"العرب وجهة نظر يابانية" يتقفى خطوات المستشرقين..بلا حذر!

   هذا الكتاب لا يبحث في جذور مشكلات الحال العربية وعللها ليقف على أسباب التشوهات التي أصابتها، وإنما وقف أمامها من أجل توصيفها وحسب، فلم يسائل الزمن، ولا الظلم الذي وقع عليها، ولا حالات النهب والسرقة لكل خيرات أرضها.

  • العرب وجهة نظر يابانية كتاب يتقفى خطوات المستشرقين..بلا حذر!
    العرب وجهة نظر يابانية كتاب يتقفى خطوات المستشرقين..بلا حذر!

كثيرة جداً.. هي الكتابات والكتب التي تناولت المجتمع العربي بالتوصيف والإبانة، ومنها كتب المستشرقين الذين جاؤوا للدراسة في البلاد العربية، لمعرفة أسرار النهضة الإسلامية، والوقوف على مكنوناتها ومرتكزاتها الأساسية، ومنها أيضاً كتب الرحالة  الذين جاؤوا إلى البلاد العربية لمعرفة معالم العواصم العربية القديمة والحديثة في آن، بغداد والبصرة، ودمشق، والقاهرة، والقدس، وحلب، والقيروان، وبيروت، ومنها كذلك كتب الدراسات التي كلف بها باحثون من أجل معرفة خصائص الشخصية العربية قبل حقب الاستعمار، وما أكثرها، وقد كانت كل هذه الكتب ذات أهداف وغايات، وحاملة لرسائل، ومجيبة عن أسئلة، أرادت أن تجعلها تنميطاً لوصف الحال العربية: اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً، ودينياً، وثقافياً، مثلما أرادت أن تجعلها المرجعية لمعرفة سلوكيات الشخصية العربية، والحق أن بعض هذه الكتابات فقط كان موضوعياً، وذا رؤيا بعيدة عن التحامل والافتراء والقذف والذم، أما غالبيتها فكانت كثيرة المظان، عدوانية النزعة، كثيرة التجني، فرمت المجتمع العربي بصفات وأقوال على غاية من البشاعة والشناءة، فأساءت للشخصية العربية، حين أرادت استخلاص صفاتها، وتبويب سلوكياتها، وبذلك أرادت وسم المجتمع العربي بما وسمت به الشخصية العربية، ومثل هذه الكتابات لا تتحلى بأوليات المنهج الحصيف المستند إلى معطيات العلم: من ملاحظة، وتجربة، واستدلال، واستقراء، لهذا كانت تلك الكتابات مرجفة لأنها انطلقت من ذهنيات مسبقة، وهي عدوانية في معظمها، لتوصف المجتمع العربي وغاياته، والشخصية العربية ورغائبها... بما لا يليق.

   أقول هذا، بعد قراءتي لكتاب الباحث الياباني نوبوأكي نوتاهارا "العرب وجهة نظر يابانية" الذي أمسك العصا من المنتصف، وهو يتحدت ويكتب، فلا هو قال أقوالاً قادحة، ولا أقوالاً مادحة، وهذا ما أفسد كتابه الصغير في حجمه، المؤذي بأوصافه وخلاصاته عن المجتمع العربي، والشخصية العربية، بعد أن عاش، كما ذكر، حوالى أربعين سنة في البلاد العربية متنقلاً ما بين مصر وسورية، ولبنان، والمغرب العربي. 

   الكتاب "العرب وجهة نظر يابانية" صادر عن دار الجمل، وينقسم إلى أقسام عدة هي: ثقافة الأنا (اليابانية) وثقافة الآخر (العربية)، وتجارب وأفكار حول كارثة القمع وبلوى عدم الشعور بالمسؤولية، والقضية الفلسطينية، وثقافة البدو العرب، وعالم إبراهيم الكوني/ الصحراء والطوارق، وعبد اللطيف اللعبي، وكتابته عن القمع والحرية، ويوسف إدريس والطريق إلى معرفة المجتمع المصري، وأخيراً مقابلات وأحاديث مع الكاتب نوبواكي نوتاهارا بوصفه (مستشرقاً) يابانياً عاش في البلاد العربية، ودرس اللغة العربية والثقافة العربية، ونظرته إليها.

