"غليف" لآلي سميث: شهادة جريئة عن غزة في زمن المواقف المواربة

نقرأ في "غليف" توصيفاً مؤلماً لآلاف الأشخاص الذين قُتلوا في غزة: "هل سمعت عن الناس الذين يصطفون في طوابير الطعام والقناصة الذين يطلقون النار عليهم، وكيف أن القناصة الذين يفعلون ذلك لا يطلقون النار عشوائياً فحسب، بل يلعبون نوعاً من ألعاب الرماية؟.

  • "غليف" للكاتبة آلي سميث: شهادة جريئة عن غزة في زمن المواقف المواربة

ولدت آلي سميث في إنفرنيس، اسكتلندا، عام 1962. وقد جعلتها إصابتها بمتلازمة التعب المزمن تترك وظيفتها كمحاضِرة في جامعة ستراثكلايد وتركّز على الشيء الذي تحبه حقاً: الكتابة. حازت سميث جائزتي "جولدسميث" و"أورويل"، وهي تمتاز، كما يرى الناقد إدموند جوردون، "بتطبيق حساسية حداثية جوهرية على موضوعات الساعة"، فنراها تلجأ إلى التورية، والإحالات الأدبية، والتجريب الشكلي، ما يجعلها، إلى جانب ضميرها الاجتماعي والسياسي الحيّ، "تضع حريات الفن في مواجهة قيود اللحظة الراهنة".

رواية "غليف" (Glyph) هي روايتها الخامسة عشرة. تقع في 288 صفحة، وقد صدرت عن دار "Hamish Hamilton" في كانون الثاني/ يناير عام 2026. "غليف" رواية ديستوبية تربط السياسي بالشخصي، وتتأمل في مسائل الطفولة، والأشباح، والتاريخ، وإرث العائلة. يرى النقاد أنها أكثر روايات سميث عاطفية ومرحاً وحيوية، لكنها كذلك رواية مناهضة للحرب، وهي تقدم شهادة شجاعة عن الحرب على غزة. 

تتناول رواية "غليف" حياة أختين، "بِترا" وباتريسيا (باتش)، تتجاوزان طفولتهما الصعبة، وتحاولان التصالح مع موت والدتهما وحياتهما مع أب قاسٍ، من خلال الهروب إلى عالم القصص، غير أن هروبهما هذا لا يقتصر على قصص الأطفال المعتادة، بل يمتد إلى قصص شديدة القساوة تتعلق بحصان فقد بصره في الحرب، وجنود تُقتَل بوحشية. 

أسماء الأختين ليست عبثية، كما يرى النقاد، بل تدل على الاختلاف بين شخصيتيهما. "بِترا" اسم مشتق من اليونانية، ويعني الصخرة أو الحجر، أي الصلابة والثبات والقوة. أما "باتش" فيعني "رقعة" بالإنكليزية، ما يوحي بمعنى الإصلاح والرعاية والنجاة.

تعتنق الرواية تقاليد أدب الأطفال، الحكايات وأثرها، لكنها تأخذ هذه التقاليد إلى حدودها القصوى بما يتناسب مع أهوال العالم. تسمع الطفلتان قصتين مخيفتين عن فظائع الحروب، وتظلان مسكونتين بهما إلى مرحلة البلوغ. تتحدث القصة الأولى عن جندي شاب في خنادق الحرب العالمية الأولى، يعتني بحصان صغير يُصاب بالعمى بعد هجوم بالغاز، وبعد أن يهرب بالحصان إلى الغابات، يُقبَض عليه ويُعدَم. أما القصة الثانية فهي عن جندي شاب سحقته دبابة خلال الحرب العالمية الثانية وتُركت جثته التي سويت بالأرض لتتعفن. 

