من جبهة إيران إلى أروقة البنتاغون.. كيف بدأت الحرب تستنزف إدارة ترامب؟

صحيح أنّ الحرب بدأت على إيران خارج أسوار البنتاغون، لكنّ استمرارها يجعل أخطر معاركها تُخاض في الداخل الأميركي نفسه.

  • كيف بدأت الحرب تستنزف إدارة ترامب؟
    كيف بدأت الحرب تستنزف إدارة ترامب؟

لم تعد الحرب الأميركية على إيران حرباً تُدار في مياه الخليج أو عبر الضربات الجوية العسكرية بمختلف أنواعها، فالمؤشرات المتصاعدة من داخل البنتاغون توحي بأنّ للحرب وتداعياتها جبهةً داخليةً للمؤسسة العسكرية الأميركية، أقلّ ظهوراً، لكنها بدأت تتكشّف في العلن.

أن يخضع نحو خمسين عضواً من هيئة الأركان المشتركة لاختبارات كشف الكذب بحثاً عن مصدر تسريبات تتعلّق تحديداً بتراجع مخزون الذخائر والأسلحة الأميركية، ليس خبراً عابراً ولا مجرّد إجراء يمكن أن يصدر بشكل طبيعي عن البنتاغون، وعندما تتزامن هذه التحقيقات مع تغييرات متسارعة في القيادة العسكرية، واستقالات وإقالات طالت مسؤولين وقادة، تتشكّل أمامنا صورة أكثر وضوحاً لواقع أكثر تعقيداً، واقع يتمثّل في حرب أميركية بدأت خارجية على إيران، لكنها بدأت تضغط على الداخل، وتحديداً داخل مؤسسة البنتاغون، وإدارة تخشى ما قد تكشفه مؤسساتها نفسها عنها.

جلّ التسريبات الإعلامية والتقارير التي نُشرت في هذا السياق طالت مسؤولين عسكريين كباراً، وتركّزت حول معلومات حسّاسة تتعلّق بمخزون الأسلحة والذخائر في ظلّ الحرب على إيران.

مثل هذه القضية التي كُشف عنها وطفَت على السطح تكتسب أهمية خاصة، لأنّ مسألة الذخائر لم تعد قضية تقنية تتعلّق بشأن داخلي، بل أصبحت، مع استمرار الحرب على إيران، أحد أكثر الملفّات حساسية بالنسبة لواشنطن، وقد أشارت كثير من التقارير إلى أنّ وتيرة استخدام الصواريخ الاعتراضية خلال الحرب على إيران فرضت ضغوطاً حقيقية على المخزونات العسكرية، فيما تواجه الصناعات الدفاعية الأميركية صعوبة في تعويض ما يستهلك بالسرعة نفسها.

وعند النظر إلى مثل هذه القضية، فالمشكلة في التسريب ليست فقط في حجم المعلومات التي جرى تسريبها، وفي العادة تنظر دولة كالولايات المتحدة إلى أنّ مثل هذه المعلومات تشكّل مسألة أمن قومي خالص بالنسبة إليها، خصوصاً عندما تكشف قدرات عسكرية أو خططاً عملياتية، لكنّ هذه القضية حملت أبعاداً أكثر حساسية في وقت تحدّثت فيه التسريبات عن قدرة الولايات المتحدة الأميركية على مواصلة الحرب نفسها.

وهنا تكمن أساس المشكلة، فإذا كانت الولايات المتحدة تمتلك مخزوناً كافياً من الذخائر وقادرة على تعويض ما تستهلكه بسرعة، فإنّ الحديث عن النقص لن يكون أكثر من مشكلة إعلامية وتسريبات، أما إذا كانت الحرب فعلاً تستهلك صواريخ اعتراضية وذخائر دقيقة بوتيرة أعلى من قدرة المصانع العسكرية على إنتاج البديل وتعويض النقص، فالأمر يتحوّل إلى سؤال استراتيجي كبير أمام إدارة بدأت حرباً كبيرة ولم تستطع حسمها حتى الآن لصالحها ، فإلى متى تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في هذه الحرب من دون أن يؤثّر ذلك في استعدادها لمواجهات أخرى أو حرب قد تطرأ على جبهات أخرى أو مع دول بعينها؟

المعضلة الأميركية ليست فقط في كمية الذخائر المتوفرة في مستودعاتها، وإنما في طبيعة التزاماتها العسكرية حول العالم، وتحديداً تجاه "إسرائيل" بوصفها حليفاً استراتيجياً لها، ومن زاوية أخرى، تنظر واشنطن إلى ميزان الردع وتأثّره تجاه دول كبرى مثل الصين وروسيا، وكذلك إلى تأمين قواعدها المنتشرة في كثير من الدول، بعدما تضرّرت بفعل الضربات الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط.

