لواء القدس يوثق تاريخ متصرفية القدس أبان الحكم العثماني

كتاب لواء القدس يختصر فيه ماهر الشريف نهضة مجتمع في بداية القرن العشرين ببعض الشخصيات التي ورد اسمها في فصول الكتاب الذي رصدته جريدة "القدس"، في العهد العثماني وكان نهاية حقبة وبداية عهد الانتداب الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه.

  • لواء القدس:  كتاب يوثق تاريخ متصرفية القدس أبان الحكم العثماني
    لواء القدس: كتاب يوثق تاريخ متصرفية القدس أبان الحكم العثماني

"لواء القدس" كتاب وثّقته محتويات جريدة رصدت تطور اللواء أو المتصرفية إبان العهد العثماني حيت كانت بواكير حداثة، وهذا مناقض لمقولة أن الاستعمار الأوروبي الذي اتخذ شكل نظام الانتداب، هو الذي زرع بذور الحداثة، وأن سكان لواء القدس – خلافاً لكل الأساطير الصهيونية المبكرة التي تزعم أن هؤلاء السكان لم يمتلكوا خصائص ثقافية وقومية مميّزة الأمر الذي جعل قضية ترحيلهم عن أرضهم سهلة. لكن تلك الخصائص هي التي ميّزتهم وجعلتهم يتجذرون في أرضهم وهو ما ينفي رواية الاحتلال.

كتاب لواء القدس بواكير الحداثة أو متصرفية القدس، صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت-لبنان، للمؤلف ماهر الشريف.

جريدة "القدس"

في هذا الكتاب يحاول ماهر الشريف، أن يطرح قضية الإشكالية، وذلك بفضل أعداد جريدة "القدس" نصف الأسبوعية التي أنشأها وحرّرها ما بين سنوات 1908 و1914 أحد رواد الدعوة إلى الحداثة في فلسطين وهو جرجي حبيب حنانيا، وبمراجعة محتوياتها كافة التي بلغت 391 عدداً، يتبيّن السؤال الرئيسي الذي يسعى البحث الذي يحتويه الكتاب إلى الإجابة عنه، وهو: هل كانت محتويات جريدة "القدس" أداة لترويج أسس المجتمع الحديث ولتنوير سبل بلوغه؟ وإن كانت كذلك، فكيف تجلّت بواكير الحداثة في "لواء القدس" على صفحاتها؟ وللإجابة عن هذا السؤال، انطلق المؤلف من افتراضيتين أولاهما أن محتويات جريدة "القدس" تبيّن أن فلسطين عرفت منذ العهد العثماني المتأخر بواكير حداثة، وهو ما يفنّد مقولة أن الاستعمار الأوروبي الذي اتخذ في أعقاب الحرب العالمية الأولى شكل نظام الانتداب البريطاني هو الذي بذر بذور الحداثة بين سكان لواء القدس – وخلافاً لمعظم الأساطير الصهيونية التي تزعم أن هؤلاء السكان لم يمتلكوا خصائص ثقافية وقومية مميّزة الأمر الذي يجعل قضية رحيلهم أو ترحيلهم عن أرضهم سهلة، كانت تلك الخصائص هي التي ميّزتهم وجعلتهم يتجذّرون في أرضهم.

ينقسم الكتاب إلى عشرة فصول

ينقسم كتاب "لواء القدس" الذي اعتمد المؤلف ماهر الشريف في إنجازه على المنهج الوصفي التحليلي إلى مقدمة وعشرة فصول وخاتمة، وثبت بالمصادر وفهرست أعلام.