في الليلة التالية لسماع قصة الرجل المسحوق، تبكي باتريسيا (باتش) حزناً على مصيره، فتتظاهر بترا بالاتصال به في "العالم الآخر" لتطمئنها، ليتحول الجندي في خيالهما إلى شبح تطلقان عليه اسم "غليف" (عنوان الرواية الذي يعني أيضاً "نقش"). وبعد ثلاثين سنة، وفي انتقال من هذا الماضي القاتم إلى الحاضر القاتم، تلتقي الأختان البالغتان من جديد. تشكّل العلاقة بين الأختين جوهر الرواية وتطرح أسئلة حول مدى اغتراب واحدنا عن الآخر، آثار صراعات الحياة الأسرية، وتحديات العيش في عالم اليوم. الأختان باتتا منفصلتين في الحاضر لسبب لا نعلمه، وقد فقدت كلتاهما وظيفتها مؤخراً؛ إحداهما بسبب تطور الذكاء الاصطناعي، والأخرى لأن شركة الملابس التي تعمل بها أفلست. 

بينما تبحث بترا عن الرجل "غليف" عبر الإنترنت، تسمع صوت حصان شبحيّ يحطم الأثاث في غرفتها، فتتصل مذعورة بباتريسيا التي تأتي لزيارتها ومعها "بيل"، ابنتها. يمنحهما طيف الحصان في الحاضر فرصة للم شملهما من جديد. تصدق باتريسيا أن الحصان موجود بالفعل بعد رؤية الغرفة المحطمة. أما بيل فتنكر إمكانية وجوده، رغم أنها تشم رائحته. بهذا، تدخل الرواية في حيز اللاواقعي، ويرتبك القارئ الذي لا يعرف ماذا يصدق، كما لو أن الرواية توجه إليه أسئلة من قبيل: ما الذي أنت مستعد لتصديقه؟ أن ينتهي الخيال؟ وأين تبدأ الحقيقة؟ وما الغرض من خيالاتنا؟

كذلك، لا تكتفي الرواية بمطالبة القارئ بالتفكير بما إذا كانت الأشباح موجودة، بل تستجوب أسباب وكيفية خلقها. فتتساءل: "ما الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تؤثر في العقل لتجبر شخصاً ما على تخيل حصان يرهب غرفة نومه؟ هل نحتاج إلى الأطياف لتبرئة سلوكياتنا بينما نحن في الحقيقة من عاث في الغرفة خراباً؟"، على حد تعبير هاري سبيرز.

يتأرجح السرد إذاً بين طفولة الأختين من جهة والعام 2026 من جهة أخرى، حيث تملأ الحروب شاشات التلفزيون، مع إشارة الكاتبة الصريحة إلى الحرب على غزة. تختلط هذه الأحداث مع قصة "غليف"، وقصة جندي الحرب العالمية الأولى، وهو ما يشكّل محاولة واضحة لوضع أهوال الحربين العالميتين جنباً إلى جنب مع الإبادة التي تتعرض لها غزة اليوم. "غليف" هي رواية مواكبة للعصر وتستعرض العديد من القضايا المعاصرة، لكنها كذلك تنظر إلى التاريخ من خلال قصص أولئك الذين فُقدوا في حروب سابقة، وهي تتساءل "إن كنا نولي ما يكفي من الاهتمام للتاريخ الذي صنعنا وللتاريخ الذي نصنعه الآن".

من ناحية أخرى، ترى أماندا ويتلي أن آلي سميث لا تستفيض في السيكولوجيا الفردية لشخصياتها أو سيرهم الذاتية، ولا تستخدمهم كأدوات أدبية جامدة. كما أنها تتلاعب بمفهوم "الشخصية المسطحة". فالجندي "غليف" مسطح حرفياً (جسدياً) بفعل دهسه بالدبابة، لكن بترا وباتريسيا تعيدان إليه جوهره وحياته، فهو يمثل صرخة موجهة إلينا، ويطرح أسئلة أخلاقية حول مسألة تمثيل الموتى. 

تتم دراسة كل لحظة في الرواية نفسياً وحرفياً. وغالباً ما تبدأ الفصول بقفزة حزينة إلى الوراء لاستعراض أحداث الفصل السابق. كذلك، تحتوي الرواية على مفردات اشتقتها الكاتبة خصيصاً لها، لا سيما العنوان الذي يتحول إلى اسم وفعل في آن واحد. عموماً، تمتاز كتابات سميث باللعب على اللغة لإظهار مرونتها ومعانيها المفاجئة، وهذا الكتاب في دوره مليء بالتلاعب بالألفاظ.