الرؤية الأميركية تجاه هذا الموضوع أصبحت ترى أنّ كلّ صاروخ يطلق قد لا يكون متاحاً في حرب أخرى إذا ما فتحت جبهة مع أيّ دولة، وهذا ما يجعل ملف الذخيرة الأميركية أكثر حساسية من مجرّد قضية إمداد عسكري، فالأمر هنا يتعلّق بترتيب الأولويات الاستراتيجية الأميركية في وقت أصبحت فيه واشنطن تخوض حروباً على أكثر من جبهة وفي الوقت نفسه.

ثمّة سؤال يطرح نفسه في هذا السياق// لماذا جاءت قضية التسريبات الآن تحديداً من البنتاغون؟

في تقديري، فإنّ التوقيت ليس صدفة ولا أمراً ثانوياً، فالحرب على إيران دخلت مرحلة لم تعد فيها واشنطن قادرة على التعامل معها وحسمها بطريقة عسكرية خاطفة أو بضربة محدودة الأهداف، فاستمرار الحرب يعني استمرار الاستنزاف، وكلما طال أمدها أصبحت الفجوة أكثر وضوحاً بين قوة الترسانة العسكرية الموجودة والقدرة على تعويض ما يُستهلك منها في وقت زمني قياسي.

ومن هنا تحديداً يمكن فهم الغضب داخل إدارة الرئيس ترامب من هذه التسريبات، فالرئيس ترامب حرص علناً على نفي وجود أزمة حقيقية في مخزون الذخائر، لكنّ مجرّد الحاجة إلى إطلاق تحقيق واسع بحثاً عن مصادر هذه المعلومات يطرح سؤالاً مهماً// لماذا أصبح كشف مثل هذه المعلومات خطيراً بالنسبة لإدارة الرئيس ترامب إلى هذا الحدّ؟

ولفهم المشهد بعمق أكبر، فإنّ إدارة ترامب تعي جيداً أنّ المسألة لا تتعلّق بشأن أميركي داخلي فقط، فالأهمّ في المعادلة هي إيران التي تراقب بنفسها هذه التسريبات، فالحديث عن نقص في الذخيرة يؤثّر بطبيعة الحال في حسابات جميع الأطراف ذات الصلة بالحرب على إيران، وهنا تصبح القضية ليست شأناً أميركياً داخلياً بقدر ما هي معلومة يمكن أن تؤثّر في حسابات إيران تحديداً ونظرتها إلى شكل وطريقة إنهاء الحرب أو أيّ حلول أو وساطات تجري في هذا الملف.  

هل نحن بالفعل أمام أزمة ثقة في البنتاغون الأميركي؟

من حيث المبدأ، فإنّ إخضاع عدد كبير من أعضاء هيئة الأركان المشتركة للتحقيق واختبارات كشف الكذب يحمل في طيّاته دلالة أخرى لا تقلّ أهمية، وهي وجود أزمة ثقة حقيقية داخل مؤسسة البنتاغون، وعندما يصل التحقيق إلى مستويات عليا، فهذا يعني أنّ دائرة الشكّ اتسعت بشكل كبير ومن المعروف في الحروب أنّ المؤسسة العسكرية، أياً كانت، تعتمد على الثقة المتبادلة بين جميع المستويات، سواء كانت عسكرية أو سياسية، وهنا تبدأ أخطر الأزمات تحديداً.

تزداد حساسية الأمر في ظلّ التغييرات الواسعة التي شهدتها القيادة العسكرية الأميركية خلال إدارة ترامب ووزير دفاعه (بيت هيغسيث)، حيث شهد البنتاغون سلسلة من الإقالات والاستقالات والتغييرات في المناصب العليا. كما تحدّثت التقارير الأخيرة عن استمرار حركة التغييرات في المواقع القيادية العليا، بما في ذلك مغادرة مسؤولين عسكريين ومدنيين بارزين.

المشكلة الأكبر بالنسبة للرئيس ترامب ليست فقط في إدارة الحرب بوصفها مشكلة قائمة لم يتمكّن من حسمها، بل أيضاً في إدارة صورتها أمام المجتمع الأميركي الذي بدأ يغضب منه. فترامب وصل إلى السلطة للمرة الثانية بعدما قدّم نفسه للناخب الأميركي باعتباره قائداً قادراً على استخدام القوة من دون إدخال الولايات المتحدة الأميركية في مستنقعات طويلة تشكّل استنزافاً لها على أكثر من صعيد.

لكنّ الحروب لا تسير دائماً وفق الخطط السياسية، وكلما طال أمد الحرب على إيران ارتفعت في المقابل تكلفتها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، ولهذا يمكن فهم الحساسية الشديدة تجاه أيّ معلومات تُسرّب وتشير إلى أنّ الحرب فعلاً تستنزف الولايات المتحدة الأميركية أكثر مما تعترف به إدارة ترامب.

