"فوق رأسي سحابة": مقارنة بين المجتمعين المصري والياباني
الفضاء الجديد في اليابان لا يقدم للبطلة خلاصاً، ولا لصديقتها، إنما يفتح جراحاً جديدة، لتنقلب الذات على نفسها وتتحول من مصر التي قُهرت براءة الطفلة فيها، إلى مدينة كوما موتو بجبالها المغطاة بالثلوج وناطحات السحاب التي تصير مسرحاً لعزلة جديدة.
"فوق رأسي سحابة": تفكيك الميثولوجيا وإعادة إنتاج العنف
تعيد الرواية، بوصفها فناً أدبياً، إحياء الأسطورة وتصوغها في قالب جديد. ذلك أن للفن السردي قدرة على استعادة البعد الرمزي للميثولوجيا وأبعادها الكونية، إضافة إلى إمكانية إيجاد مسوغاتٍ تخدم السرد الذي يتشكل ضمن الواقع ويتأثر بقضايا العالم المعاصر، ويبحث عن أسئلته بلغة مغايرة وأدواتٍ حديثة. وضمن هذا السياق تتصدى رواية "فوق رأسي سحابة" (دار العين 2025) للكاتبة والطبيبة المصرية دعاء إبراهيم لمسألة شائكة؛ وهي قضية تتداخل بشكلٍ مدهشٍ ما بين الميثولوجيا التوراتية والواقع المصري. إذ ترسم الكاتبة لوحة سوداوية لامرأةٍ حولتها الحياة من ضحية إلى جلاد، وهي بطلةٌ تكابد العالم، حاملةً فوق رأسها سحابة الشعور بالذنب، كما لو أنها الإنسان الأول صاحب الخطيئة الكبرى. ومن زنزانة يابانية ضيقة تمضي الحكاية، التي يوقدها غراب السرد، في رحلةٍ تنتقل من شوارع الإسكندرية وصولاً إلى جبال كوما موتو اليابانية.
بدءاً من العنوان، بوصفه عتبة العمل السردي، نقع على عالم تكثفه الدلالات، فالسحابة هنا تحمل ثنائية دلالية عميقة، فهي إما أن تكون اختزالاً للخصب والنماء والوفرة، أو أنها، مثلما يحملها سياق النص، رمزٌ للعبء والضبابية. ربما لكونها تظهر كسحابة قوامها الغمّ والقلق، كما لو أنها تهديدٌ يلازم البطلة "نهى" في أثناء مكابدتها عالماً ينتظر في كل ثانية أن يحدث فيه حدث جلل: "ليتني كنت مكانك، وأرتدي حذاءك... لكنني وللأسف ولدتُ وفوق رأسي سحابة" هنا يتحول الرمز إلى معنى يحمل دلالات التشرد والضياع، وهو ما يناقض طبيعة الخصب الذي يحمله الغمام. إلا أننا مع التقدم في النص، نكتشف أنها ليست حالة فردية، ذلك أن "نهى" وفي أثناء عيشها في اليابان تكتشف أن صديقتها "تومودا سان" تحمل ذات العبء، وبالتالي تضعنا الكاتبة أمام حالة عامة تعكس ثقل الآلام التي تتجاوز قدرة المرء على الاحتمال.
تخفي البطلة في داخلها قاتلاً متسلسلاً وكأنها تحمل إثم قابيل، الذي يبدو مرآة تعكس حقيقة الصدمات النفسية التي عاشتها. فالعنف الذي فتحت عينيها عليه، يتمثل في كونها طفلة تعرضت للاعتداء بمعرفة والدتها. ولكونها ابنة لأمّ تعمل في البغاء، كان لا بد لمثل هذه الشؤون أن تمر مرور العابرين على الجميع باستثناء الطفلة القابعة في داخلها. هي إذاً مواجهة أزلية بين البراءة والتوحش، ذلك أن القتل سرعان ما يتحول لدى البطلة إلى وسيلة دفاعية، فكما كان قابيل سبّاقاً إلى القتل، فإن "نهى" تحمل في داخلها قاتلاً من نوع شبيه باجتراح الخطيئة الأولى. إلا أن الفارق يكمن في أن جريمة قابيل كانت واحدة، فيما تستمر البطلة في القتل على مدار النص. وهذا التوازي يجعل من الرواية بحثاً يتأمل في طبيعة العنف والكيفية التي ينشأ عليها. وهو ما تنجح فيه الكاتبة عندما تفكك أسطورة الخطيئة الأولى، وتقدمها بصورة إشكالية تثير التساؤل حيال ماهية الشرير الوحيد، وما إذا كان المقتول- والمقصود هنا هابيل- أيضاً طرفاً في لعبة الجريمة القديمة؟ هذا الرهان في الرواية يتعلق بفكرة توظيف الميثولوجيا في صميم الواقع. وبالتحديد، بناء صورة مختلفة للقاتل والقتيل، وصوغ العالم الروائي حولهما؛ إذ لا تكتفي الكاتبة باستدعاء الشخصيات التاريخية، بل تعيد تركيبها برؤية حداثية، وتجعل من "قابيل" بطلاً موازياً وشريكاً في الجريمة، وللمفارقة، تجعله عاشقاً متخيلاً في بعض المواضع.