هذه الرواية، مثل شخصياتها الرئيسية، مليئة بأسئلة من قبيل: "كيف تتسلل القوى العالمية إلى المساحات الحميمة من حياتنا؟ وأين تكمن الفاعلية الفردية في عالم يبدو خارجاً عن السيطرة بشكل متزايد؟"، وترى فرانشيسكا بيكوك أن الرسالة الأهم لرواية "غليف" هي "ضرورة الانتباه؛ ملاحظة أهوال العالم من حولنا واستخدام الخيال لمساءلة اللحظة الراهنة، وهو هدف جدير بالاهتمام للأدب". 

كذلك، فلسطين حاضرة بقوة في رواية غليف، ضمنياً حيناً، وصراحة أحياناً. قصة دهس الرجل تحت جنازير الدبابة في الحرب العالمية الأولى تذكرنا بميتات مروعة مشابهة تعرض لها الفلسطينيون على يد الاحتلال. وحين تشاهد بيل، ابنة باتريسيا المراهقة، مقطع فيديو مؤلم عن حصان محاصر تحت أطنان من الركام، تشير إلى أنه "ربما في غزة". كذلك، نقرأ في الرواية توصيفاً مؤلماً لآلاف الأشخاص الذين قُتلوا في غزة وهم يسعون للحصول على المساعدات: "هل سمعت عن الناس الذين يصطفون في طوابير الطعام والقناصة الذين يطلقون النار عليهم، وكيف أن القناصة الذين يفعلون ذلك لا يطلقون النار عشوائياً فحسب، بل يلعبون نوعاً من ألعاب الرماية؟ ففي بعض الأيام يطلقون النار على الناس في الأيدي، وفي أيام أخرى في الرؤوس؟"، تقول سميث في الرواية.

هكذا، تستخدم سميث روايتها وشخصياتها للتعليق على أهوال غزة، وعلى حظر حركة "فلسطين أكشن" في بريطانيا التي تجري فيها أحداث الرواية. ومعظم النقد السياسي في "غليف" يأتي على لسان شخصية "بيل". تبلغ بيل 16 عاماً، وهي تشارك في مسيرات مؤيدة لفلسطين، وتهاجم الحكومة البريطانية ورد فعلها السلبي إزاء الجرائم الإسرائيلية، فيتم اعتقالها بتهمة التلويح بوشاح بشكل عدواني. "ساد الاعتقاد بأن الوشاح قد لُوّح به كعلم... ويمكن القول إنه كان بمنزلة دعم ضمني لمنظمة محظورة حديثاً"، أي حركة "فلسطين أكشن". 

تقول سميث على لسان إحدى شخصياتها: "لست متأكدة أن الكتب التي هي روايات وتخييل وما إلى ذلك يجب أن تكون قريبة جداً من الحياة الواقعية... أو صارخة سياسياً بهذا الشكل". مع هذا، نرى هنا كاتبة جريئة أخلاقية تستجيب لنداء اللحظة الراهنة بكل شجاعة، وتسمي الأشياء بمسمياتها دون مواربة كغيرها من الكتّاب. 

رواية غليف (Glyph) هي بمنزلة امتداد لرواية سميث السابقة التي تحمل اسماً مشابهاً لفظياً مع معنى مختلف "غليف/ "Gliff (2024)، فعنوان الرواية الجديدة يعني "نقش"، بينما يعني عنوان السابقة "لمحة خاطفة" بالاسكتلندية. ثمة ثيمات متشابهة بين الروايتين، فالرواية السابقة كانت تتناول عنف الدولة الأمنية، في حين أن هذه عبر "اشتباكها الصريح مع سياسات الفصل العنصري والإبادة الجماعية التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية في فلسطين، ترفع الرهان الأخلاقي بشكل حاسم"، لكن الأهم، كما ترى الناقدة كيران جودارد، أن هذا الانتقال من "اللمحة العابرة" إلى "النقش" يشكّل انتقالاً رمزياً من "العابر إلى الدائم، من الصورة العابرة إلى المنقوش والذي لا يُمحى"، فنحن، على حد قولها، "تحولنا من مراقبين إلى شهود. ومهما بلغت العتمة، لن يكون بوسعنا القول إننا لم نرَ". إن لهذا الغليف أثراً لن يُمحى، والتعامي تواطؤ. 

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك