"السيد" ثريا أنطونيوس: الساحر الذي حوّل القبعة البريطانية إلى كوفيّة فلسطينية
السيد" تعيد إحياء الغنى الاستثنائي والحيوي في الحياة الفلسطينية قبل النكبة، وتقدم رؤية بانورامية وحميمية للمجتمع الفلسطيني بعين أنطونيوس الثاقبة.
-
"السيد" ثوريا أنطونيوس: الساحر الذي حوّل القبعة البريطانية إلى كوفيّة فلسطينية
وُلدت ثريا أنطونيوس عام 1932 في قلب النخبة الفكرية في القدس. والدها جورج أنطونيوس متخرّج في جامعة كامبريدج، ويُعرف بصفته مؤلف الكتاب المرجعي عن القومية العربية "اليقظة العربية" (1939). أما والدتها كاتي نِمر فكانت شخصية اجتماعية بارزة، وابنة أحد كبار رجال الصحافة السوريين اللبنانيين. كانت عائلة أنطونيوس متعددة اللغات، كوزموبوليتية، وميسورة الحال، وشكّل منزلها مركزاً اجتماعياً نشطاً. بعد وفاة الأب عام 1942، ظلت ثوريا ووالدتها في القدس، رغم أن هجمات المسلحين اليهود جعلت المدينة في حالة عنف متزايد. وفي عام 1946، نجت هي ووالدتها بأعجوبة من تفجير فندق الملك داوود في القدس، لترسل بعدها إلى مدرسة في الإسكندرية، ثم إلى لندن عام 1949. تلقت ثريا تعليمها في الغالب باللغتين الإنجليزية والفرنسية. وبحلول خمسينيات القرن العشرين، استقرت في بيروت لتعمل في الصحافة. في زيارة للقدس عام 1951، قدّمت كاتي ابنتها ثريا إلى الروائي جبرا ابراهيم جبرا الذي شجعها على الكتابة. ومع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، انخرطت أنطونيوس مباشرة في السياسة الفلسطينية. فانضمت إلى مجموعة الناشطين الإعلاميين "جمعية الخامس من حزيران"، كما شاركت في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية التابع لمنظمة التحرير. ويشير إليوت كولا، أستاذ الأدب العربي والدراسات الإسلامية في جامعة جورج تاون بواشنطن، أن أنطونيوس، "قبل سنوات من صدور كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، كتبتْ مقالة استشرافية عن الصور السلبية للفلسطينيين في الأدب الشعبي المكتوب بالإنجليزية، مناقشةً أن نزع الإنسانية ثقافياً يمهّد لارتكاب الفظائع. وقد أثبت التاريخ صحة رؤيتها".
توقّفت أبحاث أنطونيوس حول الفلسطينيين خلال الغزو الإسرائيلي لبيروت عام 1982، حين استولت قوات الاحتلال الإسرائيلية على أرشيف مركز الأبحاث الفلسطيني الذي تعمل فيه. ومع حرمانها من أدواتها البحثية، وعيشها تحت الحصار والقصف الإسرائيلي مع والدتها المحتضرة، تحوّلت أنطونيوس إلى كتابة الرواية، فكانت روايتها الأولى "السيد". رواية "السيد"، على حد تعبير أنطونيوس، "كتبت ذاتها تقريباً"، رغم أنه حتى الصفحات الثلاث الأخيرة، لم تكن لديها أي فكرة عن نهايتها. تقع الرواية في 248 صفحة، وقد نُشرت لأول مرة عام 1986، وأُعيد إصدارها مؤخراً بالإنجليزية في ديسمبر/ أيلول 2025 عن دار "New York Review Books". تقول أنطونيوس: "حتى لو لم أستطع أن أكتب بالعربية، لا يزال بوسعي أن أكتب كعربية".
تتحدث الرواية عن مراسلة صحافية مجهولة الاسم، تقوم بدور الراوي، أُرسِلت إلى لبنان في بدايات الثمانينيات لتغطية الأحداث الجارية آنذاك. لكنها نمّت أيضاً اهتماماً عاماً بماضي المنطقة، وتملّكها الفضول خصوصاً لمعرفة قصة شاب يُدعى طارق نشأ تحت الانتداب البريطاني ولعب دوراً في ثورة الفلسطينيين ضد الحكم الاستعماري بين عامي 1936 و1939. وهذا الفضول قادها إلى الآنسة أليس؛ امرأة إنجليزية مسنّة كانت معلمة طارق في مدرسة تبشيرية أسسها والدها في يافا مطلع القرن العشرين. تروي أليس للصحافية ذكريات تمتد إلى الحرب العالمية الأولى وبداية الانتداب البريطاني في فلسطين، من خلال القصة الغامضة والمحيّرة لطارق، الشاب الموهوب الذي اتخذ مهنة غير متوقعة وهي أن يصبح ساحراً جوّالاً.
