قرية المائة: عندما تتصالح الشعوب مع الأوهام
لغة رحاب لؤي في"قرية المائة" لغة شيّقة، عارفة بأحوال وعادات الريف المصري قادرة على الغوص في عوالم هذا الريف ورسم مشاهده وشخصياته ويوميّاته وشظف عيشه بأسلوب سلس ولغة طيّعة تمتزج فيها العامية بالفصحى بعين راصدة لأدقّ التفاصيل.
-
قرية المائة: عندما تتصالح الشعوب مع الأوهام
تنحو رواية"قرية المائة" للمصرية رحاب لؤي الحائزة على المرتبة الأولى في جائزة خيري الشلبي للرواية للعام 2024 منحى الأعمال الروائية العربية التي احتذت النموذج الماركيزي المعروف بالواقعية السحرية في مقاربتها لموضوعات التغيير والإصلاح المجتمعي في العالم العربي، فهي ـــــ أي الرواية ـــــ تذهب إلى الغرائبية بنكهة ريفية مصرية خالصة تشتغل على القرية كمجتمع معزول له قوانينه الخاصة وزمانه الذي يبدو راكداً لا يتحرّك ولا يريم.
ما يميّز هذه الرواية الصادرة عن "دار الشروق" في القاهرة عن أدبيات الواقعية السحرية التقليدية هو أنها لا تذهب بعيداً في الخيال والأسطرة والفانتزيا، بل تبقى سرديتها مغروسة في أرض مصر، في غيطانها وطميها، وذاكرتها القروية العصيّة على النسيان.
"كانت قدما داوود العاريتان تحاولان اللحاق بأخفاف سرب الجمال الجامحة نحو أرض جابر، تحمل ظهورها كميات ضخمة من قشر الأرز، ترمح بخفة وسهولة، حياتها ليّنة ورحبة، ما إن تلمس الأرض حتى تتسع بالقدر المطلوب..". إننا إزاء نصّ أدبي تحضر فيه الغرائبية كرؤية وظلال وخلفيّة وليس كجنس أدبي مستقل بحسب نظرية تودوروف، وهذا ما تبدّى جلياً في شخصية عوض الصغير، الطفلة التي أطلق عليها هذا اللقب الذكوري لشبهها الكبير بأبيها عوض الذي اعتبر يوم ولادتها يوم شؤم حلّ في بيته، فاعترض منذ اللحظة الأولى على وجود هذه الطفلة الممسوسة التي يتلبّسها الجني عمير الذي يتلبّس المولودين الجدد غير المرحّب بهم من قبل آبائهم .
على مذهب جان نويل الذي يتخذ القصّ وسيلة وأداة للسرد من دون أن تتخلّى عن أدبيتها وواقعيتها تبني رحاب لؤي أسطورتها المحلية على فكرة عجائبية قوامها قرية في صعيد مصر يبلغ تعداد سكانها مئة إنسان لا يزيدون ولا ينقصون، فإذا ولد لهم ولد وزادوا فرداً، ينبغي أن يختفي شخص مقابله. وكان على العمدة أن يختار مكانه الشخص المختفي الذي يدعى المختار كي يغادر القرية ويفسح مكانه للمولود الجديد .
يعدّ العمدة لائحة بأسماء المختارين وهم عادة غير محصورين بفئة معيّنة فقد يكون المختار رجلاً أو امرأة، شاباً أو طفلاً أو شيخاً، أما الذكور النجباء فهم الأَولى بالاختيار، بعد أن يحدّد العمدة الشخص المختار يوصله إلى بوابة السعادة الأبدية في منزل توفيق النائي الكائن على ربوة قصيّة على ضفاف النيل، وتوفيق هو العارف بالله والولي الصالح الذي تعيش "قرية المائة" ببركة دعائه وطهره، فهو الذي يمنع غرق القرية تحت طوفان النيل وبفضل طهره وبركته تنعم القرية بالهدوء والسكينة والرخاء.
على عاتق العمدة تقع مهمة الحفاظ على هذا النظام الصارم الذي يحفظ "قرية المائة" من الزوال، فالعمدة وهو حفيد العمدة عثمان الكبير الذي يعود إليه منبع أسطورة "قرية المائة".