   استباقاً، أقول الكتاب هو (كشكول) لكتابات أنجزها الكاتب الياباني خلال أربعين سنة من المعايشة الاجتماعية، والثقافية في المجتمع العربي، فهو، ومن خلال ما قاله عن صداقاته مع المثقفين والكتّاب العرب، لم يصادق إلا أصحاب النظرات الخاصة تجاه المجتمع العربي، ولم يرَ إلا بعض صفات الشخصية العربية التي ضخمها حتى غدت مهولة، ومن خلال ما قاله بعض أصحاب النظرات السياسية المناهضة لكل أشكال الحكم في البلاد العربية، وقد اعتمد في كتابته، على بعض ما قاله، وألفه، بعض الكتّاب العرب في المجتمع العربي، وهو اعتماد انتقائي ليس فيه أي موضوعية، ولا يستند إلى معايير علمية، فالملاحظة والبحث والاستدلال، والاستقراء، أو اعتماد الجداول الإحصائية كلها غائبة... أو مغيبة.

   لقد ضاعت أهمية هذا الكتاب الصغير في حجمه، حين ضاعت رؤيا الكاتب وتاهت، فهو وكلما وصف تجريحاً لسلوكيات الشخصية العربية، أو غالى في وسم المجتمع العربي بأنه متخلف، وعدواني، وقمعي، ونرجسي، وعنفي، يعود فيقول (تذكيراً) بأنه عاش أربعين سنة في المجتمعات العربية، والتقى بأناس طيبين، يتمتعون بصفات حضارية على حد وصفه، وكأن من وصفهم بالطيبين، هبطوا من كوكب آخر!

  وضاعت أهمية الكتاب الصغير، حين جعله بلا منهج، وبلا حدود علمية، أو غايات فلسفية، فالكتاب، وبعد قراءته، من الصعب وصفه بأنه كتاب في السوسيولوجيا، يريد، من خلاله، استبطان صفات المجتمع العربي، أو أنه كتاب في السياسية يريد من خلاله، أن يعرف أسباب القمع، وغياب الحريات (كما يقول) في المجتمع العربي، ولماذا يتشدق مثقفو العرب وحكامهم (كما يقول) بالحديث عن الديمقراطية، ولا ديمقراطية في البلاد العربية كما أكد أيضاً، ولا يمكن وصف الكتاب بأنه معني برصد التحولات في المجتمع العربي من عالم (الذهنية البدوية) إلى عالم (الذهنية المدنية) لمعرفة الرواسب البدوية المتبقية في السلوكيات التي أبدتها الشخصية العربية، أو معرفة ما أخذته الشخصية العربية من المثاقفة مع العالم المتمدن والحضري في العالم.

  قلت، إن الكتاب (كشكول)، واجتماع لكتابات باعدت بينها الموضوعات والأهداف والغايات المأمولة، إذ ما علاقة الحديث عن كتابات إبراهيم الكوني، ويوسف إدريس، وعبد اللطيف اللعبي، بالحديث عن المجتمع العربي سوى أنها جاءت لتكون شاهدة على ما ذهب إليه الكاتب الياباني نوبوأكي نوتاهارا من أن المجتمع العربي قمعي، وبوليسي، ومتوحش، ولا علاقة له بالديموقراطية، وأن الشخصية العربية لا تتمتع بالحرية، وليست صاحبة رأي، وبعيدة عن التفاعل الاجتماعي ومعطيات الثقافة، وهنا أسأل إذا كانت الشخصية العربية بلا هذا كله، فلماذا هي داخل السجون، ولماذا هي هذه الكتابات التي  مدح أصحابها، وسماها ووصفها  بالجريئة؟

  لكم تمنيت أن يتقفّى الكاتب الياباني خُطى ابن خلدون لعقد مقارنة ما بين ذهنية الشخصية العربية البدوية، وذهنية الشخصية العربية الحضرية، بعد مرور أكثر من ستة قرون على كتابة ابن خلدون ورؤيته، لكنه لم يفعل ذلك، فبقيت كتابته عن مجتمع البدو والبادية في سوريا، كتابة توصيف، وأسئلة لا تأتي بإجابات عميقة، مثلما ظلت كتابته عن مدينة طنجة المغربية كتابة تود التوكيد بأن المدنية هجينة، وكل شيء فيها مختلط، وأن هويتها، أو قل خصوصيتها، غائبة، وإن لم تكن غائبة، فهي ضبابية ومختلطة وملأى بالأنفاس غير الصافية.

   بلى، إن هذا الكتاب "العرب وجهة نظر يابانية" كتاب يمشي في دروب عدة انتهجها المستشرقون من أجل الحط من صفات المجتمع العربي، ورميه بصفات لها علاقة بالتخلف والجهل، والتوحش، وعدم القدرة على التطور،  وفي هذا خطل كبير، لأن صفات المجتمع في لبنان، هي غير صفات المجتمع في ليبيا مثلاً، وهما مجتمعان عربيان، وصفات ذهنية الشخصية العربية في العراق هي ليست صفات ذهنية الشخصية السورية، مع أن البلدين في تجاور، واختلاط، وأنساب إلى عشائر وقبائل ذات أسماء وعادات وتقاليد مشتركة.