تتكشف حبكة الرواية من خلال مقابلات الصحافية مع الآنسة أليس. تحاول الآنسة أليس أن تجيب عن أسئلة محاورتها حول ما حدث ولماذا حدث، لكنها تنتمي إلى جيل "لا يفهم الأمور بهذه المصطلحات؛ كانوا آمنين، بلا تضخم أو حروب أهلية أو الانهيار غير المعقول الذي أصاب كامل نسيج الحياة. كانوا يظنون أن الحياة تُعاش بسلام ما لم يكن المرء في الجيش؛ لم يخطر ببالهم أنهم كانوا يضعون أسس حرب أخرى ستمتد مئة عام".
"The Lord / السيد" هي قصة عن الأحداث اليومية الصغيرة في حياة القرويين الفلسطينيين الذين يعيشون غافلين عن مصيرهم، مفترضين أن هذا مجرد احتلال آخر في سلسلة طويلة من الاحتلالات. لكن شخصاً يرى كل شيء في رؤية تخلط بين السحري والعادي؛ طارق الذي يصبح الرائي، الساحر، و"السيد".
طارق ساحر من طراز ثوري يجد نفسه في حالة صدام مع القوات الاستعمارية البريطانية التي تسعى إلى تدميره وتدمير المقاومة التي يمثّلها. يؤدي طارق ألعاباً سحرية للفلاحين ومع انتقاله من قرية إلى قرية، يلاحظ السخط المتزايد على السلطات الاستعمارية الذي سينفجر في تمرد شامل عام 1936. يراقب، ويشارك بطريقة ما، آخذاً دور رسول بين القرى أحياناً، ليجعله هذا يُعرَف بين الناس باسم "السيد". تحمل هذه الألعاب السحرية طابعاً ساخراً وهدّاماً. فبين يدي طارق: "قبعة هومبورغ فضية بشريط أسود حولها… مثل تلك التي يرتديها (هو) دائماً" تتحول إلى كوفية فلسطينية؛ و"هو" هنا تشير إلى صاحب السعادة، المفوض السامي. مع ذلك، يبدو أن طارق ثائر متردد، يتوق إلى الاستقرار، ولا يتضح في الرواية تماماً إن كان يفعل أكثر من مجرد التعبير عن الغضب المتصاعد ضد الانتداب. غير أن تحركاته تجذب اهتمام تشاليس، رئيس الاستخبارات العسكرية الذي يرى فيه تهديداً، ويبدأ بمطاردته، مع تصاعد القمع البريطاني ضد الفلسطينيين.
يشير عنوان الرواية إذاً إلى طارق، وهو عنوان يوحي بمعنى السيد والقديس معاً، ويرى النقاد أنه "سيذكّر بعض القرّاء بيسوع، وآخرون بعز الدين القسّام، الواعظ المتجول الذي قاد ثورة عام 1936". طارق، على حد رأي إليوت كولا، هو "تجسيد لشخصية الرجل المقدّس التي ظهرت كثيراً في أدب الرحلات البريطاني والفرنسي في القرن التاسع عشر حول المشرق: متجوّل غامض، ذو كاريزما، معالج، مبارِك، ومانح للعون". لكن، لا يتضح تماماً إن كان طارق يتمتع بقوى خارقة فعلاً، ما كان سيجعل الرواية ذات طابع واقعي سحري، أو إن كانت مجرد ألعاب سحرية بسيطة. في بعض الحفلات أو الساحات العامة، تكون خدعه أحياناً متواضعة ومرتبكة، وفي أحيان أخرى يحوّل البراندي إلى عصير توت، في قلب معكوس لمعجزة المسيح في قانا. وفي مشهد رمزي ممتع، في احتفال عيد الميلاد في دار الحكومة، ينفّذ طارق خدعة "ملابس الإمبراطور الجديدة" ليبدو كما لو أنه يجرّد المفوض السامي من ثيابه، لكن ذلك العري يكون مرئياً للفلسطينيين بين الجمهور فحسب، أما البريطانيون فلا يرونه.
قضت ثريا أنطونيوس سنوات طويلة وهي تبحث في حياة النساء الفلسطينيات، وتستمع إليهن عن قرب، وكان هذا ذا أهمية خاصة بالنسبة إلى هذا الكتاب، ولا سيما على الصعيدين اللغوي والنفسي. الاستماع إلى النساء الفلسطينيات في مخيمات اللاجئين بجنوب لبنان شكّل "كشفاً لغوياً" بالنسبة إلى أنطونيوس التي وجدت نفسها مفتونة بـاستخدام "التشابيه، التكرار الشعري، استخدام الحكايات الرمزية أو الأمثال". ورغم أن قصص تلك النساء، بحسب قولها، يمكن أن تكون "مربكة غالباً، عصيّة على الفهم". فإن "الماضي الفردي الصغير كان ينهض في كل تفصيل صغير، يتغنى بجمال الأرض، ويضحك من عبثية الحرب". كتابة أنطونيوس، وفقاً لسلمى دباغ التي كتبت مقدمة رواية "السيد"، لا تحفظ هذه الأساليب في السرد فحسب، بل تتشكل بواسطتها كذلك، وهذا جليّ في أسلوب ولغة هذه الرواية.
