"راديو ترانزستور": النقص الحي في مواجهة الكمال الميت
في زمن يريد للجروح أن تندمل بالشرائح المعدنية، تأتي هذه المسرحية لتقول: الندبة أجمل من الزرعة، والنقص الصادق خير من الكمال المزيّف. وبيروت، بنهدها المفقود وقلبها الجريح، تظلّ أغنى مدن العالم بالروح، ليس لأنها جميلة، بل لأنها لم تتوقف عن السؤال.
-
يارا زخور وأدون الخوري في لقطة من عرض "راديو ترانزستور" في بيروت
عندما يكتب الممثل جسده
قبل أعوام، في "مهرجان المسرح اللبناني"، وقفت يارا زخور على خشبة "المعلقتان" للينا عسيران، فلفتني أداؤها.
تمثيلٌ يتجاوز التقنية، يتوارى فيه الممثل ليحلّ محله الإنسان بكل هشاشته وجبروته. قبل أيام، على خشبة مسرح "مونو" في بيروت، عادت إليّ تلك الحال مع عرض "راديو ترانزستور"، عمل يجمع يارا بأدون الخوري، حيث يكتبان معاً، ويخرجان معاً، ويمثلان معاً. يقدمان للجمهور اعترافاً وجودياً، يكشف ما يعتمل في النفس البشرية من أسئلة بلا إجابات.
يارا وأدون يمسكان بزمام الرؤية من جذورها. كتابة النص، ثم إخراجه، ثم تجسيده على الخشبة، تمحو الهوة بين النص والأداء. كل نظرة في عيون فريدا (يارا)، وكل شرود في تأملات مهنا (أدون)، ينبعان من الكلمة التي كتبها قلمهما. هذا المثلث الإبداعي يمنح العمل تماسكاً نادراً. نشاهد جسدين يفكّران بصوت عالٍ، روحين تتجادلان عبر الصوت والنفس.
محطة تتحوّل من انتظار إلى سجن
المسرحية تقع في محطة قطار بلا وجهة محدّدة، فضاء معلَّق بين الزمان والمكان. المحطة هنا حالة ذهنية تتخذ شكلاً مكانياً. المحطة تصبح حجرة نَحبس فيها أسئلة الرحيل والبقاء. القطار المنتظر لا يأتي، لأنه لم يكن موجوداً. إنه فكرة اخترعها الاثنان لملء الصمت. فضاء الانتظار هنا هو المكان الوحيد الممكن، حيث تبقى التذكرة في اليد، والوجه المقابل، الذي قد يكون آخر ما تراه قبل انطفاء الضوء.
غير أنّ هذا الفضاء المعلَّق يحمل في طيّاته مُعضلة درامية أولى: لقاء الشخصيتين يتمّ بفجائية مفرطة، وكأنّ المحطة لم تعرف غيرهما قط. هذا الغياب التام لأي حضور آخر - حتى بالإيحاء باستثناء نداءات القطار وصوت مروره - يحوّل المكان من فضاء للانتظار إلى غرفة مغلقة، مما يجعل الحوار يبدأ من درجة الصفر من دون الاحتكاك بالضجيج اليومي أو حتى بصدى خطوات عابر.
لكنّ هذه الفجائية قد تُقرأ، في دفاع عن العمل، على أنها اختيار درامي مبرّر: مهنا، بصفته كائناً شبه آلي، لا يحتاج إلى تمهيد، فهو يتعامل مع فريدا كما يتعامل مع أيّ ظاهرة قابلة للتصنيف، بعيداً من آداب اللقاء أو تدرّج العواطف.
غير أن الخشبة كانت بحاجة إلى لمحة، ولو عابرة، عن وجود آخرين: حقيبة مُهملة على كرسي، أو حتى ظلّ يمرّ من وراء الزجاج. هذه التفاصيل الصغرى كانت لتُضفي على الوحدة بين البطلين بعداً تراجيدياً أعمق، إذ تصير وحدتهما اختيارية في خضمّ زحام بشري، لا مفروضة بفعل ديكور فارغ.
