"أكبر سجن على الأرض" كتاب يُقرأ بحذر!
علينا أن نقرأ ما يكتبه "المؤرخون الجدد"، ولكن بحذر، وبعين الوعي، لأن الكمائن والأشراك كثيرة، وعلى هؤلاء أن ينتهوا من الحديث عن (كي الوعي)، لأن الوعي هو جوهر حياة الفلسطينيين، وهو المعادل الموضوعي لمقاومتهم.
-
"أكبر سجن على الأرض" كتاب يُقرأ بحذر!
كنت، وسأبقى، حذراً جداً من الكتابات الأخرى التي تناولت، وتتناول البلاد الفلسطينية، منذ عام 1948، وما سبقها، وخلالها، وما تلاها، وأخص بهذا الحذر الكتابات التي أطلقت عليها تسمية "كتابات المؤرخين الإسرائيليين الجدد"، والتي بدت فيها، وعلى مراحل، نبرات تختلف عن النبر السياسي والفكر الصهيوني، أي تلك الكتابات التي اقتربت قليلاً من الواقع بغية تشخيصه، وقول ما حدث، ويحدث حقاً، وما كان وراء الأكمة أيضاً من مؤامرات، واتفاقيات، وأسرار، وذلك خلال محطات تاريخية ارتبطت بمرحلتين زمنيتين جليتين هما مرحلة عام 1948، وما تلاها، ومرحلة عام 1967 وما تلاها، والحديث عن المتغيرات الجوهرية والثانوية التي طالت البعدين السياسي والفكري للحاكمين الصهاينة في البلاد الفلسطينية، وما أعلنوه وما أسرّوه، وما خططوا له، وما سعوا إلى تحقيقه أيضاً بالقوة العسكرية.
قلت هذا، لأن بين يدي كتاباً لأحد المؤرخين الإسرائيليين الجدد، هو "إيلان بابيه"، المولود سنة 1954، الذي درس في الجامعة العبرية، وحاز شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد البريطانية 1984، وهو أكاديمي يدرس في جامعات بريطانية عدة، وله مؤلفات تدور حول الشأن الفلسطيني ببعديه التاريخي والفكري، على أرضية فحص تطورات الحال السياسية في الكيان الإسرائيلي الذي أرى تسميته الأنسب هي "المستعمرة الأوروبية" الأخيرة عالمياً القائمة فعلاً فوق الأراضي الفلسطينية.
ومن هذه المؤلفات، مؤلفه الذي هو بين يدي، وهو مترجم، من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية (بوساطة المترجم أدونيس سالم) وعنوانه "أكبر سجن على الأرض" وتحت هذا العنوان، عنوان آخر هو "سردية جديدة لتاريخ الأراضي المحتلة"، ويقصد الأراضي الفلسطينية، ومن مؤلفاته أيضاً "التطهير العرقي الفلسطيني" الصادر عام 2006، أما المؤلف الذي أناقشه هنا "أكبر سجن على الأرض" مع خرائط منشورة فيه توضح المتغيرات التي حدثت فوق الأراضي الفلسطينية، وكلها تؤكد ما يريده الصهاينة، أي الاستيلاء على جميع الأراضي الفلسطينية، وطرد أهلها؛ والكتاب في اثني عشر فصلاً، وله تمهيد، ومقدمة، يقول المؤلف فيهما ما يريد بيانه وشرحه في فصول الكتاب.
الكتاب من حيث الأهمية، مهم، لأنه يفارق المقولات الجاهزة والنمطية التي اعتدنا سماعها وقراءتها في الكتابات الإسرائيلية طوال زمن الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948 وحتى يومنا الراهن، ولكنه، وخلال 400 صفحة يؤكد المؤكد الذي قاله بن غوريون (1886-1973): علينا أن نأخذ الأرض الفلسطينية كلها احتلالاً واغتصاباً من جهة، وأن نخرج منها المزيد من الفلسطينيين ونطردهم بعيداً عن الأرض، أي قضم المزيد من الأرض الفلسطينية، وتقليل عدد الفلسطينيين فوقها، وبكل الطرق والوسائل والسبل من جهة أخرى.
