لغة السرد المتمردة في رواية "ختّان الزهور"
لربما كان ميل الكاتب لمنح المرأة مساحة للتعبير سعياً تعويضيّاً عن القمع الذي عاشته. هذا ما يجعل السرد ضليعاً بمهمته الأسمى، وهي بناء عالمٍ موازٍ، ومنح الحياة لأصحاب الأصوات المكتومة.
تحمل رواية "ختّان الزهور" للكاتب السوري علي محمود، الصادرة عن شركة "المطبوعات للنشر والتوزيع" 2025، دلالات رمزية عميقة؛ فالزهور التي تجسد الأنوثة والبراءة، تتشوّه بفعل الحياة ذاتها. والرواية التي تأتي في 116 صفحة تقدم معالجة أدبية وفنية لقضايا اجتماعية حساسة، إذ تتجاوز فيها الممارسة الجسدية إلى الأذى النفسي الذي يتشوه بصورةٍ مديدة، وبفعل المجتمع الذي يختن كل ما هو جميل في الجسد، والحب، والحرية. وكما في عرض الحقيقة، يعمل على بتر الإنسان حتى يصبح مقبولاً اجتماعياً. إلى جانب مسألة الصراع الداخلي الذي يخلقه المجتمع لشخصيات الحكاية التي تمثل عنوانها الأكبر. نطلع هنا على الكيفية التي تمارس فيها التقاليد الصارمة سلطتها على أبطالٍ يعانون العزلة والرغبة المطلقة للحرية. وما يميز الرواية منذ جملتها الأولى، هو ذلك الصوت الأنثوي الفريد؛ الصوت الذي يفتتح الرواية بعبارة: "في البدء كان العماء.. في البدء كان النور.. وأنا الاثنان معاً" هذه الإشكالية الغارقة في التناقض ستحيلنا ومن السطر الأول إلى شخصية تعاني حالة التشظي الداخلي. وهي كذلك الأمر تعلن عن سردٍ لا يلتزم بالخط الزمني، بل يتحرك بوساطة تداعي الذكريات، وكأنّ القارئ لا يقرأ حكاية الأحدث بقدر ما يقرأ خارطة تشكل الوعي الأنثوي في مجتمع صغير قوامه القرية، ويتسع لاحقاً ضمن عوالم البطلة "زهور" ليصل العاصمة بكل ما فيها من فضاءات متناحرة. هذه الصراعات التي تطال علاقة الأخوة ذاتها، وعلاقة السلطة بالشعب، والرجل بالمرأة، هي محاولات لتعرية الجماعة، وكشف الطبيعة السلطوية لممارساتها على الفرد.
تبرز "يوسفية" أو "زهور" وكأنها صوت امرأة وحيدة في مواجهة هيمنة النظام الأبوي، إذ إن ما عاينته من والدها وعمها محمد... دفعها إلى تبني موقفاً متحفظاً من الرجال، لدرجة إنها لم تُظهِر أياً منهم في صورة إيجابية باستثناء "علي" الذي خلّصها من المثقف الذي سعى إلى انتزاعها قسراً، لتبدأ بعد ذلك علاقة عاطفية بينهما. وبينما تركز زهور على العنف الجسدي، وتشير إلى وطأة آثاره الجسدية والنفسية على المرأة، تتشدد في موقفها حيال الرجال والمجتمع ككلّ. بيد أن الفصل الأكثر إيلاماً تمثّل في اغتيال "مريم" التي تصدت لأخيها وأم وليد عندما قامت الأخيرة بتجريد فتيات مختطفات من ملابسهن أمام الناس. وهو مشهد مثّل أبرز العوامل التي أثرت في شخصية "زهور" ودفعها إلى الهرب واتخاذ موقف ضد المجتمع. يتجلى ذلك في القطعة اللحمية التي استأصلها أبو شاكر من تحت سرة فؤاد الصغير ورفضها دفنها بجوار جدار المسجد، ولسبب غير معروف تقذف الفتاة بها إلى كلب عجوز. وعلى الرغم من ادعاء "زهور" عدم معرفتها برمي القطعة، إلا أننا نلتقط الإجابة من خلال ما شهدته وعاشته، وهو ما جعلها تنظر بالقبح والشر إلى كل ما هو مذكّر، وما رميها لقطعة اللحم سوى تعبير عما اختزنته في العمق عن وحشية الرجال في قريتها وجبروتهم.
تستبدل يوسفية اسمها الحقيقي ليصير "زهور"، الأمر الذي يُبرز المهمة الوظيفية للاسم الجديد داخل بنية السرد ذاته. السرد الذي تتسلم زمامه امرأة غاضبة. وهذا التداخل يلفت النظر، وهو بمنزلة تحول في الشخصية لأهداف مرجوة في خاتمة النص. ولربما كان ميل الكاتب لمنح المرأة مساحة للتعبير سعياً تعويضيّاً عن القمع الذي عاشته. هذا ما يجعل السرد ضليعاً بمهمته الأسمى، وهي بناء عالمٍ موازٍ، ومنح الحياة لأصحاب الأصوات المكتومة، وبالتالي إحالة القضية إلى الواقع الحقيقي. ولا يقتصر الأمر في ردات الفعل على جنون الفضاء الروائي من حول النساء على "زهور " فقط. إذ يمثل جنون الأم رمزاً مركزياً يمكن قراءته على مستويات متعددة. فالمرأة بشكل واقعي وقعت على رأسها، واجتماعياً بوصفها حاملة لأسرار المكان تفقد قدرتها على الصمت، لتتحول إلى مهمة جديدة يقدمها لها السرد؛ وهي قول الحقيقة من غير وجل. ففي أحد المشاهد نرى أن الحظيرة التي تختار العيش فيها تعبير عن أنها مكان أفضل من الخارج؛ وهو المجتمع الأكثر انحداراً من الحظيرة، لتعبّر عن ذلك بالتقرب من الحيوانات التي تجد فيها الرأفة أكثر من سكان القرية. وتلك مفارقة تتكرر في أكثر من موضع من الرواية لتؤكد أن القسوة الحقيقية تصدر من البشر لا غيرهم.
وبالعودة إلى صوت "زهور"، فإن اختيار الكاتب لصوت سردي أنثوي هو تحدٍّ آخر للأدب والمجتمع معاً، فالرواية فنّ مضاد للنموذج التقليدي للحياة، وهي أداة للسخرية مما تعرضت له نساء القرية إلى جانب زهور التي تلجأ إلى العاصمة ومن بعدها إلى الشعر. إلا أنها تصل مجروحة، وقلقة، ومحمّلة بإرث أمها. هذا التناقض يمنح النص عمقه الإنساني، ويعكس الصراع الداخلي والخارجي للأفراد الذين يستمرون في العيش تحت قسوة التقاليد. ويطرح أسئلة قوية حيال الحق في تقرير المصير والكرامة الإنسانية. وبوساطة لغة مكثّفة لا يتحدث علي محمود عن ختان الجسد فحسب، بل عن مجتمع يقطع من الإنسان كل ما يجعله حراً وجميلاً، ثم يطلب إليه العيش بصورة طبيعية. هي الرواية بجرأتها الفكرية وكثافتها الرمزية، لتنتهي إلى الكتابة بوصفها علاجاً، وإلى الشعر بقدرته على محاربة الأسى. "قررتُ أن أنتقم بالكتابة ولكن ممن؟" تقول زهور في النهاية كما لو أن الكتابة عالمها الذي يخلصها من الضيق، وأداتها في محاربة خصومها. ووسيلتها الوحيدة في وأد الذكريات التي عاشتها في قريتها، وفي بلادٍ ذات قوانين ضالة، وأعراف تعتبر المرأة متاعاً ليس أكثر. وأيضاً من الأب الذي يقبل بأن يكون صورة عن باقي الرجال في محيطه.