلامات الترقيم عن الكتاب الغزي الذي شارك في تأليفه وتظهيره وتحرير سطوره أهل غزة، وبيوتها، وشهداؤها، وجرحاها، ومشافيها، ومدارسها التي صارت أعشاش أمان، ومعابدها، والأطفال الذين نضجوا سريعاً فصاروا رجالاً يحملون الشهداء إلى المقابر، والجرحى إلى المشافي، ويحملون الحطب، و(بيدونات) الماء أيضاً، ولديهم متسع من الوقت، ليهتفوا، وهم يمرّون بين البيوت التي دمّرها الصلف الإسرائيلي الأعمى: عائدون، عائدون.

اخترنا لك