يتضمن الفصل الأول عرضاً قصيراً لسيرة جرجي حبيب حنانيا وحيثيات صدور جريدته التي كانت "أول جريدة وطنية دستورية في القدس"، وأفكاره عن الدور التحديثي والتي حوّلت جريدة "القدس" إلى أداة تحريض وتعبئة في المعركة على طريق الارتقاء، وإلى كيفية مقاربة جرجي حبيب حنانيا من خلال جريدته سبل الارتقاء والسير على طريق الحداثة، وذلك من خلال سعيه للإجابة عن السؤال الشهير الذي شغل رواد النهضة العربية وهو: "لماذا تقدموا وتأخرنا؟" ويُبرز تصوره سبل ارتقاء لواء القدس تحديداً في إطار الدولة العثمانية.

يتناول الفصل الثاني مسألة مهمة تتعلق بهوية سكان اللواء كما انعكست على صفحات الجريدة وكيف كانت متعددة الأبعاد إذ هي انطوت من جهة على ولاء مركزي إلى أمة كبيرة متمثّلة بالأمة العثمانية جرى التعبير عنه بالدعوة إلى حماية "الجامعة الوطنية العثمانية والتحذير من مخاطر الثورات والحروب الداخلية التي هي من "شر المصائب التي تدهم البلدان"، وانطوت من جهة ثانية على ولاءات جزئية تمثلت في الولاء إلى "شعب فلسطيني" أو إلى "قطر فلسطيني" وهو ولاء ترافق بضعف الإحساس بالخطر الصهيوني بداية.

يتطرق الفصل الثالث إلى تأسيس متصرفية أو لواء القدس، وإلى أوضاع بعض أقضيته ونواحيه ويتوقف عند (المتصرفين) السنة الذين وقفوا على رأسه خلال الفترة التي تغطيها الدراسة، ويعرض بشيء من التفصيل وقائع انتخابات المجلس العمومي الذي كان يشبه "البرلمان" وتشكّل من عدد من وجهاء اللواء المعينين أو المنتخبين عن أقضيته الخمسة الذين يمثّلون المسلمين والمسيحيين واليهود، والقضايا التي كانت تناقش في إطار شِعَب أو دوائر تهتم بالمعارف والنافعة والزراعة والتجارة والإدارة والأوقاف والعدلية والصحة، وكذلك مضمون المضابط التي كان يرفعها إلى النظارات أو الوزارات المعنية في الآستانة بغية ترقية أوضاع اللواء كما يعرض هذا الفصل بعض مظاهر الحياة العسكرية في اللواء.

أما الفصل الرابع فيتناول سكان اللواء ومسألة الهجرة منه ويعرض مشكلات مدينة القدس التي كانت بمنزلة عاصمة له وانتخابات مجلسها البلدي وتركيبته، كما يتطرق إلى مشكلات بعض مدن اللواء وبلداته ونواحيه، فضلاً عن أوضاع ثلاثة من أقضيته وهي: يافا وغزة وبئر السبع ونواحيها ويسلط الضوء على الأوبئة التي عرفها اللواء وسبل الوقاية منها. ويعالج هذا الفصل من ناحية ثانية أوضاع اللواء الاقتصادية واعتماده على قطاع السياحة بصفته القطاع الاقتصادي الأهم، ويلقي الضوء على أحوال القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة والتجارة واستخراج المعادن وسبل تطويرها، كما يعرض نشاط أبرز الهيئات الاقتصادية الحديثة في اللواء.

الحياة الثقافية في "لواء القدس"

يعرض الفصل الخامس بعض مظاهر الحياة التعليمية والثقافية والعلمية في "لواء القدس"، معيراً اهتماماً كبيراً لمكانة المدارس الوطنية الحديثة وضرورة الاعتماد عليها في تطوير التعليم، وخصوصاً مدرسة "روضة المعارف" و"المدرسة الوطنية الدستورية" في مدينة القدس، ويلقي الضوء على ما كان يدور في بعض الأندية الأدبية والمعارض الفنية، ويتوقف عند الاحتفاء بزيارة أحد كبار الأدباء العرب وهو الأديب اللبناني جرجي زيدان لمدينة القدس، وعند بعض الظواهر العلمية كظاهرة المذنبات وظاهرة الزلازل وظاهرة الطيران.