تكمن قوة أنطونيوس في نثرها الوصفي الغني. وصوتها في هذه الرواية فريد من نوعه، فهو كما ترى سلمى دباغ: "يراوح بين الأدبي للغاية، والمعلوماتي العاجل، والتعليقات الجانبية الماكرة المشبعة بالنقد النسوي. أحياناً يكون الصوت ساخراً عارفاً؛ وأحياناً صريحاً غاضباً؛ وغالباً ما يكون ظريفاً". تستخدم أنطونيوس عدة تقنيات سردية في هذه الرواية التي تتحرك بسرعة، مدفوعة بالانفعال والعاطفة. ثمة حكايات تُروى ضمن حكايات، وانتقالات سردية مفاجئة، ومشاهد استرجاعية بتقنية الفلاش باك. "تقفز أنطونيوس إلى الأمام في السرد لتكشف الفظائع القادمة، أو تكسر الجدار الرابع، فتخاطب القارئ مباشرة، وحين يتعلق الأمر بالعمارة أو الزراعة أو العمل الدؤوب في الأرض وحبها، تلين نبرة السرد وتصبح رقيقة، مشبعة بالدهشة أمام هذا الشعب وهذا المكان"، على حد تعبير دباغ. تصف أنطونيوس فلسطين التي فُقدت، قراها وحقولها وعاداتها، لتكون روايتها فعل بعث أدبي لأمة بأكملها. وبالجمع بين سحر طارق وواقعية أليس، تكتب أنطونيوس بأسلوب غير مقيّد بالحدود السياسية والاجتماعية والسردية. وهذا التحرر من الأشكال التقليدية ينسجم بشدة مع شخصيتها وسياساتها.
بالنسبة إلى الشخصيات، ومع أن أحداث الرواية تجري في فلسطين، فالشخصيات المركزية تكاد تكون جميعها بريطانية: أليس، المعلمة البريطانية التي كانت تعيش في الحي العربي؛ الصحافي فرانك إيجرتون الذي يحقق في الاحتجاجات الشعبية ضد السياسة البريطانية ويتتبع مسارها عبر تلال الجليل وجبال لبنان؛ كيت فارن، مساعد المفوض السامي البريطاني في القدس، الشخصية التي نراقب من خلالها "عالم الدبلوماسيين البريطانيين وهم يوازنون بحذر بين مسيرتهم الإمبراطورية والطموحات الصهيونية والاعتراضات العربية"؛ وتشاليس، رئيس الأمن الوحشي المكلّف بقمع السكان المضطربين. ويشير النقاد إلى أن شخصية تشاليس مستوحاة من أوردي وينغيت، الضابط البريطاني الذي أسس الفرق الليلية الخاصة لتنفيذ غارات ليلية على القرى الفلسطينية، والمشهور بقسوته المفرطة. تجتمع هذه الشخصيات حول محاولتها المشتركة لفهم طارق الساحر، الشخصية الرئيسية. كذلك، على الرواية بعداً واقعياً، ويخلّصها من المثالية أو الرومنسية؛ فأنطونيوس تميل إلى قول الحقيقة كما هي، وتفضح الظلم أيّاً كان مصدره.
ثريا أنطونيوس، على حد تعبير سلمى دباغ، "لم تنتمِ إلى أرض واحدة ولا إلى لغة واحدة، ومع ذلك فإن ميلادها وحياتها ورؤيتها ومسيرتها السياسية والثقافية وشغفها كانت فلسطينية بامتياز: متجذّرة لكنها في الشتات، معتدلة لكنها في جوهرها راديكالية". إنها بالتالي صاحبة رؤية تنسجم مع روح الثورة الفلسطينية. وهي رؤية بالغة الأهمية في إلقاء مزيد من الضوء على حياة الفلسطينيين. فرغم أن المسألة الفلسطينية نالت قدراً لا بأس به من التوثيق، فإن ثقافة فلسطين الريفية بعد التهجير المتكرر للسكان، وتدمير العديد من القرى، باتت مهددة بأن تُمحى من التاريخ. ويرجع هذا إلى عوامل مثل تشوه الذاكرة المرتبط بالصدمات، وكون تلك الثقافة شفوية بمعظمها، مع انخفاض معدلات القراءة والكتابة. هذا كله، يبرز القيمة الكبيرة لروايات مثل رواية "السيد". "السيد" تعيد إحياء الغنى الاستثنائي والحيوي في الحياة الفلسطينية قبل النكبة، وتقدم رؤية بانورامية وحميمية للمجتمع الفلسطيني بعين أنطونيوس الثاقبة. وهي استعراض ذكي وحسّاس لفصل من التاريخ الاستعماري البريطاني وضع الأساس للصراعات التي ما زالت حتى اليوم تعصف بالشرق الأوسط، وهذا ما يجعلها رواية راهنة ومعبّرة اليوم كما في كلّ وقت.