"قطر الندى" لرائدة طه: الذاكرة العائلية أرض الرواية
لا يمكن قراءة "قطر الندى" بمعزل عن أعمال رائدة طه السابقة. في "ألاقي زيك فين يا علي"، بحثت عن الأب الشهيد. في "٣٦ شارع عباس - حيفا"، أعادت بناء بيت العائلة في حيفا. كلّ هذه الأعمال تشكّل خيطاً واحداً: أن يكتب الفلسطيني تاريخه بنفسه.
-
من عرض "قطر الندى" لرائدة طه في بيروت
أغنية العرس وسردية الوطن
يختار العمل عنوانه من أغنية شعبية تُردَّد في حفلات الزفاف: "لحنة يا قطر الندى". هذا الاختيار ليس زخرفياً. العنوان يضعنا مباشرةً داخل فضاء الفرح الفلسطيني، لا داخل فضاء الاحتلال. وكأن رائدة طه تقول لنا منذ اللحظة الأولى قبل أن تُكتب فلسطين بالدم، كُتبت بالأغنية وبالحنّاء وبضحكات النساء في الأعراس.
هذا الانزياح عن الصورة النمطية للقضية الفلسطينية، من الحرب إلى العرس، هو أول فعل مقاومة ثقافية في العمل. لأنّ المحتل لا يريد لك أن تبتسم، ولا أن تغني، ولا أن تحتفل. فحين تنطلق الحكاية من الحناء والزفاف، فإنها تنطلق من الحياة نفسها، لا من ردّ الفعل على الموت.
هكذا احتضن "مسرح المدينة" في بيروت هذا العرض في 20 تموز/يوليو الماضي، في ليلة أولى، ثم في 10 أيلول/سبتمبر في ليلة ثانية، أمام صالة ممتلئة وتصفيق حار في الختام في المرتين.
هذا المكان ليس مجرّد خشبة عابرة في مسيرة رائدة طه، بل هو بيت فني احتضن أعمالها السابقة، فبات شريكاً في ذاكرتها المسرحية، وجزءاً من جغرافيتها الفنية البيروتية. ويُحسب لعوض عوض، مسؤول الدراماتورجيا في العمل، أنه صاحب اقتراح هذا العنوان تحديداً، وهو الذي سبق أن تعاونت معه رائدة طه في عدة أعمال. هذا التفصيل الصغير يختصر معنى الشراكة الفنية العميقة بين الكاتبة والممثلة والدراماتورج، حيث يصبح العنوان نفسه لحظة تفكير جماعي في معنى الفرح كسلاح.
وإذا كان الأداء الفردي يحمل العرض وحده، فإنّ رزان الحي على الكمان تمنح مشاهد الغناء حيوية مضاعفة، ويضيف بعداً حسياً يواكب الأحداث، ويحوّل الذاكرة إلى نغمة مسموعة. في مشهد العرس، يتحوّل الكمان إلى طبلة وحنّاء وأصوات نساء، وفي مشاهد الفقد يصبح نَوحاً بلا كلمات. هذا الحضور الموسيقي الحي يمنح العرض دفئه، ويجعله أقرب إلى سهرة عائلية منها إلى عرض مسرحي مغلق.
نساء يتناسلن الحكاية
تنهض المسرحية على أكتاف 3 شخصيات نسائية: الأم فتحية، والعمة سهيلة، والابنة رائدة التي تروي. هذه ليست مجرّد بنية عائلية، بل بنية سردية. العمة سهيلة، التي عاشت 95 عاماً ونذرت أن تنام من دون غطاء حتى تحرير جثمان شقيقها الشهيد علي طه من ثلاجة الاحتلال، تتحوّل في العمل إلى ما يشبه "أنتيغون" فلسطينية. ليست الأنثى التي تنتظر، بل التي تُقيم في الفقد وتقاومه بالرفض اليومي، بالجسد الذي لا يلين.
أما فتحية، الأم، فتمارس مقاومة من نوع آخر،تفرض على بناتها التحدّث باللهجة الفلسطينية داخل البيت البيروتي. هذا ليس تفصيلاً لغوياً، بل فعل تربية على الهوية. اللغة هنا ليست وسيلة تواصل، بل أرض. من يفقد لهجته، يفقد مكانه في الخريطة.
ما يميّز "قطر الندى" أنها لا تتعامل مع القضية الفلسطينية كموضوع سياسي مباشر، بل كتجربة إنسانية يومية. رائدة طه لا تقول لنا "فلسطين محتلة" في خطاب مباشر، بل تريينا كيف كان الناس يصنعون الفرح في الخليل تحت الاحتلال، وكيف كان العرس يتواصل حتى في لحظة اعتقال أحد أفراد العائلة.
هذا النوع من السرد هو ما يجعل المسرح لا يصرخ، بل يجعل الصرخة تخرج من رحم التفصيل الصغير. المسرح الذي يجعل من عرسٍ في القدس، واعتقالٍ في اللحظة نفسها، مشهداً واحداً متناقضاً وجارحاً.
وإذا كان مشهد العرس في "قطر الندى" يحيلنا بوضوح إلى فيلم ميشيل خليفي "عرس الجليل"، فإنّ ذلك ليس تشابهاً عابراً، بل وعيٌ بمرجعية بصرية وثقافية كبرى في تخييل الفرح الفلسطيني. كلا العملين يصرّان على أنّ العرس الفلسطيني، بضجيجه ورقصه وحنائه، هو لحظة مواجهة مع الاحتلال لا لحظة هروب منه.