تنتقل البطلة من مصر إلى اليابان حيث يقيم والدها الهارب، إلا أنها ومن اللحظة الأولى لوصولها تكتشف أن الهروب من الماضي أصعب من عبور المسافات الطويلة، إذ تبدو مصر في عين المرأة المنتَهَكة كما لو أنها مسرح للجريمة الأولى التي وقعت عليها. وحيث كان البحر والصيف والبهجة؛ كانت براءتها تُنتهك على يد خالها، وفي غرفة بيت الجدة حيث تحوّل القريب إلى وحش، واستحال الدم إلى ماء آسن. وكأنّ الكاتبة تشير بصورة خفية إلى مجتمع يتواطأ على منح السلطة المطلقة لطرف دون الآخر. في حين كان الجميع جُناة، والكل شارك في تكريس سحابة الغم التي تدفع "نهى" للتحول من ضحية إلى قاتلة.
وفي سياق آخر، يتناقض صخب الإسكندرية مع سكون المدن اليابانية وانتظامها. وهنا توظف الرواية المكان بجعله بطلاً من نوع آخر؛ إذ تظهر البلاد الغريبة على النقيض من مصر، كما لو أنها بركان من النظام والصخب والانضباط، بينما نكتشف أسفله نوعاً غير معهود من العنف، وهو نوع صامت، تكتشفه "نهى" بعد اتهامها بقتل صديقتها داخل زنزانة يابانية، إذ تضع المرآة لكشف حقيقة المجتمع الأنيق البراق. ليظهر مكان سوداوي يرهق أفراده في العمل حد الانتحار، ويدفعهم إلى إنهاء حياتهم ومعاقبة أنفسهم كما لو أنهم تجسيد صارخ للشعور بالذنب، وتمثيل آخر للسلطة التي تطبقها المجتمعات على الأفراد حد الاختناق والجثو على الركبتين ساعات طويلة. هذه المحاولة لكسر صوت الذات الفردية وقهرها، ما هي سوى صوت الكاتبة وهي تشرّح الأنظمة المجتمعية، سواء في مصر أو اليابان، ودورها في قمع الفرد وعزله عن ازدهارهِ خارج إطار الجماعة. وما هذا الانخراط الأعمى في نظام الطاعة سوى وسيلة للامحاء أمام جبروت العرف. فالفضاء الجديد في اليابان لا يقدم للبطلة خلاصاً، ولا لصديقتها، إنما يفتح جراحاً جديدة، لتنقلب الذات على نفسها وتتحول من مصر التي قُهرت براءة الطفلة فيها، إلى مدينة كوما موتو بجبالها المغطاة بالثلوج وناطحات السحاب التي تصير مسرحاً لعزلة جديدة. وحيث تواجه "نهى" والدها الذي لم يكن مجرد غائب، إنما مسحوقاً ضمن نظام مجتمعي أكثر صرامة. وهنا تذهب إلى القول بأن المشكلة لم تكن يوماً في المكان، بل في الإنسان الذي يحمل معه جحيمه أينما ذهب.
تجمع الكاتبة في شخصية "نهى" بين سلوك الضحية والجلاد في كيان واحد، غير قابل للفصل، وهذا السبك المتين لعلاقات ذاتية معقدة يمنح الرواية فرادتها، أما والدتها فهي نموذج للمرأة التي تدور ضمن دوامة أخرى من العنف، وعن غير قصد، وما تعدد زيجاتها سوى واحد من الأسباب التي دفعتها إلى إهمال ابنتها التي تقتلها في نهاية الأمر. هذه المشاهد العنيفة تطرح أسئلة وجودية تتجاوز العمل ذاته. إذ هل يمكن للعنف أن يواجه بمثله؟ وكيف يمكن للانتقام الفردي أن يُستبدل بالعدالة؟ لا تجيب دعاء إبراهيم، بل تطرح السؤال من خلال صياغة مصير بطلتها الذي يزداد قتامة مع كل جريمة. ربما لأنه لا يمكن للموت أن يعيد طفولتها المهدورة، ولا قدرة له على محو آلامها، إنما جل ما يقدمه هو إنهاءُ الحيوات من حولها: أن يزيد من ثقل السحابة التي تحوم فوق رأسها، وبالتالي يسرّع في خلاصها. وهي بوصفها امرأة عالقة بين حزنها على ضحاياها وسخطها عليهم، تمسي وجوداً لا حرية له فيما يفعل، وحياةً تستمر من غير خيارات متاحة، إنما تُتركُ مثل سؤال مفتوح من غير إجابة، ونهاية تسوقها الأقدار في نهاية المطاف إلى حتفها.