مصر بين واشنطن وبيجين.. ماذا يريد شي جين بينغ من القاهرة؟
الصين تريد أن تثبت أنّ شراكتها مع مصر يمكن أن تنتقل من البنية التحتية التقليدية إلى البنية التكنولوجية للمستقبل. والولايات المتحدة، في المقابل، تريد الحفاظ على موقعها في التكنولوجيا المتقدّمة.
-
ماذا يريد شي جين بينغ من القاهرة؟
لم تعد زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تُقرأ فقط من زاوية العلاقات السياسية والاقتصادية التقليدية بين القاهرة وبيجين. فهذه الزيارة تأتي في لحظة يتحوّل فيها التنافس الصيني - الأميركي تدريجياً من التجارة والرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد إلى مجال أكثر حساسية واستراتيجية: الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مصر، بعدما كشفت تقارير عن تقديم شركة هواوي الصينية عرضاً للحكومة المصرية لإنشاء بنية تحتية متقدّمة للذكاء الاصطناعي، تتضمّن آلاف الشرائح الحوسبية، في وقت تتحرّك فيه واشنطن لتقديم عرض منافس بمشاركة شركات أميركية كبرى، من بينها Nvidia وAMD وMicrosoft.
اللافت أنّ مصر لم تعلن رسمياً حتى الآن اختيار هواوي، ولم تعلن إسناد المشروع إلى الصين. وهذه النقطة مهمة للغاية؛ لأنها تشير إلى أنّ القاهرة لا تتعامل مع المشروع باعتباره صفقة تكنولوجية فحسب، وإنما باعتباره قراراً له تداعيات اقتصادية واستراتيجية وجيوسياسية طويلة الأمد.
من هنا يمكن فهم جانب مهم من زيارة شي جين بينغ: الصين تريد توسيع شراكتها مع مصر في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، بينما تريد القاهرة الاستفادة من المنافسة بين القوى الكبرى من دون أن تتحوّل إلى ساحة جديدة للصراع بينها.
لماذا تريد الصين موطئ قدم للذكاء الاصطناعي في مصر؟
كانت أهمية مصر الجيوسياسية في الماضي مرتبطة أساساً بموقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وبقناة السويس والبحر الأحمر والبحر المتوسط. لكنّ مفهوم الموقع الاستراتيجي يتغيّر في عصر الاقتصاد الرقمي.
فكما أصبحت الموانئ والمطارات والطرق التجارية مكوّنات أساسية للقوة الاقتصادية في القرن العشرين، أصبحت اليوم الكابلات البحرية ومراكز البيانات والقدرة الحوسبية والرقائق الإلكترونية جزءاً من البنية الأساسية للقوة في القرن الحادي والعشرين.
من هذه الزاوية، تبدو مصر شريكاً بالغ الأهمية للصين. فهي دولة ذات سوق ضخمة، وموقع جغرافي فريد، وشبكات اتصالات دولية، وارتباط مباشر بالشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا. وبالتالي فإنّ مركزاً متقدّماً للبيانات والذكاء الاصطناعي في مصر يمكن، من حيث المبدأ، أن يخدم سوقاً إقليمية تتجاوز الحدود المصرية. وهذا ما يجعل المسألة بالنسبة لبيجين أكبر من بيع أجهزة أو خوادم.
في حزيران/يونيو 2026 أفادت رويترز، نقلاً عن بلومبرغ، بأنّ الصين تُعدّ خطة بنحو تريليوني يوان، أي نحو 295 مليار دولار، على مدى خمس سنوات لبناء شبكة وطنية مترابطة من مراكز البيانات والحوسبة.
الصين تريد بناء منظومة تكنولوجية عالمية قادرة على تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية، وفي الوقت نفسه فتح أسواق خارجية أمام شركاتها. وهواوي تمثّل أحد أهمّ أذرع هذه الاستراتيجية.
إذا تمكّنت هواوي من بناء منظومة ذكاء اصطناعي متقدّمة في مصر، فإنها لا تدخل سوقاً جديدة فقط، وإنما تحصل على موطئ قدم في واحدة من أهمّ الدول العربية والأفريقية. وهنا تكمن القيمة السياسية للمشروع.