تكنولوجيا ضد وحشيّة التكنولوجيا
السينوغرافيا تمارس عنفاً، في مشهد خلّاق، يتجاوز التحديد المكاني. المحطة التي بدت كفضاء للحلم، تحت تأثير الإضاءة الباردة والمؤثرات الصوتية المتقطعة، تتحوّل إلى زنزانة ضيقة، ثم إلى مصنع روبوتات. يخلع المصنع أعضاء البشر ويستبدلها بأطراف آلية.
لكن العنف السينوغرافي هنا لا يقتصر على التضييق المكاني، بل يتجاوزه إلى مفارقة مسرحية جوهرية: فالمسرحية تستخدم التكنولوجيا المسرحية ذاتها (الإضاءة الباردة، المؤثرات الصوتية المتقطعة، الحركة الميكانيكية للديكور) من أجل فضح وحشية التكنولوجيا الحديثة. حين تتحوّل المحطة إلى شبه زنزانة، ثم إلى مصنع روبوتات يخلع أعضاء البشر ويستبدلها بأطراف آلية، فإن الخشبة تصبح ساحة حرب بين الوسيلة والرسالة.
التكنولوجيا المسرحية هنا ليست مجرد أداة تجميلية، بل هي سلاح نقدي. فهي تُظهر للجمهور، في لحظة آنية، كيف يمكن للبرودة الصناعية أن تمحو الإنسانية، بينما هي في الوقت نفسه تعتمد على تلك البرودة لتمرير الفكرة. هذا التناقض الخصب يضع المتفرج في موقف مزدوج: يرى بأمّ عينيه أدوات العصر تُستعمل ضده، لكنه لا يستطيع أن ينكر جمالها التقني، وكأنّ المسرح يهزأ به: انظر كيف أصبحتَ جميلاً وأنت تفقد روحك!
الأعمدة الحديدية تتحوّل إلى جدران سجن، وكأن المكان يخضع لبرمجة مهنا الباردة. هذا التحوّل المكاني يرافق تحوّل الشخصيات. نتردد بين محطة انتظار وغرفة عمليات تمحى فيها الإنسانية.
مهنا وفريدا: نظامان للوجود، يتجاوزان المنطق والعاطفة
الصراع بين مهنا وفريدا يتجاوز كونه معركة بين منطق وشعور. إنه صدام بين نظامين للوجود. مهنا يعيش في عالم تُختزل فيه الظواهر إلى أرقام، حيث للصدفة معادلة، وللحزن سبب، وللحبّ تفسير. فريدا تعيش في عالم الأشياء التي لا تُقاس، لون لا يُضبط بدرجات، ألم لا يُكتب على لوحة، صوت في الراديو لا يتكرّر بنفس الرعشة.
مهنا يحاصر العالم في دفتر ملاحظاته. فريدا توسّع العالم ليتسع لكل ما لا تحتمله الدفاتر. الصراع صراع بين الجهاز والروح. أدوات مهنا محاولة لترويضها. سلاح فريدا الوحيد جسدها ذو الندوب، وذاكرتها التي لا تنسى، ولوحاتها التي لا نراها إلا في عيني صاحبتها.
يتجلّى أداء أدون الخوري بصفته الباحث البارد في تفاصيل دقيقة تفضح هشاشة البرودة التي يدّعيها. صوته، وهو يثرثر بنظريات علمية لا نبض فيها، يحمل نبرة رتيبة كأنها محاضرة مسجّلة، لكن عينيه تكشفان عن ارتباك خفيّ كلّما سألته فريدا عن مشاعره.
إنّه يجسّد الإنسان المعاصر في أبهى صوره المأساوية: مكتنز بالمعلومات، فارغ من الإحساس، يلجأ إلى التعقيد النظري كدرع ضدّ بساطة الحب. حين يشرح معادلة للصدفة أو تفسيراً للحزن، لا نسمع في صوته أيّ ارتعاش، وكأنه يقرأ من كتاب مكتوب بلغة لا تعرف الضمير المتكلم.
لكن أدون لا يكتفي بتقديم هذا البارد كمجسم، بل يمنحه، في لحظات نادرة، شرخاً خفيفاً: توقّف بين جملتين، اختلاج في إصبع، أو نظرة شاردة نحو الراديو. هذه الشروخ هي ما يجعل مهنا إنسانياً في فشله، وليس آلة تامّة في كمالها المزعج. إن أداءه لا يندد بالبرودة الأكاديمية فحسب، إنّما يندّد بما تقوم به العولمة من تحويل المعرفة إلى خطاب جافّ يشرح الحياة من دون أن يعيشها.