بين الحكواتي والمونودراما
في تقنية المونودراما، تحمل رائدة طه وحدها ذاكرة 3 شخصيات أو أكثر. تتنقل بين الأصوات، بين الأم والعمة والابنة، فتصبح الخشبة فضاءً لتحوّل الجسد من فرد إلى أرشيف. لكنها لا تفعل ذلك ليُقال عنها "ممثلة عظيمة". يبدو أنها لا تريد أن تكون البطلة، بقدر ما تسعى إلى تجسيد لحظات ومواقف نعيشها نحن. هذا التواضع الواعي يمنح الأداء صدقاً نادراً. المونودراما هنا ليست استعراضاً لتقنية الممثل، بل شهادة شفوية. جسد واحد يحمل حكاية شعب كامل، كما تحمل الجدة سهيلة، وحدها، ذاكرة شقيقها الشهيد.
غير أنّ المتفرّج يخرج من العرض بإحساس أنه كان أقرب إلى مسرح الحكواتي منه إلى المونودراما الصارمة، أو لنقل إنه يقف في منطقة بينهما، مزيجاً من الاثنين. صحيح أنّ رائدة طه تؤدّي 3 شخصيات، لكنها تخرج منها مراراً لتؤدّي دور الراوية، وتخاطب المتفرّجين مباشرةً في بعض اللحظات، فتكسر الجدار الرابع بوعي وثقة.
هذا الخروج ليس عيباً في الأداء، بل هو ما يمنح العرض طابعه الحميمي والقبلي، وكأننا في سهرة حكواتي أكثر منا في عرض مسرحي مغلق. لكنه في المقابل يطرح سؤالاً هل هذا المزيج مقصود ومُحكم، أم أنه نتيجة طبيعية لطبيعة النص نفسه؟
من موقع المحبة والتقدير لهذا المشروع، يمكن الإشارة بلطف إلى أنّ النص كان يحتاج خيطاً رابطاً أوضح بين مشاهده المختلفة، خصوصاً للمتفرّج الذي لم يشاهد أعمال رائدة طه السابقة ولم يعرف تفاصيل سيرتها العائلية. بعض اللوحات تقف قائمة بذاتها، جميلة في تفصيلها، لكنها لا تتصل بما قبلها وبما بعدها بخيط درامي واضح. كما أنّ بعض المشاهد تطول قليلاً بلا مبرّر، فتفقد شيئاً من شدّها الداخلي، والأداء الصوتي كان يمكن أن يكون، في مطارح كثيرة، أخفض قليلاً.
لكن ما ينقذ هذه اللحظات كلّها هو حيوية رائدة طه الاستثنائية. طاقتها العالية لا تسمح للجمهور أن يشرد، وخفة دمها وسرعة بديهتها تصنعان لحظات لا يمكن كتابتها في أيّ نصّ. حتى في تعاملها مع متفرّج يلهو بهاتفه، تحوّل الموقف إلى مشهد كوميدي قصير، بلا استعلاء ولا توتر، فتكسب الجمهور مرة أخرى. هذه القدرة على احتواء الخشبة واحتواء القاعة معاً هي ما يجعل "قطر الندى" تجربة حية، لا عرضاً مغلقاً.
من "ألاقي زيك فين" إلى "قطر الندى"
-
رائدة طه في "ألاقي زيك فين"
لا يمكن قراءة "قطر الندى" بمعزل عن أعمال رائدة طه السابقة. في "ألاقي زيك فين يا علي"، بحثت عن الأب الشهيد. في "٣٦ شارع عباس - حيفا"، أعادت بناء بيت العائلة في حيفا. في "شجرة التين"، حفرت في الذكريات والأماكن.
كلّ هذه الأعمال تشكّل خيطاً واحداً: أن يكتب الفلسطيني تاريخه بنفسه. تسأل رائدة في "قطر الندى": "من يكتب تاريخ فلسطين؟". الجواب الذي تقدّمه ليس فكرياً، بل عملياً: أنا أكتبه الآن، بصوتي، بلهجة أمي، بحكايات عمتي، بأغنيات الأعراس التي لا يعرفها المحتل.
هذا هو المعنى الأعمق لـ"قطر الندى". ليست مسرحية عن النكبة، ولا عن الاحتلال، ولا حتى عن المقاومة بالمعنى العسكري. إنها مسرحية عن الحياة نفسها، عن قدرة شعب على أن يحتفل ويحب ويضحك ويغني، حتى وهو محاط بالأشواك. وحين ينجح الفلسطيني في ذلك، فهذا انتصار لا يعرفه الرصاص.
إنّ إصرار رائدة طه على مواصلة هذا المشروع الفني والثقافي، على خشبات لبنان والعالم، هو في ذاته فعل رفض للهزيمة من الداخل. فقد يهدم المحتل البيوت، لكنه لا يستطيع أن يهدم أغنية عرس، ولا لهجة أم، ولا دمعاً على شهيد. وهذا ما تقوله "قطر الندى" بصوت واحد، لكنه صوت نساء كثيرات، وأمة بكاملها.