إنّ وجود بنية صينية متقدّمة للحوسبة والذكاء الاصطناعي في مصر يمكن أن يجعل القاهرة مركزاً محتملاً لخدمات رقمية تمتد إلى دول عربية وأفريقية أخرى. وهذا يمنح الصين فرصة لتوسيع نفوذها التكنولوجي خارج حدودها، كما يمنح مصر فرصة لتطوير نفسها كمركز إقليمي للاقتصاد الرقمي.
لهذا فإنّ زيارة شي إلى القاهرة تأتي في توقيت بالغ الدلالة: فالصين لا تسعى فقط إلى زيادة التجارة والاستثمار، وإنما إلى توسيع طبيعة الشراكة لتشمل التكنولوجيا المتقدّمة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
هواوي وإنفيديا.. عندما تتحوّل الرقائق إلى جغرافيا سياسية
المنافسة حول مركز البيانات المصري لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها منافسة تجارية عادية بين شركتين. إنها جزء من صراع أكبر بين منظومتين تكنولوجيتين.
هواوي تحاول بناء بديل صيني لمنظومة الذكاء الاصطناعي التي تقودها الشركات الأميركية، وفي مقدّمتها Nvidia، التي أصبحت رقائقها المتقدّمة واحدة من أهمّ مكوّنات البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي.
تشير التقارير إلى أنّ عرض هواوي لمصر يتضمّن 1,408 شرائح من سلسلة Ascend 950 للتدريب، إضافة إلى 600 شريحة أخرى للاستدلال، بإجمالي 2,008 شرائح، إلى جانب بناء وتشغيل البنية التحتية اللازمة.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في عدد الشرائح. فالرقائق هي "العقل المادي" للذكاء الاصطناعي. وكلما زادت قدرة الدولة على امتلاكها وتشغيلها، زادت قدرتها على تدريب النماذج الذكية وتشغيلها وتطوير تطبيقات متقدّمة في الصناعة والاقتصاد والخدمات الحكومية وغيرها. ولهذا أصبحت الرقائق نفسها أداة من أدوات القوة الدولية.
على الجانب الأميركي، تتحرّك واشنطن لتقديم بديل يتضمّن شركات مثل Nvidia وAMD وMicrosoft وبالتالي فإنّ القاهرة تجد نفسها أمام منافسة تتجاوز التكنولوجيا إلى سؤال استراتيجي أوسع: أيّ منظومة تكنولوجية ستصبح جزءاً من البنية الرقمية المصرية؟
هذا السؤال مهم لأنّ مراكز البيانات ليست أجهزة يمكن استبدالها بسهولة بعد سنوات قليلة. فعندما تُبنى البنية التحتية، وتُدرّب الكوادر، وتُطوّر البرمجيات، وتُربط الشبكات والخدمات، يصبح الانتقال إلى منظومة مختلفة أكثر كلفة وتعقيداً.
ولهذا تسعى كلّ من واشنطن وبيجين إلى ضمان موطئ قدم مبكر في سوق الذكاء الاصطناعي المصري.
من منظور الصين، سيكون الفوز بالمشروع إنجازاً سياسياً وتكنولوجياً؛ لأنه يثبت أنّ منظومة Huawei Ascend قادرة على التوسّع خارج السوق الصينية.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنّ منع تحوّل مصر إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا الصينية المتقدّمة يمثّل هدفاً استراتيجياً بحدّ ذاته. وبذلك تصبح مصر، من دون أن تسعى إلى ذلك، في قلب واحدة من أهمّ ساحات المنافسة التكنولوجية في العالم.
لماذا لا تريد القاهرة أن تختار بين واشنطن وبيجين؟
هنا تظهر النقطة الأكثر أهمية في قراءة الموقف المصري. فحتى الآن، لم تعلن مصر رسمياً اختيار هواوي لتنفيذ مشروع مركز البيانات، ولم تعلن توقيع اتفاق نهائي مع الصين بشأن هذا المشروع تحديداً.