جسد يارا: لغة لا تحتاج إلى ترجمان
يارا زخور تعيش الدور، وكأنها حقاً في محطة تنتظر حبيباً يأتي فجأة. صوتها ينكسر ليبني نفسه، وعيناها ترويان من دون دموع إلا في مشهد مؤثر جداً. في حضورها يتراجع التمثيل خطوة، ويتقدّم الصدق بخطوتين. في مونولوجها عن الحرب والجسد، تعيد تعريف الكرامة كلغة نازفة لا تستعطف.
تتجلّى براعة يارا في توظيف جسدها وتقاسيم وجهها. حين تذكر فقدان نهدها الأيسر، يميل جذعها انحيازة خفيفة إلى اليمين، وكأن الجسد يحاول تعويض فراغ لا يملؤه المنطق. حين تتحدث عن أمها التي مزّقها الانفجار، تتسع حدقتاها ثم تنكمشان في مشهد يرسم الوجع من دون رسمه. يارا لا تؤدّي النقص، بل تجعله يحتل مساحة الخشبة كلها.
ملامح وجهها تتقلب بين حالين في ثوانٍ. يداها تحاولان إمساك شيء غير مرئي. قدماها تثبتان على الأرض وكأنها تقول: "أنا هنا رغم كل شيء". جسدها يصبح نصّاً موازياً للنص، يكتبه المتفرج في ذاكرته قبل مغادرة القاعة.
جرح فريدا: بين الذاكرة اللبنانية والاستعارة الكونية
يارا زخور، في دور فريدا، تحفر في الذاكرة اللبنانية الجماعية. تتذكر أمّها التي مزّقها الانفجار، وفي الانفجار نفسه فقدت فريدا نهدها الأيسر. هذا النهد المفقود يتجاوز كونه تفصيلاً جسدياً، ليصبح استعارة لكل ما تنتزعه الحروب من أنوثة وحياة وأمان.
المأساة تترك لفريدا إرثاً من الألم، وتترك لها سراً عظيماً: الجرح يجعلكِ تشعرين. النساء في هذه المسرحية يحملن ندوباً مرئية. الرجال والآلات يحملون كمالاً وهمياً. تلك الذاكرة المدمّاة تتحول على الخشبة من رثاء إلى سلاح ناعم ضد برودة مهنا المنطقية.
العاطفة تكسر جمود المكان وتفضح البرودة المعاصرة
في خضم الديكور البارد والمعادلات الجافة، يطلّ العرض بمشاهد شعرية تحتفي بالحب والحاجة الإنسانية. تكسّر هذه المشاهد الإيقاع الآلي للمحطة. في مشهد، تضع فريدا يدها على وجه مهنا، فيظل جامداً لحظات، ثم تنبض أصابعه وكأن الكهرباء تعود إلى جسد خامد.
في مشهد آخر، ترقص وحدها تحت ضوء خافت، وحركات جسدها اعترافات. في مشهد ثالث، تمسك بوشاحها كأنه جسد آخر، وتهمس بكلمات لا تصل إلى مهنا لكنها تصل إلى قلوبنا.
لكن أهميّة هذه المشاهد الشعرية لا تنحصر في جمالياتها العاطفية، بل في وظيفتها البنيوية داخل العرض. فهي لا تأتي كاستراحات أو فواصل، بل كنقيض متعمّد للبرودة التكنولوجية التي ينتقدها العمل ويدينها طوال الوقت. حين تضع فريدا يدها على وجه مهنا فيتجمّد، ثم تنبض أصابعه وكأنّ كهرباء بديلة تعود إلى جسد خامد، فإنّ العرض يستعير لغة التكنولوجيا (الكهرباء، النبض الاصطناعي) ليقلبها ضدّ نفسها: فما يوقظ مهنا ليس دائرة كهربائية، بل لمسة إنسانية. حين ترقص فريدا وحدها تحت ضوء خافت، وحركات جسدها تشبه اعترافات صامتة، تكون المسرحية تعلن أن الجسد حين يرقص لا يخضع لأي برمجة، بل يكتب لغته الخاصّة التي لا تترجمها الخوارزميات. وحين تمسك بوشاحها كأنه جسد آخر وتهمس بكلمات لا تصل إلى مهنا لكنها تصل إلى قلوبنا، فإن الخشبة تتحوّل إلى فضاء لمقاومة الصمت الذي تفرضه الشاشات.