الجديد في كتاب "إيلان بابيه" أنه يوثق ما فعله الإسرائيليون بعد احتلالهم للأرض الفلسطينية، وتسلمها من يد الانتداب البريطاني عام 1948، وأبرزها وثيقة وضعها العسكريون والاستراتيجيون والساسة الإسرائيليون هدفها تهجير السكان الفلسطينيين من القرى والمدن الفلسطينية بالإخافة، والتهديد، والحصار، وقطع الطرق، وردم الآبار، ومنعهم من الزراعة، والتجول، وفتح الحوانيت، ومن ثم الاعتقال، والقتل، ونسف البيوت بالمتفجرات منذ بداية عام 1948، وأبدى هذه التطبيقات العملية لهذه الوثيقة هي صور المجازر التي ارتكبوها، ومنها مجزرة دير ياسين، أي إن "إيلان بابيه" يماشي التاريخ الإسرائيلي منذ 14 أيار/ مايو 1948، إلى زمننا الراهن، ويقدم لنا آراء العسكريين، والسياسيين، والمخططين الإسرائيليين الذين أعدوا الخرائط الهادفة إلى تنفيذ مقولة بن غوريون: المزيد من قضم الأرض، والإبقاء على عدد قليل من السكان، وكان رأي السياسيين الإسرائيليين هو الرأي المؤيد لمقولة بن غوريون التي تهدف إلى تعزيز مرتكزات الاحتلال الإسرائيلي، ومن دون أي حساب أو اعتبار لأي قانون دولي، أو مواثيق حقوقية، أو أعراف إنسانية، لقناعتهم أن ما من أحد في العالم له الحق في محاسبة الكيانية الإسرائيلية عما تفعله، ولهذا (من أمن العقاب، فعل ما أراد).
يقول "إيلان بابيه" صراحة: لقد تعاونّا جميعاً، على اختلاف انتماءاتنا، لتنفيذ أهدافنا الثلاثة الكبرى:
•احتلال المزيد من الأرض،
•تقليل عدد السكان الفلسطينيين إلى أقصى حد،
•الحكم العسكري المطلق اليد من أي قيد،
وهذه الأهداف الثلاثة ما زالت هي العقيدة التي تعمل عليها الحكومات الإسرائيلية كلها تباعاً، أما أدوات التنفيذ، فهي كثيرة، ومنها: الإخافة، والتهديد، والإمالة، أو الاستمالة، والسجن، والاعتقال، والحصار، والقتل، بحيث تحولت منطقتان كبيرتان، بعد حرب عام 1967 ، هما: الضفة الغربية، وقطاع غزة إلى سجن كبير، يقوده حاكم عسكري، أوامره لا تراجع ولا تناقش، وسلوكياته لا تنتقد، وكلما كانت الوحشية بادية فيما يقترفه، يكون هو الشخص المناسب الذي يخدم الكيان الإسرائيلي بإخلاص!