هذا يعني أنّ الباب لا يزال مفتوحاً أمام الخيارات المختلفة. ومن الخطأ تفسير ذلك على أنه تردّد مصري، بل يمكن قراءته باعتباره شكلاً من أشكال التحوّط الاستراتيجي وإدارة التوازن بين القوى الكبرى.
مصر لديها علاقات تاريخية واستراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة، في الوقت نفسه الذي طوّرت فيه خلال السنوات الأخيرة شراكة متنامية مع الصين.
القاهرة تدرك قيمة التكنولوجيا الصينية وقدرة الشركات الصينية على تنفيذ مشاريع ضخمة بسرعة وبشروط تمويلية وتجارية تنافسية. لكنها تدرك أيضاً أنّ الولايات المتحدة ما زالت تمتلك موقعاً متقدّماً جداً في الرقائق والبرمجيات والحوسبة والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن العلاقات الاقتصادية والأمنية الواسعة التي تربطها بمصر.
لذلك فإنّ السؤال المصري الحقيقي ليس: هل نختار الصين أم الولايات المتحدة؟ بل: أيّ خيار يحقّق أكبر منفعة لمصر؟ وهنا يمكن للقاهرة أن تحوّل المنافسة الصينية - الأميركية من عبء جيوسياسي إلى ورقة تفاوضية.
كلما زادت المنافسة بين الطرفين، ازدادت قدرة مصر على التفاوض للحصول على شروط أفضل في مجالات مثل السعر، ونقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر، والاستثمار، وأمن البيانات، وتطوير البنية التحتية المحلية.
هذا يتفق مع نهج أوسع في السياسة الخارجية المصرية يقوم على تنويع الشراكات وعدم الاعتماد على قوة دولية واحدة. فالقاهرة لا تريد أن تصبح جزءاً من معسكر صيني في مواجهة الولايات المتحدة، كما أنها لا تريد أن تتحوّل إلى طرف في استراتيجية احتواء الصين.
مصر تريد أن تتعاون مع الصين حيث تخدم التكنولوجيا الصينية مصالحها، وأن تحافظ على تعاونها مع الولايات المتحدة حيث تحقّق التكنولوجيا والشراكة الأميركية قيمة أكبر. وهذه ليست معادلة سهلة، لكنها تمنح مصر هامشاً واسعاً للمناورة.
الأهمّ أنّ القاهرة يجب أن تتجنّب أن يتحوّل مركز البيانات إلى مجرّد رمز للنفوذ الصيني أو الأميركي. فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون: هل يؤدّي المشروع إلى بناء قدرة مصرية مستدامة؟
إذا كان المشروع سيؤدّي إلى تدريب المهندسين المصريين، ونقل المعرفة، وتطوير شركات محلية، وربط الجامعات بمراكز البحث، وإنتاج تطبيقات مصرية للذكاء الاصطناعي، فإنه يصبح مشروعاً وطنياً. أما إذا اقتصر على استيراد المعدّات وتشغيلها بواسطة شركات أجنبية، فستظلّ مصر مستخدماً للتكنولوجيا، لا منتجاً لها.
مصر لا تريد أن تكون ساحة للصراع.. بل مستفيداً من المنافسة
المفارقة أنّ المنافسة بين الصين والولايات المتحدة قد تكون واحدة من أكبر الفرص أمام مصر، إذا تمكّنت القاهرة من إدارتها بذكاء. فالدول الكبرى تتنافس على الوصول إلى السوق المصرية، وعلى بناء شبكاتها التكنولوجية فيها، وعلى توسيع حضورها في الشرق الأوسط وأفريقيا. ومصر تستطيع أن تستخدم هذا التنافس للحصول على أفضل ما لدى الطرفين.
لكن عليها في الوقت نفسه أن تضع حدوداً واضحة، وأول هذه الحدود هو سيادة البيانات. فمراكز البيانات ستتعامل مع كميات ضخمة من المعلومات الحكومية والاقتصادية والمجتمعية، ولذلك يجب أن تكون هناك قواعد صارمة لحماية البيانات وتحديد مكان تخزينها ومعالجتها.