أما الفصل السادس فيسلط الضوء على الحياة النيابية التي شهدها لواء القدس والتي خيضت فيها "معارك" انتخابية حقيقية بين مرشحين، كما يبرز الصفات "الحسنة" التي يجب أن يتصف بها المرشح للانتخابات، ويعرض الحملات الانتخابية الثلاث لمجلس المبعوثين التي جرت ما بين سنوات 1908 و1914 ومضامين بيانات بعض المرشحين إليها وأسماء الفائزين فيها والاحتفالات التي كانت تجري لوداعهم والمطالب التي كانت تقدم لهم عندما كانوا يغادرون اللواء متوجهين إلى الآستانة.

يلقي الفصل السابع الضوء على النشاط السياسي والاجتماعي في اللواء فيبرز النشاط التنظيمي والسياسي لجمعية "الاتحاد والترقي"، التي انضم إليها عدد كبير من أدباء اللواء وكُتابه ووجهاته ونشاط الجمعيات المتعددة فيه التي شملت جمعيات علمية وأدبية وجمعيات مهنية وتعاونية لمساعدة المعوزين وجمعيات متخصصة لمكافحة تعاطي الممنوعات، فضلاً عن تأسيس جمعية الهلال الأحمر وشعبها ونشاطاتها.

يتناول الفصل الثامن الحياة الدينية في لواء القدس والموقف من الدين ورجاله، وقيام الجريدة بالانفتاح على أتباع الديانات والطوائف المتنوعة، والدعوة إلى الوئام بينهم وكيفية مقاربتها المسألة التي شغلت أتباع الطائفة الأرثوذوكسية آنذاك وهي التي عُرفت باسم مسألة " النهضة الأرثوذكسية، " والتي انطوت على دعوة قسم كبير من أتباع هذه الطائفة إلى "تعريب" البطريركية الأرثوذكسية " والحد من نفوذ الرهبان اليونانيين عليها وكذلك ما عُرف باسم "حادثة الحرم الشريف" التي نجمت عن قيام عالم آثار إنكليزي بإدارة مشروع سري للحفريات أسفل قبة الصخرة وهو ما أثار هياجاً واسعاً بين الأهالي.

ويبرز الفصل التاسع الاحتفالات التي كانت تجري خلال أعياد المسلمين ومراسمهم الدينية وخصوصاً في عيديّ الفطر والأضحى وموسم النبي موسى وأعياد المسيحيين بمختلف طوائفهم، ولا سيما في عيديّ الميلاد والفصح وأعياد بعض القديسين مثل: "عيد مار يعقوب" و "عيد مار الياس"، فضلاً عن الاحتفالات الوطنية العثمانية العامة مثل "عيد الأمة العثمانية" في ذكرى إعلان الدستور وعيد جلوس السلطان على العرش وعيد مولد السلطان.

بينما يركّز الفصل العاشر والأخير على إبراز بعض مظاهر الحياة الفنية الحافلة في لواء القدس والتي شملت فن التمثيل والفرقة المسرحية وأماكن عرضه وتفاعل الجمهور معه، وكان من أبرز الفنون التي انتشرت آنذاك، كما شملت الصور المتحركة وأماكن عرضها والتصوير الفوتوغرافي والرسم والموسيقى والغناء وألعاب السيرك والرياضة، وخصوصاً لعبة كرة القدم التي أدخلها أساتذة أميركيون وإنكليز إلى بعض المدارس الخاصة في اللواء. 

كتاب "لواء القدس وبواكير الحداثة أو متصرفية القدس"، يختصر فيه ماهر الشريف نهضة مجتمع في بداية القرن العشرين ببعض الشخصيات التي ورد اسمها في فصول الكتاب الذي رصدته جريدة "القدس"، في العهد العثماني وكان نهاية حقبة وبداية عهد الانتداب الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه.

 

اخترنا لك