"سفينة نون" لريم حبيب.. الحكاية بوصفها نجاة
تقف الشخصيات الرواية في مواجهة مع واقعها في محاولة لتجاوز جراحها النفسية الغائرة، فالنساء في العيادة يحاولن تحويل الألم إلى فعل إبداعي عبر الغناء، في إشارة إلى أنّ الفن يمكن أن يكون وسيلة للنجاة، والأهمّ هو تحويل الألم إلى صوت مسموع.
-
"سفينة نون" لريم حبيب.. الحكاية بوصفها نجاة
تقدّم رواية "سفينة نون" للكاتبة السورية ريم حبيب نصاً مركّباً يشتبك مع أسئلة العنف الاجتماعي والذاكرة والصدمة النفسية في سياق التحوّلات العاصفة التي شهدها المجتمع السوري خلال العقد الأخير. ذاك النصّ يقوم على بنية سردية متداخلة تجمع بين الواقعي والرمزي، حيث تتحوّل الحكاية الفردية لبطلتها إلى مرآة لجماعة كاملة من النساء اللواتي يحملن جراحاً متشابهة. ومن خلال شخصيات متعدّدة ومستويات زمنية متداخلة، تبني الكاتبة عالماً روائياً يركّز على تجربة المرأة في مواجهة السلطة الأبوية، والعنف، والحرب، والاغتراب النفسي.
تعتمد الرواية الصادرة عن "دار التكوين" بدمشق على مجموعة من الشخصيات النسائية التي تشكّل محور السرد، وعلى رأسها البطلة الراوية، التي تبدأ حكايتها في فضاء أسري قاسٍ تحكمه سلطة الأب. يظهر الأب في الرواية بوصفه نموذجاً صارخاً للسلطة المتشدّدة، حيث يتحكّم في مصير ابنته ويقرّر تزويجها قسراً من ابن عمها صقر حفاظاً على ما يسمّيه الشرف. هذه الشخصية ليست مجرّد فرد داخل الحكاية، بل تمثّل بنية اجتماعية كاملة تقوم على العنف الرمزي والمادي تجاه المرأة.
أما شخصية صقر فتجسّد امتداد هذه السلطة ولكن بصيغة مختلفة؛ فهو يمثّل التحوّل الاجتماعي والاقتصادي الذي طرأ على القرية بعد الجدب الذي أصابها، إذ أصبح صاحب نفوذ وثروة بعد أن تغيّرت موازين القوة. ومن خلال هذا التحوّل، تشير حبيب إلى تبدّل أشكال السلطة من دون أن يتغيّر جوهرها، فالقوة الاقتصادية الجديدة تستبدل القوة العائلية القديمة، لكنها تستمر في إعادة إنتاج القهر نفسه.
الصدمة المشتركة
في مقابل هذه الشخصيات الذكورية القمعية، تبرز مجموعة من الشخصيات النسائية التي تشكّل ما يشبه جماعة المصير. في العيادة النفسية تتجمّع عدة نساء: مريم، سنا، ماجدة، هنادي، وغيرهن. كلّ واحدة منهن تحمل قصة ألم مختلفة، لكنهن يجتمعن حول تجربة الصدمة المشتركة. فكثير من النساء يلجأن إلى وسائل رمزية للتعافي من صدماتهن، مثل قصّ الشعر بوصفه طقساً للتخلّص من الماضي.
تحتل مريم موقعاً خاصاً بين هذه الشخصيات، فهي الطبيبة النفسية التي تحاول تحويل الألم إلى فعل جماعي عبر فكرة الغناء، إذ تقترح على النساء تشكيل فرقة غنائية للتعبير عن معاناتهن. هذه الفكرة تمنح الرواية بعداً علاجياً وفنياً في آن واحد، إذ يصبح الصوت وسيلة لتحرير الجروح الداخلية وتحويلها إلى خطاب مسموع.
وهكذا فإنّ الشخصيات في الرواية لا تؤدّي أدواراً تقليدية داخل الحبكة، بل تمثّل حالات نفسية واجتماعية، وتشكّل في مجموعها لوحة إنسانية تعكس آثار العنف والحرب على الفرد والمجتمع.
تبدأ الرواية بمشهد مكثّف ومشحون بالتوتر: البطلة محاصرة في غرفة بينما يجتمع رجال العائلة لاتخاذ قرار بشأن مصيرها، حيث يخططون لتزويجها قسراً من صقر، وقبل ذلك بقليل يجول في خاطرها مشهد ذبح أبيها لعمَّتها بعد علاقة مع أحد شبان القرية، وبعد اكتشاف حملها يقوم الأب بقتلها مع جنينها، وقتل الشاب وأخيه، ويدفنهم الأربعة في مقبرة القرية كشاهد على رجولته كما يراها، ولتبقى يده نصف مشلولة من عراكه مع الشاب، كشهادة مستمرة على فعلته، وهو ما جعل الراوية تؤثر النوافذ المشرّعة باستمرار وتكره الجدران العالية.
غَرَقُ العالم
يتصاعد التوتر عندما ترفض البطلة هذا المصير، لتصل الأحداث إلى ذروة رمزية تمثّلت في الطوفان الذي يغمر المدينة. الطوفان هنا ليس مجرّد حدث طبيعي، بل رمز لانهيار النظام القديم وغرق العالم الذي كانت تعيش فيه البطلة. في خضمّ هذه الفوضى تحاول النجاة مع ابنتها، وكأنها تعيد كتابة مصيرها بعيداً عن سلطة الأب والعائلة.
بعد هذا الحدث المفصلي تنتقل الرواية إلى مستوى سردي آخر، حيث نراها في العيادة النفسية بين نساء يعانين من صدمات مختلفة. في هذا الجزء تتحوّل الحبكة من حكاية فردية إلى سرد جماعي يتقاطع فيه مصير البطلة مع مصائر أخريات.
