"دنيا": حضور لافت ونص يحتاج مزيداً من الإحكام
أداء ندى أبو فرحات، رغم جديته، لا يكفي وحده لضمان نجاح العرض. فالمسرح ليس رياضة فردية، بل لعبة جماعية، والنص هو الملعب. وإذا كان الملعب ضيقاً، فلن ينفع أبداً أن يكون اللاعب ماهراً.
على خشبة مسرح "دوّار الشمس" في بيروت، تقف ندى أبو فرحات تحمل على كتفيها عبء شخصية "دنيا" بأكملها، في عمل من كتابة وإخراج زياد نجّار. منذ اللحظات الأولى، يدرك المشاهد أنه أمام أداء يمتلك المسرح بجسد وصوت وذاكرة، لكنه يدرك أيضاً أن هذا الأداء، على قوته، يواجه نصاً كان يمكن أن يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه. مسرحية "دنيا" ليست عملاً سيئاً، لكنها عمل كان يحتاج إلى مزيد من الإحكام، وتعاني من فجوة بين ما تقدمه الممثلة وما يقدمه النص.
غياب التطور الدرامي
المشكلة الجوهرية في "دنيا" التي تختتم جولة أولى من عروضها مساء الأحد في 27 أيلول/سبتمبر الجاري، تكمن في بنيتها الدرامية. فالعمل يدور حول نقطة واحدة: امرأة تكتشف أن حياتها كرّستها للآخرين، وأنها تحتاج الآن إلى العودة إلى ذاتها.
هذه الفكرة، على أهميتها، تحتاج إلى معالجة تمنحها أبعاداً أوسع مما قدّمه النص. شخصية دنيا تتنقل بين ذكرياتها، وتتأرجح بين الغضب والحنين والمرارة، لكنها لا تعبر إلى ضفة أخرى. لا يوجد حدث يقلب الطاولة، ولا اكتشاف يغيّر مسار الحكاية، ولا مواجهة تفرض على البطلة اتخاذ قرار، حتى لحظة مغادرة الابنة للمنزل أو عودتها بدت غير مقنعة أو مبررة.
والكتيّب المرافق للعرض يَعِد بأنها "رحلة مسرحية حميمة في حياة امرأة... تجد نفسها بعد سنوات من العطاء أمام سؤال بسيط وصعب: من أنا اليوم؟".
السؤال جميل، لكن الجواب المسرحي يحتاج إلى تحوّل، لا إلى تكرار. والكتيّب يَعِد أيضاً بـ"قدرة على النهوض من جديد". لكن النهوض يحتاج إلى سقوط، وإلى لحظة انكسار، وإلى صعود. وما قدّمه العرض هو حالة ثابتة تُروى بأشكال لغوية متعددة، لا مساراً درامياً يصعد ويهبط.
هذه البنية تفرض على العرض إيقاعاً يظل ثابتاً في معظم لحظاته. المشاهد يفهم مبكراً ما تريد دنيا أن تقوله، ويظل ينتظر أن يُقال بشكل مختلف أو أن يأخذ منحى جديداً. لكن النص يعيد إنتاج الحالة نفسها بتراكيب لغوية مختلفة، من دون أن يمنحها أبعاداً جديدة.
زاوية واحدة وعلاقة واحدة
في قلب "دنيا"، علاقة واحدة: علاقة الأم بابنتها. هذا الخيار مشروع، لكن المسرحية، التي تشير في موادها الترويجية إلى "حكايات نساء كثيرات"، تختزل تلك الحكايات في زاوية واحدة. والكتيّب يتحدث عن "حكاية نساء كثيرات، بما تحمله أدوارهن من تناقضات، وما يختبئ خلفها من قوّة وقدرة على النهوض من جديد". لكن ما رأيناه على الخشبة ليس عالم الأمومة بوصفه تجربة إنسانية متعددة الأوجه، بل علاقة محددة بين أم وابنة، تُروى من منظور واحد: منظور الأم. الابنة، التي تؤدي دورها كريستا ميدع، تظهر وتختفي، وتبقى أقرب إلى أداة درامية تخدم مونولوج الأم أكثر من كونها شخصية مستقلة لها صوتها الخاص.