إن هذه المشاهد ليست مجرد لحظات عاطفية، بل هي البيان المسرحي للعمل، لأنها تجسّد ما يعجز مهنا عن التعبير عنه نظرياً: الحاجة إلى الحضور الجسدي، إلى اللقاء المباشر، إلى الاعتراف بأنّ العاطفة ليست خللاً في النظام، بل هي النظام الوحيد الذي يمنح الحياة معناها.
في زمن تصنع فيه التطبيقات علاقاتنا وتفصّل مشاعرنا، تأتي هذه المشاهد لتقول إنّ الرقص الحقيقي لا يحتاج إلى خوارزمية، وإن القبلة الحقيقية لا تحتاج إلى بروتوكول. هذه اللحظات تشكّل النقيض الحي للمصنع الآلي، وتذكير بأن المحطة مهما تحوّلت إلى زنزانة، تبقى فيها زاوية للحلم. الإنسان مهما استُبدلت أعضاؤه، يبقى فيه شيء يرتجف عندما تقترب منه يد أخرى.
الراديو: ذاكرة عضوية وسط الحديد
فريدا يرافقها دائماً جهاز الراديو. فتبدو كمن يتمسك بزمن لا تريده أن يمضي أو ينتهي. حضوره الصامت يتكلم. وحين تعلو منه أغنيات يعيدنا إلى ذاكرة مكتظة بالحنين. الراديو هنا يتجاوز كونه أداة ليصبح ذاكرة عضوية، بقعة ناعسة في جدار الحديد. صوته حين يعلو يذكّرنا بيوم كان أداة الخبر والألفة معاً: صوت المذيع القديم (شريف الأخوي لمن يذكر) الذي كان يقرأ أسماء الشهداء أو يرشد إلى الطرقات الآمنة والسالكة، أو أغنية كانت تعزف على الأثير أيام الحصار.
هذا الجهاز صُنع للتذكير بأننا كنا نستمع، نقف نصفّي الموجات بأصابعنا، نبحث عن نبض بعيد. اليوم، مع الشاشات التي تملأ الخشبة، صار الراديو جثة حيّة، الشاهد الوحيد على زمن كانت فيه الكلمة تمرّ بالقلب أولاً.
من زمن الرواد إلى حيوية الشباب
يأتي "راديو ترانزستور" في لحظة بيروتية راهنة بالغة التعقيد، حيث تتوالى الاعتداءات الإسرائيلية وينهار الاقتصاد وتتفاقم الأزمات وينكشف عجز السلطة واهتراءها، لكن المشهد المسرحي الشبابي يثبت، بشجاعة الحياة نفسها، أنه لا يموت.
ذلك أن مسارح بيروت الصغيرة، من "مونو" إلى "مسرح المدينة" و"دوار الشمس" وسواها، تشهد حراكاً كثيفاً لأجيال شابة ترفض أن يكون صمت الخشبة انعكاساً لصمت المدن. في زمن تقصف فيه "اسرائيل" الضواحي، وتُشلّ الدوائر الرسمية، لا تغلق ستائر هذه المسارح، بل على العكس، تنتصب الخشبات كأوكار للمقاومة الثقافية، حيث يتحوّل الحضور إلى فعل تحدٍّ، والتصفيق إلى إعلان بقاء.
هذا العمل، بتجرئه الفلسفي وجسده المُندَّب، ليس وليد فراغ، لأنه ابن هذه الحيوية القاهرة. إنه محاولة من جيلٍ تفتح وعيه على وقع الانفجارات وأزمات البنوك والانهيارات المتتالية، أن يستعيد الأسئلة الكبرى - عن الجسد، الحب، الموت، والآلة - من براثن اليأس اليومي، محوّلاً الخشبة إلى معمل لتقطير المعنى في زمن يريد تفريغ الوجود من أي معنى.
هذا الجيل لا يكتفي بإعادة تدوير الموروث، بل يغوص في صلب التناقضات بجرأة لافتة، متخذاً من الأزمات الطاحنة وقوداً لإبداع يعاند الموت، ومصرّاً على أن الخشبة ما زالت، في عيون هؤلاء الشبان، آخر معاقل الإنسانية الممكنة.