وثانيها الاستقلال التكنولوجي. فلا ينبغي أن يؤدّي المشروع إلى اعتماد كامل على منظومة واحدة بحيث تصبح مصر غير قادرة على تغيير المورد أو تطوير بدائل محلية.
وثالثها نقل المعرفة. فالمعيار الحقيقي لنجاح أيّ شراكة تكنولوجية ليس عدد الخوادم أو الرقائق التي تصل إلى مصر، وإنما عدد المهندسين والخبراء والشركات المصرية التي تستطيع بعد سنوات تشغيل التكنولوجيا وتطويرها بصورة مستقلة.
من هنا، فإنّ أفضل استراتيجية مصرية ليست اختيار الصين ضدّ أميركا أو أميركا ضدّ الصين. إنها اختيار مصر أولاً. وهذا يعني أن تترك القاهرة الباب موارباً أمام الطرفين، وأن تقارن العروض ليس فقط من حيث التكلفة، وإنما من حيث القيمة الاستراتيجية طويلة المدى.
فإذا قدّمت الصين أفضل عرض في مجال البنية التحتية ونقل التكنولوجيا، يمكن لمصر أن تتعاون معها. وإذا قدّمت الشركات الأميركية تكنولوجياً أكثر تقدّماً أو شروطاً أفضل في مجال آخر، يمكن للقاهرة أن تتعاون معها أيضاً.
المهم ألّا تتحوّل مصر إلى ساحة صراع بالوكالة. فالولايات المتحدة والصين تنظران إلى التكنولوجيا باعتبارها عنصراً من عناصر القوة الوطنية. ومصر، بحكم موقعها وعلاقاتها، أصبحت جزءاً من هذا التنافس بصورة أو بأخرى. لكن لديها فرصة نادرة لتحويل موقعها من "ساحة تنافس" إلى مركز جذب للتنافس. وهنا تصبح زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة ذات دلالة تتجاوز العلاقات المصرية - الصينية التقليدية.
فالصين تريد أن تثبت أنّ شراكتها مع مصر يمكن أن تنتقل من البنية التحتية التقليدية إلى البنية التكنولوجية للمستقبل. والولايات المتحدة، في المقابل، تريد الحفاظ على موقعها في التكنولوجيا المتقدّمة ومنع منافستها الصينية من بناء نفوذ رقمي واسع في منطقة استراتيجية.
أما مصر، فتقف بين الطرفين، لكنها ليست بالضرورة مضطرة إلى الاختيار. ففي عالم تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، قد تكون القوة الحقيقية للدول المتوسطة ليست في الانضمام إلى أحد المعسكرين، وإنما في امتلاك القدرة على التعامل مع الجميع من موقع المصلحة الوطنية.
لهذا فإنّ قصّة مركز البيانات المصري تحمل دلالة أكبر من المشروع نفسه. إنها تعكس انتقال الصراع الدولي من السيطرة على النفط والممرات التجارية إلى المنافسة على البيانات والرقائق والحوسبة والذكاء الاصطناعي.
ومن يملك القدرة الحوسبية سيملك جزءاً متزايداً من القوة الاقتصادية والعسكرية والعلمية في المستقبل. لذلك، فإنّ السؤال الأهمّ بالنسبة لمصر ليس: هل سيكون مركز البيانات صينياً أم أميركياً؟ السؤال الأهمّ هو: هل تستطيع مصر أن تجعل من التنافس بين الصين والولايات المتحدة فرصة لبناء مركز عربي وأفريقي مستقلّ للذكاء الاصطناعي.
إذا نجحت في ذلك، فلن تكون القاهرة مجرّد طرف يتلقّى عروضاً من القوتين العظميين، بل ستصبح طرفاً يمتلك القدرة على التفاوض معهما، واستثمار تنافسهما، وبناء قوة تكنولوجية وطنية تخدم مصالحها.
وهنا تحديداً تكمن أهمية زيارة شي جين بينغ: فالمنافسة على مستقبل الذكاء الاصطناعي قد تمرّ عبر القاهرة، لكنّ القرار النهائي بشأن موقع مصر فيها يجب أن يبقى قراراً مصرياً.