الأمومة، بوصفها تجربة، ليست علاقة واحدة. هي الحب والخوف والشعور بالذنب والغضب والفخر والخسارة والتضحية. لكن "دنيا" تختار، أو تكاد تختار، اللحظة الأخيرة فقط: لحظة المغادرة، لحظة الفراغ، لحظة "ماذا بقي مني؟". وهذا سؤال مشروع، لكن تقديمه بمعزل عن كل ما سبقه يحوّله إلى لوم أو حنين، بدلاً من أن يكون تشريحاً حقيقياً لتعقيد الأمومة.
العنصر البشري في الديكور: عبث بصري
أما على مستوى العنصر البصري، فقد لجأ العرض إلى توظيف العنصر البشري كجزء من الديكور، حيث يؤدي ممثلون وظيفة كرسي أو أريكة. وهنا لا يمكن التعامل مع الاختيار كمجرد حل إخراجي جمالي، بل بدا في معظم لحظاته بلا معنى وبلا وظيفة درامية واضحة. لم يضف إلى الحكاية شيئاً، ولم يخلق طبقة دلالية جديدة، بل اختزل الإنسان إلى قطعة أثاث، وهذا ما يلامس الإهانة لهؤلاء المؤدين، ويطرح سؤالاً مشروعاً عن ضرورة وجودهم أصلاً. فالتوظيف البشري في الديكور، إذا لم يكن محمولاً بفكرة، يتحول من اقتراح فني إلى عبث بصري.
في المقابل، كان استخدام خيال الظل موفقاً وأدى وظيفته بنجاح. فقد منح العرض طبقة بصرية موازية، ووسّع فضاء الحكاية خارج جسد الممثلة، وخلق صوراً قادرة على التعبير عن الذاكرة والمشاعر والغياب. هناك، شعرنا أن للعنصر البصري ضرورة درامية، وأنه يضيف ولا يكتفي بالحضور. وهنا يظهر الفرق بين حلّ فني يحمل معنى، وحلّ آخر يبدو كأنه أُقحم على الخشبة من دون سبب.
ومما يستحق التوقف عنده أيضاً أن العرض تضمّن، بشكل مباشر أو غير مباشر، دعاية للداعمين. وهذا أمر يطرح إشكالية فنية وأخلاقية في آن: فالمسرح، حين يصبح منصة تسويقية لجهات داعمة، يفقد جزءاً من استقلاليته، ويتحول الجمهور من متلقٍّ للفن إلى جمهور إعلانات.
وإذا كان من الطبيعي أن يحتاج الإنتاج المسرحي إلى تمويل، فإن الحدّ الفاصل بين الاعتراف بالدعم والتحول إلى منصة دعائية يجب أن يبقى واضحاً ومحترماً. في "دنيا"، بدا هذا الخط رقيقاً إلى حدّ الالتباس.
أداء لافت ولكن...
لا يمكن الحديث عن "دنيا" من دون الحديث عن ندى أبو فرحات. فالممثلة اللبنانية، التي تعرّفنا إليها في "حنة" و"آخذة كسرة" وفي أعمال سينمائية وتلفزيونية عديدة، تمتلك حضوراً مسرحياً وخبرة طويلة، وتقدم هنا أداءً يذكّر بقوتها على الخشبة. تنتقل ببراعة بين الكوميديا والتراجيديا، بين الصلابة والهشاشة، بين الصوت العالي والهمس.
جسدها يعرف كيف يشغل الفراغ، وصوتها يعرف كيف يملأ الصمت. لكن هذا الأداء، رغم جديته، لا يمكنه وحده أن يعوّض ما يعتري النص من ثغرات. فكلما ارتفعت الممثلة بمشهد ما، بدا النص أكثر حاجة إلى معالجة تواكبها. وكأننا أمام ممثلة تصارع نصاً، لا ممثلة تخترق نصاً عميقاً.
