"هآرتس": "إسرائيل" في زقاق مظلم

في عهد حكومات نتنياهو، ازدهر في "إسرائيل" حكم ذاتي حريدي يفعل ما يشاء: من دون تجنيد، ومن دون دراسة المواد الأساسية، مع تكريس الجهل وكراهية النساء والعنصرية والبلطجة.

  • مواجهات بين الحريديم والعلمانيين أمام مقهى "كافيه باسيمتا" في القدس المحتلة

تنتقد صحيفة "هآرتس" في افتتاحيتها اليوم الأحد الواقع الذي يفرضه القطاع الحريدي على "إسرائيل" من عنصرية وكراهية وعنف، وكأنّ هذه الفئة أصبحت ضمن "حكم ذاتي" يتوسّع مقابل العلمانيين. واتهمت الصحيفة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم بتمويل الحريديم ودعمهم في هذا الإطار.

النص منقولاً إلى اللغة العربية

قبل ثلاثة أشهر، افتُتح مقهى جديد في وسط القدس يحمل اسم "كافيه باسيمتا" (مقهى في الزقاق). وقرّرت الجهة المالكة له، وهي منظمة "يهود من أجل يسوع"، إبقاءه مفتوحاً أيام السبت، كما يسمح بذلك القانون والوضع القائم.

لكن سرعان ما بدأت مجموعات من الحريديم تنظيم احتجاجات ضدّ المقهى. وفي كلّ أسبوع، كان عشرات الحريديم يتجمّعون في المكان ويصرخون ويشتمون ويرتكبون أعمال تخريب ويضايقون الزبائن. وهذا الأسبوع، أعلنت المنظمة أنها تخلّت عن مواصلة المواجهة وقرّرت إغلاق المقهى أيام السبت.

وقبل ذلك، أقام ناشطون من حركة "هتعورروت" منصة صغيرة لتقديم القهوة قبالة أبواب المقهى المغلقة، فتجمّع الحريديم في المكان مجدّداً. غير أنّ مفتّشي البلدية الذين وصلوا إلى الموقع أمروا الناشطين، وليس المتظاهرين، بإغلاق المنصة، بذريعة بدت غريبة بعض الشيء، وهي أنّ النشاط محظور في الحيّز العامّ. واعترف أحد المفتّشين بأنهم "تلقّوا تعليمات من جهات عليا".

ومنذ سنوات طويلة، يشعر الجمهور العلماني في القدس بأنّ نمط حياته، بل وحتى مجرّد وجوده في المدينة، يتعرّض للهجوم. فقد تراجعت نسبة اليهود العلمانيين في القدس بصورة متواصلة، وهم يشكّلون اليوم أقل من 9% من مجمل سكان المدينة.

وتشهد جميع الأحياء العلمانية تقريباً تغيّراً في طابعها، نتيجة انتقال عائلات حريدية إليها؛ كما تحوّلت معظم الينابيع المحيطة بالقدس إلى أماكن للاغتسال الديني، حيث تُقابل النساء بالعداء وحتى بالعنف؛ وتسبّب متظاهرون حريديم بأضرار بمئات ملايين الشواكل وتأخير مشروع القطار الخفيف لسنوات؛ فيما يعطّل المتظاهرون الحريديم المناهضون للتجنيد بصورة منتظمة الحياة وحركة المرور في المدينة.

وخلال الأسبوع الماضي، وفي الليلة التي سبقت افتتاح العام الدراسي، ضايق شبان حريديم مدرسة علمانية في "كريات يوفيل". كما أغلق متظاهرون حريديم، الليلة الماضية وللأسبوع الثالث على التوالي، الطريق الرئيسي المؤدي إلى القدس احتجاجاً على تشغيل الحافلات أيام السبت.

وعلى هذه الخلفية، مثّل افتتاح "كافيه باسيمتا" انتصاراً صغيراً للمجتمع العلماني الذي يتعرّض للضغوط. فقد افتُتح في وسط المدينة، بالقرب من الحدود غير المعلنة بين المنطقة الحريدية والمنطقة العلمانية، واستقطب عائلات وطلاباً كانوا يبحثون عن شيء من الحياة الطبيعية والهدوء.

وعلى الرغم من أنّ المقهى افتتحته منظمة دينية، فإنّ ذلك لم يكن ذا أهمية، إذ لم يشهد المقهى نفسه أيّ "نشاط تبشيري". وحتى لو حدث ذلك، فإنّ الجمهور العلماني في القدس هو، في نهاية المطاف، علماني، ولا يذهب إلى المقهى يوم السبت بحثاً عن يسوع.

ويمثّل إغلاق المقهى انتصاراً صغيراً آخر للعنف الحريدي، وهذه الظاهرة ليست مقتصرة على القدس. فهذا العنف، الذي يرعاه الائتلاف الحالي ويموّله بسخاء، يفرض منذ سنوات قواعده على الحياة في "إسرائيل".

وفي عهد حكومات نتنياهو، ازدهر في "إسرائيل" نوع من "الحكم الذاتي الحريدي" الذي يفعل ما يشاء: من دون خدمة عسكرية، ومن دون دراسة المواد الأساسية في المناهج التعليمية، مع تكريس الجهل وكراهية النساء والعنصرية وممارسة القوة، جيلاً بعد جيل.

وقد تكون الانتخابات المقبلة الفرصة الأخيرة أمام الجمهور الليبرالي في "إسرائيل" لوقف هذا الانحدار.

نقله إلى العربية: الميادين نت.