"المرأة التي لا تشبه اسمها": رواية الصراع الصعب بين الحياة والموت

تدور الرواية في سياق الصراع الصعب إن صحّ التعبير بين الحياة والموت، وصناعة الوحش داخل هذه الإنسانية.

  • "المرأة التي لا تشبه اسمها": رواية الصراع الصعب بين الحياة والموت

فتحتُ الرواية قبل أن أتمعن كثيراً في عنوانها الذي لم يدفعني لقراءتها من الوهلة الأولى، بعد قراءة المقطع الأول من المقدمة، عدتُ إلى العنوان:" المرأة التي لا تشبه اسمها" رواية الكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، عام 2025، وعدتُ لكي أسأل نفسي ما سر هذه المرأة التي لا تشبه اسمها؟. لكي أعرف، وضعت برنامجاً زمنياً وجهزت نفسي لقراءتها بتمعن. تدور أحداث هذه الرواية الغريبة في الجزائر، وتمتزج بين الواقعي والمتخيل، في أساليب الشر الذي يظهر كركيزة أساسية في الرواية، ولا نبالغ لو أطلقنا عليها رواية الشر المنتشر في العالم، لأنّ الإنسانية فيها تعيش قلق القتل والظلم والمرض، والحب المفقود، والبحث عن الحقيقة، تبدأ من الطفولة التي لا تكاد ترى نور العالم إلا وتجد المقبرة بانتظارها، في خضمّ الأسئلة المفتوحة عن الموت والحياة، والبحث عن الجنّة، في لحظة الخروج من هذا العالم الظالم إلى الجنّة الموعودة، من هنا، بلسان الراوية التي هي "ملك" المرأة التي لا تشبه اسمها، البنت السابعة بين أفراد عائلتها، وهي البنت التي تعيش مع عائلتها صراع الظلم، والمرض وقيود التقاليد، واختلاف المعتقدات فيما بينهم، تقدم "ملك" على قتل والدها عن طريق الدواء حين زادت من كميته، وتتهمها أمّها بأنّها فعلت ذلك قصداً. أخوها خالد المعتقل بسبب انتمائه إلى منظمة إرهابية، أمّا أختها الثانية حوّاء الحولاء، فتُحب شاباً يدعى "حميد" يعمل مصلح سيارات، أحبّتهُ بشغفٍ حدّ الانتحار من أجله، حين رفض الزواج منها، وبعد ذلك تعرف في مدرسة التمريض إلى أختها "ملك"، فاكتشفت أنّهُ ليس فقط، مصلحاً للسيارات، بل مثقفاً كبيراً وروائياً، وصاحب مكتبة اسمها "ابراهيم متفرقة"، فأصبح يثقفها ويُهديها الكتب ويحكي لها عن الروائيين والكتّاب الكبار وحكمتهم، حتى وقعت في حبّه. أحبتهُ وتزوجتهُ بعد موافقة أمّها. بعد فترة من الزمن اكتشفت أنّهُ لا يحبّها، ويكاد يبتعد عنها، فنصحتها أمّها، بالإنجاب منه كي يتمسك بها أكثر، تقول في صفحة رقم:" 157":

"غيّر خبر حملي من معاملة حميد لي، فأصبح لا يتأخر عن العودة إلى المنزل مساءً، وغدا يحرص على سؤالي عن حالي وما أحتاجهُ باستمرار، وعوض بقائهِ في غرفتهِ وانشغالهِ بالكتابة، صار يقضي وقت فراغه بكاملهِ برفقتي. لم يُعجبني ذلك التغيير الذي طرأ عليه لأنّهُ كان يثبت بأنّ والدتي محقّة في كلامها".

سمّت ابنتها "حياة" التي أصيبت بمرض السرطان، فحملتها "ملك" وألقتها من الشرفة وقتلتها، بعد تعلق حميد بطفلته وحبّهُ لها حدّ الشغف الكبير، اتهم ملك زوجتهُ بإلقائها من الشرفة وقتلها عمداً، فطلقها، وطردها من المنزل، فعادت إلى منزل أمّها وأكملت تعليمها في مدرسة التمريض، وعملت في مستشفى كقابلة، من شدّة مواجهة الواقع من تفاقم الشر الكامن في داخلها، ورفضها للحياة بكامل تفاصيلها وذكرياتها المريرة، اتخذت قراراً بأن تختصر الطريق إلى الجنّة بمواجهة العالم الشرير الذي لا يرحم أحداً، بهذه الأفكار التي تغزو دماغها، وبينما هي تفكر، وتنظر في الأطفال الرضع الذين يعانون إعاقات مختلفة من الزجاج في المستشفى الذي تعمل فيه كقابلة، قررت قتل الرضيع المريض بمتلازمة ترتيشر كولينز، في المستشفى نفسهُ الذي أنجبت فيه ابنتها "حياة"، تقول في صفحة رقم:" 193":

"وقفتُ أنظرُ من خلال الزجاج إلى الأطفال الرضّع. بعضهم  كان نائماً وبعضهم يبكي يُحرّك يديه وقدميه، وكان هناك ذلك الرضيع في المنتصف تماماً، والذي لفت نظري من الوهلة الأولى، إذ كان مختلفاً عن البقية لدرجة أنّهُ لا يمكن للعين ألا تميّز ذلك الاختلاف. اعتراني الفضول لأعرف ما به فأوقفت إحدى الممرضات وسألتها: مم يعاني ذلك الرضيع؟ نظرت إليّ حيث أشير أجابت: متلازمة ترتيتشر كولينز" ... وتتابع

"فلو كان الأمر في يدي لمنعتهم من الخروج وأخبرتهم أن نزولهم من رحم أمهاتهم يشبه نزول آدم من الجنّة إلى الأرض، بل سأصيرُ قابلة حتى أخلص الأطفال الذين لا يرغب أباؤهم والمجتمع بهم من الحياة".

المرأة التي لا تشبه اسمها، ولكنّها أيضاً، لا تشبه مهنتها كقابلة، تنزل الرضع من رحم أمّهاتهم، وبعدها كما قالت ترسلهم من الأرض إلى الجنّة، كي لا يذوقوا طعم الشر الذي يكمن في الأرض، هل هو مصير الإنسانية أن تتخطى مرارة الحياة بالموت، ومن الموت إلى الجنّة؟ رمزية "ملك" القابلة الغريبة والأم الشريرة وطفلتها "حياة "، رمزيات تدلُّ على معانٍ كبيرة تشكّل ركيزة أساسية في هذه الرواية المفتوحة على أسئلة صعبة. ولا نستغرب حين تغرق ملك القابلة والراوية في التحقيقات في قتل الرضيع، فتقع في حب المفتش الشرطي، بعد أن يُعجب بها، وتقبل في النهاية خطوبته لها، ويتركها حين تثبت إدانتها التقارير بقتل الرضيع في المستشفى. وهكذا تدور الرواية في سياق الصراع الصعب إن صحّ التعبير بين الحياة والموت، وصناعة الوحش داخل هذه الإنسانية كما قال لها زوجها السابق حين التقى بها على المقبرة ليلاً، وهي تزور قبر "حياة" لتقرأ الفاتحة على روحها، وعانقتهُ في النهاية، عناق الحب الشرير بعدما قتلتهُ من ظهره طعناً، وهي تأكد لهُ وهو المسجى على أرض المقبرة: الحياة هناك في الجنّة لا خوف فيها ولا ظلم ولا موت ولا شرّ ولا حزن. 

اخترنا لك