هذه ليست المرة الأولى التي نرى فيها أبو فرحات على المسرح مؤخراً. فخلال العام الماضي، قدمت عملاً بعنوان "آخذة كسرة"، من كتابتها وإخراج زوجها إيلي كمال، حيث حولت تجربة شخصية قاسية (كسر في القدم) إلى عرض مسرحي.
كما قدمت، في نيسان/أبريل من العام نفسه، مسرحية "حنة" التي شارك في بطولتها إلى جانب سلمى شلبي وكريم شبلي وجويس أبو جودة، من كتابة وإخراج إيلي كمال أيضاً. هذه الأعمال الثلاثة، رغم اختلافها، تكشف عن نمط: ممثلة موهوبة تختار أعمالاً تمنحها مساحة كبيرة على الخشبة، لكنها لا تمنحها دائماً نصاً في المستوى.
"آخذة كسرة" نجحت جزئياً لأنها كانت مبنية على تجربة حقيقية وشخصية، ولأنها استفادت من فكرة تحويل الألم الخاص إلى فن. لكن "دنيا"، رغم أنها تحمل موضوعاً مهماً، كانت تحتاج إلى تلك الصدق التجريبي، وإلى إحكام نصي أكبر. وربما كان الأجدر بأبو فرحات أن تتأنى أكثر قبل قبول نص لا يستثمر طاقاتها بالكامل.
ما يستحق التنويه
من الإنصاف الإشارة إلى أن العرض يضم عناصر فنية جديرة بالتقدير، ويشهد لحظات مؤثرة. فالموسيقى الأصلية التي ألّفها وأدّاها زياد نجّار على البيانو على الخشبة هي أكثر من مجرد مرافقة موسيقية. إنها عنصر درامي يواكب تقلبات الشخصية، ويمنح الصمت معنى، ويجعل من الآلة امتداداً لصوت دنيا الداخلي حتى في اللحظات التي يغيب فيها الكلام. هذا الاختيار الفني يضيف طبقة حسية للعرض، ويمنحه لحظات من الصدق.
أما كريستا ميدع، طالبة تصميم الغرافيك في جامعة الروح القدس – الكسليك (USEK) التي بدأت طريقها على الخشبة حديثاً من خلال أكاديمية نجّار عام 2025، فتؤدي دور الابنة بحضور واعد. ورغم أن النص لا يمنحها مساحة كافية للتعبير، إلا أنها تمنح العلاقة مع الأم بعضاً من التوتر الذي يفتقده النص. والمسؤولية عن ضيق هذا الدور تقع على الكتابة والإخراج، لا عليها.
كما أن الكوريغرافيا التي وضعتها تمارا حاوي تضيف لحظات من الحركة تخرج المشاهد من رتابة المونولوج، من دون أن تشكّل عنصراً محورياً. لكن هذه العناصر، جميعها، تبقى محدودة الأثر أمام ما يحتاجه النص من معالجة أعمق.
"دنيا" مسرحية تحمل نوايا طيبة، وموضوعاً يستحق الطرح، وممثلة قادرة على إمساك الخشبة. لكنها كانت تحتاج إلى نص أكثر إحكاماً، وإلى معالجة تمنح تجربة الأمومة أبعادها الحقيقية. النص، في شكله الحالي، يدور حول نقطة واحدة من دون تطوير كافٍ، ويختزل تجربة الأمومة في زاوية واحدة، ويظل أفقياً في معظم لحظاته. وأداء ندى أبو فرحات، رغم جديته، لا يكفي وحده لضمان نجاح العرض. فالمسرح ليس رياضة فردية، بل لعبة جماعية، والنص هو الملعب. وإذا كان الملعب ضيقاً، فلن ينفع أبداً أن يكون اللاعب ماهراً.