غير أن استحضار هذه الحيوية الشابة لا ينبغي أن يغفل عن الإرث الثقيل الذي تستند إليه. فمن المستحيل مشاهدة "راديو ترانزستور" وسواها من أعمال الأجيال الجديدة من دون استحضار السيرورة المسرحية اللبنانية التي جعلت من الحرب مادتها الخام.
لقد حوّلت "فرقة الحكواتي" الخشبة إلى منبر للذاكرة الجمعية، حيث يصير الجسد الفردي مرآة لتشظي الوطن، بينما اتخذ زياد الرحباني في أعماله الغنائية - المسرحية من السخرية اللاذعة سلاحاً لكشف عبثية الحرب وتناقضات العقلية الطائفية.
ومن جيل أحدث، قدّم كل من لينا عسيران وربيع مروة ويحيى جابر وعصام بوخالد مقاربات مختلفة: لينا في البحث عن معنى المدينة في زمن الخراب، وربيع في تشظي الذاكرة، ويحيى في صمت المونولوج الداخلي، وبوخالد في تفكيك الصورة البطولية للجسد في زمن المعارك.
لكن المفارقة التي تمنح عرض "راديو ترانزستور" فرادته، هي أنّه يخلع جزئياً عنه هذه المحلية، ليغوص في خراب إنساني كوني. فالحرب في عمل يارا وأدون ليست مجرد قصف وفوسفور، بل هي النتيجة الطبيعية لتحالف العولمة مع شركات التكنولوجيا العملاقة، حيث تُصمَّم الخوارزميات لتقسيم البشر، وتُصنَّع الأسلحة الذكية كما تُصنَّع التطبيقات التي تنتهك الخصوصية. في هذا العالم، تتحوّل المحطة (رمز العبور والتواصل البشري التاريخي) إلى زنزانة عزلة، ولقاء إنساني شبه مستحيل.
وهنا يكمن السؤال الأعمق الذي تطرحه المسرحية، والذي لم تطرحه تجارب شبابية أخرى بهذه الحدة الميتافيزيقية: ماذا يتبقّى من البشر حين تستبدل شركات وادي السيليكون أرواحنا بشرائح ذكاء اصطناعي، وتجعل الحروب مجرّد تحديث لنظام تشغيلي؟
النقص يملأ الروح والعولمة تفرغ الجسد
المفارقة الفلسفية هنا لا تنحصر في نقص الجسد مقابل كمال الآلة، بل تمتد إلى نقص اللقاء المباشر مقابل وهم التواصل الافتراضي.
فريدا، بجسدها المنقوص وندوبها المرئية، تمثل الكائن البشري في أكثر حالاته عُرياً، إنها تحتاج إلى يد تلمسها، إلى نظرة لا تُختزل في إعجاب رقمي، إلى حضن لا يحتاج إلى "واي فاي".
في المقابل، مهنا ليس مجرد رجل بارد، بل هو التجسيد المسرحي للفرد المنتَج في مصانع العولمة: منظّم، مفهوم، قابل للبرمجة، ومستعد لبيع آخر ما تبقّى من روحه لقاء معادلة تفسّر له سبب حزنه.
شركات التكنولوجيا تَعِده بالكمال عبر الأطراف الاصطناعية، وصنّاع الحروب يَعِدونه بالأمان عبر أنظمة المراقبة، لكن لا أحد يَعِده بالحب.
تذهب المسرحية إلى جوهر الأزمة الإنسانية في الألفية الثالثة: في زمن نستطيع فيه التحدث مع أيّ كان في أيّ بقعة، نصير أكثر وحدة، وفي زمن نشتري فيه أعضاءً بديلة، نفقد القدرة على الإحساس بالجروح.
الراديو (جهاز الاستقبال الأحادي القديم) يقابل الشاشات المتعددة، بينما الأولى كانت تتطلّب منّا الصبر والإصغاء و"نصفّي الموجات بأصابعنا"، فإن الثانية تعزلنا في محطاتنا الخاصّة، حيث لا قطار يأتي، ولا أحد ينتظرنا.