   وهذا كتاب، ومنذ صفحاته الأولى، أراد أن يزوّد قارئه بتنميط لصفات المجتمع العربي كلاً، وبتنميط آخر لصفات الشخصية العربية كلاً أيضاً، من دون أن يمنح الزمان،  والمكان، والثقافة أي بعد مؤثر في الحياة العربية، فهو لم يأخذ في الحسبان التطور المعرفي الهائل الذي عرفته البلاد العربية في عهد دولة الاستقلال العربية ولا سيما حين افتتحت المدارس والجامعات، وشمولية غاياتها كل فئات المجتمع بعدما كانت حكراً على أهل الجاه والمكانة أصحاب الرساميل المالية، ولم يأخذ في الحسبان أيضاً ما فعلته لعنة الاستعمار والغزو والاحتلال والانتداب التي سيطرت على المجتمع العربي قروناً، ولم يذكر لقارئه الرواسب الشنيعة التي أرستها تلك العقلية الاستعمارية التي خرّبت بنيتين أساسيتين في المجتمع العربي: بنية المجتمع، وبنية الشخصية، فانزاحت القيم والمعايير والروائز عن أمكنتها، وحلت محلها قيم ومعايير وروائز لا علاقة لها بالتاريخ والتراث والحداثة وتطلعات الشخصية العربية.

   هذا الكتاب "العرب وجهة نظر يابانية" لا يبحث في جذور مشكلات الحال العربية وعللها ليقف على أسباب التشوهات التي أصابتها، وإنما وقف أمامها من أجل توصيفها وحسب، فلم يسائل الزمن، ولا الظلم الذي وقع عليها، ولا حالات النهب والسرقة لكل خيرات أرضها من جهة، ولكل مجتبيات عقول علمائها، لأن أهم الكتب التي ألفها علماء العرب والمسلمين، وفي مختلف العلوم، سرقت، وصارت أملاكاً مملوكة للدول الاستعمارية التي غزت البلاد العربية. ناهيك عن وجود آثار العرب، ومن مختلف العصور، في خزائن الغرب الاستعماري، والتي تسمى المتاحف الشرقية.

  وفي الكتاب مقارنات غير منطقية، ما بين المجتمع الياباني، والمجتمع العربي، لأن لكل منهما ظروفه وأحواله وثقافته وديانته وما يؤمن به من قيم، ولأن المقارنة، البادية في الكتاب، كان هدفها الأساسي والجوهري امتداح المجتمع الياباني، وذم المجتمع العربي، وقد تمنيت لو أنه التفت فقط إلى حجم الضغوط التي فرضت على المجتمع العربي، من أقصاه إلى أقصاه، ليظل على الحال التي وصفها بالتخلف، وهي كثيرة ومهولة ليقول لنا، ويقر حقاً، بأنه عاش أربعين سنة بيننا، لكن الكتاب لا يواقف كل تلك الضغوط ولا النظرات الغربية الكارهة لأي تعاون حقيقي نافع مع المجتمع العربي، ألم يرَ مؤلف الكتاب "نوبوأكي توهار" في القاهرة التي عاش فيها طويلاً، أنّ الغرب يتباهى بفتح دار للموسيقى، في حين أن سكان القاهرة يحتاجون إلى فتح فرن خبز، أو فتح مدرسة في ضواحيها القريبة أو البعيدة ؟ ولا يكتب جديداً عن المجتمع البدوي في سوريا، ويكتفي بالتوصيف، ومن بعد يتحدث عن التخلف في البادية السورية، ولا ينصح بفتح المدارس فيها؟ أما كتابته عن الحال الفلسطينية، فهي كتابة (تقميش)، فلا يأتي بجديد، ويريد للفلسطينيين أن يحبوا الطبيعة، كما يحبها اليابانيون، لأن في حب الطبيعة، سلاماً وطمأنينة!

كل هذا التوصيف، والمقارنات اللامجدية، وغياب النظرة الموضوعية، واللامنهجية في هذه الكتابة، وانتفاء الروح العلمية، أبقى هذا الكتاب (العرب وجهة نظر يابانية) كتاب مستشرق أكد المؤكد، ومشى في دروب ضالة، وقال ما لا يقوله محب، حين وسم المجتمع العربي، والشخصية العربية بما لا يليق بهما.

اخترنا لك