وقد زادت الوحشية الإسرائيلية أكثر فأكثر بعد حرب عام 1967، لأن كل ما اقترفته الحكومات الإسرائيلية السابقة من سن قوانين يهدف إلى الاستيلاء على الأراضي وحقوق الغائبين الفلسطينيين لم تتم مراجعته، أو محاسبة من اقترف المجازر، ومن دمر القرى، ومن هجر أهلها، ومن استولى على الأحياء العمرانية في المدن الفلسطينية عام 1948 وما بعده، لذلك ازدادت الوحشية الإسرائيلية، وتجلت دمويتها في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد عام 1967 ، وكان الهدف الرئيسي للإسرائيليين هو التطهير العرقي، أي إبادة الفلسطينيين بأي طريقة كانت، ولعل أكثرها تجلياً هو قتلهم، وتهجيرهم، وسجنهم، وسن قانون الاعتقال الإداري الذي كان، ولا يزال، قانوناً غامضاً، ومن دون أسباب مبينة للعمل به، ومدته ومآلاته غير معروفة أو محددة، إنه قانون إماتة الحياة وشلها من دون ذنب للأفراد والجماعات، سوى أن الفرد هو فلسطيني وحسب، وأن الجماعة هي فلسطينية وحسب، والأغرب هو أن هذا القانون (الاعتقال الإداري) طال القرى والبلدات الفلسطينية أيضاً، فحوصرت وشلت الحياة فيها تماماً، واعتبرت مناطق عسكرية! أما الجديد/ القديم في كتاب "إيلان بابيه" فهو قوله بأن كل الإمكانات الإسرائيلية، وكل المخططات، والخرائط، والدراسات وضعت لخدمة الجيش الإسرائيلي، وتحقيق أهدافه، ولذلك تغيرت مصطلحات الانتداب، البريطاني، مع قيام الكيانية الإسرائيلية، فبدل مصطلح "المندوب السامي"، جاء مصطلح "الحاكم العسكري"، وبدل مصطلح "الانتداب"، حل مصطلح "الاحتلال"، وبدل تسمية "العصابات الصهيونية" حلت تسمية "الجيش الإسرائيلي"، ولكل هذه المسميات تخويل بفعل أي شيء، من دون النظر إلى عقابيله ونتائجه، لا، بل ألصقت به صفة القداسة أو التشبه بالقدرات الإلهية! ويقول "إيلان بابيه"، إن جميع الشرائح الاجتماعية في الكيانية الإسرائيلية عملت، وتعمل، من أجل مساعدة الجيش الإسرائيلي والحكام العسكريين على تنفيذ مخططاتهم الهادفة إلى الاستيلاء على المزيد من الأرض الفلسطينية، و الإبقاء على القليل فقط من السكان الأصليين.
لكل هذا، يرتكز كتاب "إيلان بابيه" على ترداد مقولته التي يريد توكيدها وهي أن الحكومات الإسرائيلية على اختلاف انتماءاتها وخطابها وتعدده، تهدف إلى جعل البلاد الفلسطينية، ويعني الجغرافيا التي يسكنها الفلسطينيون، سجناً كبيراً، يصفه بأنه أكبر سجن عرفته الدنيا، وهو سجن يشبه في صفاته صفات المقابر، لأن السجون الإسرائيلية أعدت لتكون "هاديسا" بالتوظيف الإغريقي، أي بروفات لاعتياد حياة الموت (الإماتة)، أو الاستعداد لقبول الموت داخلها!
ويقول أيضاً، إن التحديات التي تواجه الكيانية الإسرائيلية كثيرة وأهمها أنها تواجه الشعب الفلسطيني في داخل الوطن الفلسطيني المحتل، وفي خارجه، حيث هي المنافي التي لجأ إليها المهجرون الفلسطينيون من قراهم وبلداتهم ومدنهم الفلسطينية، وقد تزايد تعداد هؤلاء ما بين فترتي عام 1948 ، وعام 1967، فالفلسطينيون الذين بقوا فوق أرضهم وفي قراهم ومدنهم عام 1948 كان عددهم حوالى 125000 نسمة، باتوا في عام 1967 حوالي 300000 نسمة، وهم اليوم قرابة ثلاثة ملايين، ومن جاؤوا بعد اتفاقية أوسلو، جعل عدد الفلسطينيين يتضاعف، ثم إن احتلال الكيانية الإسرائيلية للضفة الغربية، وقطاع غزة ضاعف عدد السكان الفلسطينيين مرات، وكل هذا لأنهم شعب، ومن الصعب إفناء الشعب، رغم أن الكيانية الإسرائيلية حولت الجغرافيا الديموغرافية الفلسطينية، إلى أكبر سجن فوق الأرض في العالم، وهذا تطلّب إنشاء مؤسسة سجون إسرائيلية كبيرة جداً، وكان على الكيانية الإسرائيلية أن تتحمل تبعات من تعتقلهم، وأبدى هذه التبعات هي مواجهة نضالهم ضد الاحتلال الإسرائيلي، فقد صدّر السجن الإسرائيلي، وبسبب وعي الفلسطينيين، وتجديد حياتهم ونضالهم داخل السجون الإسرائيلية، الكثير من القادة،والمفكرين،والأدباء،والشعراء،والفنانين، وذلك لأن الوعي الفلسطيني كان في أشد أطواره من النماء والحضور والمقاومة والتجدد والانتقال من مرحلة إلى أخرى داخل السجون الإسرائيلية، وغايته الحفاظ على الثوابت الفلسطينية، أي: الوطن، والسيادة، والكرامة، وهذه تتطلب أمراً واحداً هو المقاومة من أجل غايتين اثنتين، هما: الاستقلال، وكنس الاحتلال.