حين ينكشف ما كان خفياً وتنكسر الآلة
اكتشاف أن مهنا يعرف أكثر مما قال، وأن صمته يحمل إجابة لم نسأل عنها، يفكك كل ما بنيناه. ما ينهار هو ثقتنا بأننا كنا نفهم. فريدا التي بدت هشة، تتبين أقوى مما ظننا. مهنا الذي بدا واثقاً، ينكشف خوفه الخفي حين يخلع نظارته ويمسح وجهه ببطء.
المشهد المتغيّر ليس مفاجأة درامية، إنه كشف عن طبقة ثانية من الحقيقة. كأن أحداً يبدّل تردد الراديو، فتظهر محطة كانت تبثّ على الموجة نفسها طوال الوقت، لكننا كنا نسمع غيرها.
هذا التحوّل يفتح الباب لقراءة جديدة لكل ما سبقه. يصبح كل كلام مهنا السابق منطقاً جامداً، بل حجاباً استعارياً.
الانهيار لا يقتصر على الكلمات. يمتد إلى الخشبة عندما تفكّكت عناصر الديكور الآلية. كأن المسرح يقول: كل هذه التكنولوجيا لا تساوي شيئاً أمام لحظة صدق بين اثنين. أدون ويارا يثبتان أن أدوات العصر يمكن توظيفها ضده. استخدامهما للتكنولوجيا لم يكن للتباهي، بل لنزع القشرة الآلية عن الجوهر الإنساني المؤلم.
سقوط الروبوت وصرخة بيروت في وجه الآلة والقصف معاً
ثم يحدث التحوّل الأكثر قسوة. مهنا، الذي بدا طوال العرض أسير معادلاته، يظهر للحظات وكأنه يلين. نظراته تخفّ، صوته ينخفض، جسده يميل نحو فريدا. كأنه على وشك أن يقول "نعم" لرحلة لم يحلم بها.
لكن هذه اللحظة من الليونة، لحظة القبول الممكن، تسقطه أرضاً. ينهار جسده كالروبوت الذي نَفَدت طاقته، وكالآلة التي أوقفها أحدهم عن بُعد. يبدو ميتاً، أو أشبه بجثة توقّفت عن النبض، بينما فريدا تنظر إليه.
إنّ انهيار مهنا وسقوطه كجثة روبوت في اللحظة التي بدا فيها أنه يقتنع بفريدا ويستجيب لمشاعرها، هو الحدث الدرامي الأكثر قسوة ودهاءً في العرض. فليس من قبيل الصدفة أن يموت مهنا (أو يتوقّف) حين يبدأ في اللين، إنّ المسرحية تعلن هنا أن النظام الذي يمثله لا يحتمل الضعف، ولا يسمح بالخروج عن برمجته. كأنّ قبول الحب - ولو للحظة - هو بمثابة انتحار برمجي للعقل المنهجي الذي يعجز عن تفسير الشعور. لكن هذا الموت لا يكون مأساوياً إلا من زاوية مهنا.
أما من زاوية فريدا، فهو فضح للمسرحية بأكملها: فكلّ تلك النظريات والمعادلات التي كان يلهج بها تبين أنها لم تكن قناعات راسخة، بل دروعاً تخبّئ خوفاً طفولياً من المجهول. حين سقط مهنا جثةً باردة، لم يسقط الإنسان، بل سقطت الواجهة "الأكاديمية" التي كان يحتجب خلفها. إنّه ليس موتاً بالمعنى العضوي، بل هو انكشاف للحقيقة التي طالما أخفاها: أن البارد المتصلّب هو أضعف الكائنات حين يُواجه العاطفة مباشرة، لأنه لا يملك أيّ تدريب على الارتجال العاطفي. هذه الارتجالية هي ما تبقّى لنا كبشر في زمن يُبرمج فيه كل شيء، ولعلّ المسرحية تشير هنا إلى أن الرحمة قد تكون آخر أشكال التمرّد، حتى لو أدّت إلى السقوط. لا تصرخ. لا تبكي. تجلس بجانب جثته، وتطرح أسئلتها بصوت مسموع، وكأنها تخاطب العالم، أو الخشبة، أو أيّ إله غائب:
- "معقول توقفوا القتل؟ القصف؟ الاجتياح؟ الفوسفور؟ المجاعة؟"
- "معقول يصيروا عشرين مليار مثله؟"
- "معقول تحطولنا شريحة برأسنا؟"
ثم تبقى لحظة صمت، وكأن السؤال الأخير كان يبحث عن آخر ما يمكن أن يقال في زمن انهارت فيه كلّ اليقينيات. ثم تضيف، بصوتٍ أخفض، كمن تهمس لنفسها، أو تسأل عن إمكانية الحياة بعد كل هذا الموت:
"معقول رضّع (مولود)؟"
هنا تتكشّف المعادلة الصعبة التي تحملها المسرحية في آنٍ واحد: الأسئلة الأولى (عن القتل والقصف والفوسفور) هي صرخة لبنانية بلحظتها التاريخية الراهنة، حيث يُرفع الستار في وقت ترتكب فيه "إسرائيل" هذه الجرائم ذاتها ضد بيروت والجنوب.