التحقيق في التسريبات خلال الحروب أمر مفهوم من الناحية الأمنية، لكنّ الخطر يبدأ عندما يتجاوز التحقيق البحث عن مصدر تسريب معلومات حسّاسة وسرية إلى خلق مناخ يشعر فيه المسؤولون بأنّ الاختلاف مع الرواية السياسية قد يكلّفهم مواقعهم، ولعلّ السؤال الأهمّ هنا// ماذا بعد هذه التسريبات خلال المرحلة المقبلة؟ في تقديري، فإنّ ثلاثة سيناريوهات تنتظر مشهد مآلات الأوضاع بعد هذه التسريبات والإقالات في البنتاغون:

السيناريو الأول// أن تنجح إدارة الرئيس ترامب في احتواء الأزمة من خلال زيادة الإنتاج العسكري، بما يخفّف من تداعيات ما كشفته التسريبات، مع ضبط ملف التسريبات المرتبطة بالأمن القومي الأميركي وإعادة ترتيب القيادة داخل مؤسسة البنتاغون، وهذا يتطلّب، قبل أيّ شيء، تسريع القدرة الإنتاجية العسكرية لتعويض ما يجري استهلاكه لتغطية العجز.

السيناريو الثاني// أن تستمر الحرب لفترة أطول، وتصبح قضية الذخائر أكثر مركزية، فكلّ يوم إضافي يعني مزيداً من الضغط على المخزون، ومزيداً من الإنفاق، ومزيداً من الأسئلة داخل أروقة البنتاغون وخارجه، وعلى مستوى الرأي العامّ الأميركي.

السيناريو الثالث// وهو، في اعتقادي، السيناريو الأخطر سياسياً إذا ما تحقّق، ويتمثّل في اتساع الفجوة بين إدارة ترامب والمؤسسة العسكرية الأميركية فإذا شعر القادة العسكريون بأنّ تقديراتهم لا تحظى بالقبول، أو أنّ من يسرّب الأخبار يصبح موضع شكّ، فإنّ الأزمة ستتحوّل حينها من قضية تسريبات إلى أزمة في عملية اتخاذ القرار نفسها.

تقديري إزاء هذه التسريبات أنّ الفترة المقبلة قد تشهد مزيداً من التغييرات في المواقع القيادية، وتشديداً أمنياً داخل مؤسسة البنتاغون، وضغوطاً كبيرة جداً على مصانع وشركات إنتاج السلاح لتسريع الإنتاج العسكري بما يسدّ العجز الواضح.

ومن زاوية أخرى، قد يدفع ملف مخزون الذخائر الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في حجم العمليات العسكرية ضدّ إيران، وربما تكون التسريبات التي جرى الحديث فيها عن نيّة الرئيس ترامب إنهاء الحرب وتحقيق النصر على إيران مرتبطة بهذا الأمر، وتشكّل له في الوقت نفسه مخرجاً من أزمة التسريبات، لكنّ القول شيء والواقع شيء مختلف تماماً، فعن أيّ نصر يريد ترامب أن يتحدّث وهو عالق، وغير قادر على حسم نتيجة الحرب كما خطّط لها؟

في تقديري، ما يجري داخل البنتاغون لا يمكن اختزاله في شخص سرّب معلومات سرية، فالقضية أعمق من ذلك بكثير، فطبيعة التسريبات تكشف مشكلة أكبر، عنوانها أنّ الحروب الطويلة لا تُقاس بعدد الضربات، بل بالقدرة على تحمّل تكلفتها، والاستمرار فيها، وتحقيق أهدافها.

وأجزم، بعد الحال التي آلت إليها الأوضاع، بأنّ الحرب على إيران وضعت إدارة ترامب أمام مأزق حقيقي واختبار معقّد. قد يقول البعض، كيف تواصل الضغط العسكري من دون استنزاف قدراتها؟ وكيف تحافظ على صورة القوة التي رسمتها في ذهن المواطن الأميركي ودول المنطقة والمحيط العربي، من دون أن تضطرّ إلى إخفاء الحقائق العسكرية في الداخل؟

قد تستطيع إدارة ترامب إسكات مثل هذه التسريبات، لكنها لا تستطيع، بالتحقيقات أو اختبارات كشف الكذب، أن تصنع صواريخ إضافية بين ليلة وضحاها، ولا أن تنهي حرباً طويلة بمجرّد تغيير السردية الإعلامية عنها.

صحيح أنّ الحرب بدأت على إيران خارج أسوار البنتاغون، لكنّ استمرارها يجعل أخطر معاركها تُخاض في الداخل الأميركي نفسه، بين منطق الحرب وحدود القوة والاستنزاف الحقيقي، وبين الإدارة الأميركية بزعامة ترامب، بوصفها المؤسسة السياسية التي لا تريد الاعتراف بالفشل والاستنزاف، وصولاً إلى انكشاف الهزيمة من الداخل.

قد تبدأ الحروب على الخرائط وفي ساحات المواجهة العسكرية سهلة، لكنها قد تنتهي بهزيمة تصنع من الداخل حين يصبح الاستنزاف أقوى من القدرة على إخفائه.