كتاب "إيلان بابيه" كتاب معلومات، وكشف عن أسرار ، ترصد التوجهات الإسرائيلية التي هي رهينة وموظفة لخدمة ما يتطلبه الجيش الإسرائيلي، فالجامعات ومراكز الأبحاث، والتخطيط، والسياسة، والأحزاب من جهة، والمشتغلون في الهندسة، والطبابة، والتعليم ، والتربية، والثقافة، والفنون، والقضاء، من جهة أخرى، يعملون من أجل ما يتطلبه الجيش، والحكام العسكريون، وما يهدفون إليه، وقد غدا الهدف واضحاً جلياً، وهو باختصار شديد، المزيد من احتلال الجغرافيا الفلسطينية، والمزيد من التوحش الإسرائيلي لطرد الفلسطينيين خارج أرضهم، والمهم في الكتاب هو ما يقر به "إيلان بابيه" أن سياسة السجن الكبير التي طالت البلاد الفلسطينية كلها، هي سياسة مصيرها الإخفاق، لأن التاريخ يقول، وعبر مراحله المتعددة وصوره الكثيرة، إن الشعوب لا تهزم، وإن القوة العسكرية لا تدوم، والشعب الفلسطيني، ومن خلال قراءة تاريخه، هو شعب عصي على الهزيمة، وما يقوله الحكام الإسرائيليون منذ عام 1948، وحتى اليوم، ليس سوى فقاعات هوائية لا غير!
قلت آنفاً، علينا أن نقرأ هذا الكتاب، وما يشابهه في المحتوى والغايات، بحذر شديد لأسباب كثيرة، لعل في طالعها، وهو الأهم ، أن مرجعية "إيلان بابيه"، بقضها وقضيضها، تستند إلى الأرشيف الإسرائيلي، ونحن نعرف ما كتبه، وما دوّنه، المشرفون على هذا الأرشيف، فهم، وما كتبوه، يظلون تحت مقولة: المنتصر هو من يكتب التاريخ! والأخطر هو أن معلومات هذا الأرشيف منشورة، ولهذا لا يمكننا الوثوق بما يقوله هذا الكتاب، حتى لو كان ما فيه هو معلومات أو أسرار! أمر آخر يدعو إلى الحذر ، هو أن "إيلان بابيه"، يدري أو لا يدري، يكتب مبالغات عن الواقع الإسرائيلي، وهذه أيضاً هي نبرة المنتصر، ويتجلى ذلك بإشارته إلى لوم القيادات العربية بسبب، ومن دون سبب. أمر آخر، وهو مهم جداً، يتمثل في تغافل "إيلان بابيه" عن مقاومة الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي، وفي جميع المناطق الفلسطينية، في القدس، والضفة الغربية ، وقطاع غزة، وحيفا، والجليل الفلسطيني.
مع كل هذه الملاحظات، علينا أن نقرأ ما يكتبه "لمؤرخون الجدد"، ولكن بحذر، وبعين الوعي، لأن الكمائن والأشراك كثيرة، وعلى هؤلاء أن ينتهوا من الحديث عن (كي الوعي)، لأن الوعي هو جوهر حياة الفلسطينيين، وهو المعادل الموضوعي لمقاومتهم، من أجل الحفاظ على الثوابت الوطنية التي هي صورة الكرامة والكبرياء ، وهي الطريق إلى كنس الاحتلال، ورفع راية الاستقلال والسيادة، والخلاص من وهم كبير اسمه الكيانية الصهيونية.