تتميّز الحبكة هنا بأنها غير خطية؛ إذ تعتمد على الاسترجاع والذاكرة والتداعي النفسي. فالأحداث لا تُروى وفق تسلسل زمني واضح، بل تتداخل الأزمنة بين الماضي والحاضر، ما يعكس حالة التشظّي التي تعيشها البطلة مع زميلاتها في العيادة بعد الصدمات التي عايشوها.
وتتعمّد الروائية السورية ترك بعض الأسئلة مفتوحة، مثل مصير بعض الشخصيات أو حقيقة بعض الأحداث، الأمر الذي يمنح النصّ طابعاً تأويلياً ويجعل القارئ شريكاً في بناء المعنى، علماً أنها منذ الصفحات الأولى من الرواية أعلنت على لسان بطلتها بأنها ليست مشغولة بالحقيقة بل بالحكاية، لأنّ "الحكاية عارية والحقيقة مدوّرة"، وذلك عندما كانت تفكّر فيما لو تسنى لعمتها وحبيب عمتها أن يرويا حكايتهما، حينها كانت الحقيقة لتتغيّر ولتغيّرت أيضاً الحكاية.
ولهذا فإنّ الحكاية بقدر ما هي وسيلة لمعالجة الكثير من القضايا العميقة فإنها في الوقت ذاته نجاة، هي السفينة المخصصة للنجاة الجماعية كما أرادتها الراوية، ومن هنا فإنها تسعى عبر حكاياتها للكشف عن سلطة العائلة والشرف كمفهوم خاصّ في عرفها، وتبيّن كيف يتحوّل الشرف إلى أداة للعنف والسيطرة على النساء، إذ يبرّر الأب قراراته القاسية بوصفها دفاعاً عن سمعة العائلة.
الحرب الملعونة
كما أنّ "سفينة نون" تكشف أثر الحرب في سوريا والتحوّلات الاجتماعية التي رافقتها بما في ذلك الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي دفع كثيراً من الناس إلى خيارات قاسية وغير أخلاقية أحياناً، وذلك من أجل البقاء وحده. هذا التحوّل يظهر في مصائر الشخصيات التي اضطرت إلى العمل في ظروف مهينة أو خطرة.
وفي ظلّ هذا المناخ الجائز إنسانياً تقف الشخصيات في مواجهة مع واقعها في محاولة لتجاوز جراحها النفسية الغائرة، فالنساء في العيادة يحاولن تحويل الألم إلى فعل إبداعي عبر الغناء، في إشارة إلى أنّ الفن يمكن أن يكون وسيلة للنجاة، والأهمّ هو تحويل الألم إلى صوت مسموع.
وتتكرّر في ثنايا هذا النصّ البديع أسئلة الهوية والذاكرة والوجود وعلى رأسها سؤال "من أنا؟ وأين أنا الآن؟" ما يعكس حالة الضياع التي تعيشها الشخصيات بعد الصدمات المتلاحقة، حيث تتشظّى الهوية بين الماضي والحاضر، وكلّ ذلك بسبب "الفقر والحرب اللذين كانا أشبه بطوفان محموم فوّار سحبنا بدواماته. وسط الطمي كان تعارفنا، ووسط الطمي كان فراقنا، إنه الفيضان، ما أذكره دموعنا التي انهمرت أكثر من مرة ونحن نحاول أن نسبح إلى اليابسة، لكنّ التيار كان أكبر من كلّ مقاومة"، فهذان التوأم الحرب والفقر هما من صاغا حياة جميع شخصيات الرواية، وهما من حدّدا مصائرهم، سواء علاقة الراوية بجابر التي تمثّل الأمل في الحب والحرية، أو بشاهين الذي يرمز إلى الجانب الآخر من السلطة والقوة في المجتمع، وكذلك هي السبب في محاولة ماريا ابنة الراوية الانتحار بعد تكشّف حقيقة مجموعة من الأكاذيب وعلى رأسها أنّ أمها ماتت، وكيف التصقت حياتها بحياة مريم التي رعتها في محنتها، إلى جانب سناء التي نجت من موتها وعثرات حياتها بالسفر وتغيير بيئتها، لتتحوّل إلى شخصية لها وزنها في السياسة والاقتصاد وتعد بالكثير من الحلول، التي سبّبت سخرية زميلاتها في عيادة العلاج النفسي، ومنهن رهف التي غادرت البلاد في النهاية بعد أن عرفت معنى العضَّ كتعويض عن الكلمات وهو الشعور الذي رغبت بفعله مراراً وحقّقته على متن الطائرة بأن عضَّت نفسها تعبيراً عن تيهها النفسي الجديد، وكانت الحرب سبباً أيضاً في غيبوبة شمس في إثر انفجار رماها بعيداً عن مكانها وبقيت تعيش على أجهزة الإنعاش حتى قرّرت والدتها ماجدة إنهاء عذاباتها رغم معارضة من حولها، بمن فيهم الراوية التي غابت عن الوعي في نهاية الرواية في إثر آلامها المديدة من الورم على مبيضها.
إذاً كما تقول الراوية "الحرب هي من صاغت حياتنا، من رسمت تفاصيل حياتنا اليومية، في طبيعة العلاقة بيننا وبين أنفسنا، بيننا وبين الآخرين، بالدنيا التي نعيش فيها، بالأعمال التي امتهناها"، وبهذا المعنى، لا تقف الرواية عند حدود سرد المأساة، بل تسعى إلى إعادة صياغة الذاكرة الجماعية، وخاصةً للنساء اللواتي عبرن العاصفة وما زلن يبحثن عن شاطئ آمن.