إنها لحظة مسرح تعاند الموت، وتعلن أن الخشبة أقوى من الطيران الحربي. أما الأسئلة التالية (عن العشرين ملياراً من الروبوتات والشرائح الإلكترونية) فهي صرخة إنسانية كونية في وجه العولمة التي تريد تحويل البشر إلى أرقام في خوادم سحابية.
لا تفصل المسرحية بين الوجهين. ففي لحظة موت مهنا، تتكشّف حقيقة الحرب كبرمجة جماعية، والفوسفور كتكنولوجيا لا تخدم الحياة بل تدمّرها. صنّاع الحروب وشركات التكنولوجيا وجهان لعملة واحدة: كلاهما يَعِدان بالأمان والكمال، وكلاهما يسلبان الإنسانية. وإذ تسأل فريدا عن المولود، عن الرضاعة، فإنّ السؤال ليس نظرياً أو مجازياً. إنها امرأة فقدت نهدها الأيسر في انفجارٍ مزّق أمّها ومزّق طفولتها. إنها تسأل عن إمكانية أن تُرضع طفلاً بجسدٍ منقوص، عن إمكانية أن تمنح الحياة وهي تحمل في جسدها ندبة الموت.
هذا السؤال، في فم فريدا، ليس استفهاماً عن مستقبل البشرية فحسب، بل هو بوحٌ شخصي بامتياز: كيف يمكن لثدي مفقود أن يرضع؟ وكيف يمكن لمدينةٍ مفقودة أن تلد؟ غير أنّ الإجابة التي توحي بها المسرحية تأتي من منحى آخر: ليس عبر الثدي البيولوجي، بل عبر الحضن الذي يبقى، والعينين اللتين ترىان رغم الفقدان.
فريدا تسأل عن إمكانية أن تستمرّ الحياة في ظلّ كل هذا الدمار، فتضع إصبعها على الجرح الأعمق: كل هذا يحدث، ومع ذلك يولد أطفال، ومع ذلك هناك ثدي يُرضع (ربما ثدي غيرها)، ومع ذلك هناك أمّهات يحملن الحياة في أجسادهنّ، بينما الرجال يسقطون كالآلات، ويتذرعون بألف حجة للفرار. سؤالها عن الرضاعة ليس سؤال يأس، بل هو سؤال عن إمكانية التعويض، عن قدرة الجسد المشوّه على إعادة إنتاج الحياة بشكلٍ آخر، عن إمكانية أن تكون الندبة نفسها مصدراً للحنان، لا مجرد أثرٍ للعنف.
تنحني فريدا لتقبله. ربما للوداع، ربما لمحاولة إحياء، ربما لتقول شيئاً لم تقله طوال العرض. لكن القبلة لا تكتمل. في تلك اللحظة، نسمع أصواتاً رجالية، عدة أصوات، كل واحد منهم يتذرع بحجج واهية لمغادرة حبيبته. أصوات الفرار، أصوات التبرير، أصوات الرجال الذين يتركون النساء في محطات القطار، في غرف الحرب، في انتظارٍ لا ينتهي. أصوات مهنا المتعددة، أو أصوات كل مهنا في العالم.
المشهد لا يمنحنا خلاصاً. يمنحنا تناقضاً مكشوفاً: لحظة قبول الحب تقتل الروبوت، ولكن الرجال يبقون فرادى، متذرعين. فريدا تبقى وحدها مع جثة فكرة، مع أسئلة لا تجيب عنها الصواريخ ولا الشرائح ولا العشرون ملياراً من الآلات، ومع سؤال أخير عن مولود قد يرضع في زمن لا يستحق الحياة.
هذا المشهد الأخير يحوّل المسرحية كلها إلى سؤال واحد: هل نستحق أن نحب في زمن يبرمجنا على الموت، وهل الحب نفسه قد يكون آخر مقاومة ممكنة، حتى لو سقطنا بعده أرضاً؟ وهل يمكن لطفل أن يرضع في عالمٍ يُقتل فيه الأطفال بالفسفور الأبيض، وتُبرمج فيه عقولنا بالخوارزميات؟
في النقص وحده نكتمل وبيروت في القلب
في نهاية المطاف، لا تقدم "راديو ترانزستور" حلّاً للمعضلة التي تطرحها، لأنّ الحلّ، كما توحي به اللحظة الأخيرة، ليس في الإجابات بل في الاستمرار في طرح الأسئلة.
فريدا، بعد موت مهنا، لا تسأل عن مصير بيروت فقط، بل عن مصير الإنسان في زمن يُختزل فيه إلى بيانات، وتُستبدل فيه الرعشة الأصيلة بتريليونات من التفاعلات المُصطنَعة.
هذا العرض يخطّ لنفسه طريقاً وجودياً خالصاً. لكنّه، في الآن نفسه، ينتمي بقوة إلى موجة مسرحية شبابية تعجّ بها بيروت رغم الأنقاض، موجة لا تنتظر استئذاناً من أحد لتطرح أسئلتها الكبرى، وتصرّ على أن يكون الفن فعل حياة في وجه آلة الموت.
إنّه ينادي، ومن خلال جسدين على خشبة عارية، بأن الخلاص الوحيد من برمجتنا الجماعية لا يكون بالمزيد من الشاشات أو الشرائح أو المعادلات، بل باللقاء الإنساني المباشر، بذلك الفعل القديم الخطير الذي يحدث حين يلتقي جنسان، وحين تقترب يد من يد، وحين نختار، رغم كل وسائل التواصل التي تفصل بيننا، أن نجلس وجهاً لوجه في محطة، وننتظر قطاراً قد لا يأتي، فقط لأننا بحاجة إلى أن نرى في عيني الآخر انعكاساً لحياتنا، لا انعكاساً لخوارزمية.
معنى الحياة في زمن الموت
لكنّ المسرحية، في غمرة طموحها الكوني، لا تنسى أنّ جسد فريدا المندّب هو جسد بيروتي بالأساس. فالصرخة الأخيرة ليست مجرد احتجاج ميتافيزيقي على زمن الشاشات، هي صرخة جسد لبناني يرزح تحت القصف الإسرائيلي في اللحظة ذاتها التي يُرفع فيها الستار.
المسرح هنا لا يلهث وراء عالمية طوباوية، بل يغرس قدميه في وحل بيروت، ليعلن أن المقاومة تبدأ بالبقاء، وأن السؤال عن المولود ("معقول رضّع؟") هو السؤال الأكثر سياسية وإنسانية في آن.
يبقى أن نقول إنّ قيمة "راديو ترانزستور" لا تكمن في إجاباته عن الحرب أو العولمة، بل في شجاعته على جمعهما في لحظة مسرحية واحدة، مذكّراً إيانا بأنّ الإنسان يبقى إنساناً حين يرفض أن يتحوّل إلى آلة، وحين يختار أن يلتقي بالآخر وجهاً لوجه، وحين يبكي على أمهاته تحت القصف، بدلاً من أن يبرمج دموعه في تطبيق ذكي.
في زمن يريد للجروح أن تندمل بالشرائح المعدنية، تأتي هذه المسرحية لتقول: الندبة أجمل من الزرعة، والنقص الصادق خير من الكمال المزيّف. وبيروت، بنهدها المفقود وقلبها الجريح، تظلّ أغنى مدن العالم بالروح، ليس لأنها جميلة، بل لأنها لم تتوقف عن السؤال، والبكاء، ومقاومة الموت بصوتٍ يتعالى على أزيز المسيّرات، مذكّرة إيانا بأنّ جيلاً شاباً ما زال يملأ مسارحها، يكتب ويخرج ويمثّل، كأنه يقول للعالم: نحن هنا، رغم كل شيء، نبحث عن معنى للحياة في زمن الموت.