هل هي إشارة من الكاتبة إلى النظام الدولي الذي لم يتسع لمزيد من البشر فوق الأرض؟ لذلك راح يوقد النار تحت قدور الفتن والحروب العبثية والاحتلالات والمجازر الجماعية ويستنبت الكثير من الأوبئة المصطنعة .
على أنّ الفكرة الأخطر التي تشير إليها رواية "قرية المائة" هي الإشارة إلى المؤامرة العالميّة التي تقضي بإخفاء الذكور النجباء والأذكياء كي لا يتسنّى للقرية إعداد النخبة المتعلّمة ورأس المال البشري الكفؤ الذي يقود المجتمع إلى مرحلة تحقيق شروط الإقلاع على حدّ "ويتمن روستو"، وهكذا تبقى السلطة والقرارات في يد مجموعة من المناوئين لعملية التغيير والتنمية والإصلاح، وهم غالباً من عملاء الاستعمار العالمي، ووكلائه للسيطرة على الشعوب ونهب ثرواتها.
على أنّ إبداع رحاب لؤي يكمن في ختام روايتها وفي الرؤية التي ضمّنتها خاتمة هذه الرواية، فعندما جاءت سعدية زوجة العمدة الثانية وغنوجته التي وظّفت كلّ إمكانياتها الأنثوية للوصول إلى قلبه وإزاحة زوجته الأولى "أنهار" عن المشهد وتركتها يائسة محبطة تسمع بأذنيها صوت العمدة وهو يناغيها ويغنّجها، فتلوك عجزها بمرارة وقنوط تنتظر دورها لتكون أول المختارين في المقبل من الأيام.
من بيت العمدة راحت سعدية تعمل على كشف الحقيقة، وفضح الأوهام، وعندما توصّلت إلى فكّ شفرة الخرافة وأطلعت "أنهار" عليها وأنقذتها من الموت المحتم، جاء ذلك اليوم الذي أعلنت سعدية فيه الحقيقة على الملأ وأمام أهل القرية وهي أنّ بيت السعادة ما هو إلا بئر نتنة مليئة بالجثث يلقى فيه كلّ شخص مختار في بيت توفيق النصّاب ليرسله بدوره إلى العالم الآخر..
ولكن كيف استقبل العمدة وأهل القرية هذه الحقيقة وهي تتعرّى أمام أعينهم، ردّة فعل العمدة كانت كردّة فعل أيّ طاغية مستبد يرفض يعاند ويتشبّث بموقعه وامتيازاته لذا يأمر فوراً بأن تكون سعدية هي المختارة القادمة، لتحلّ محلّ ضرّتها "أنهار" أوّل شخصية مرشّحة للموت، أما أهل القرية فهم كمعظم الشعوب المضطهدة التي تفضّل الوهم على الحقيقة، وسلاسل القيود والاستعباد على الحرية لذلك لم تند عن أهل القرية أية صرخة اعتراض على الحكم الصادر بحقّ سعدية، غادروا إلى بيوتهم وتركوها لمصيرها المحتوم وهو الموت في قاع البئر، حتى "أنهار" كانت أوّل المغادرين من بين الجمع الغفير و"كانت خطواتها ثقيلة لكنها واثقة حتى خيّل لسعدية في الأعلى أنها تخطو فوق صدرها. نظرت وراءها إلى أعلى صوب سعدية الواقعة هناك، نظرة من دون معنى، ثم لم يعد لها أثر وسط الجموع".
أليس هذا هو واقع الشعوب المضطهدة على مرّ التاريخ تستعذب الخرافات والأساطير وسلاسل القيود وتفضّلها على التحرّر والتنوير.
لغة رحاب لؤي في" قرية المائة" لغة شيّقة، عارفة بأحوال وعادات الريف المصري قادرة على الغوص في عوالم هذا الريف ورسم مشاهده وشخصياته ويوميّاته وشظف عيشه بأسلوب سلس ولغة طيّعة تمتزج فيها العامية بالفصحى بعين راصدة لأدقّ التفاصيل.
"بحذرٍ أكبر امتدّت الأيدي تلمس الجبن القديم لمساً، هكذا فعل الجميع، كأنه اتّفاق مسبق على أن تكون اللقم كبيرة واللمسات خفيفة لسطح الجبن".
بهذا الوصف لأثاث البيت الريفي المتقشّف وخزانة الملابس والطبلية التي تمتدّ إليها الأيادي الكادحة، ناهيك بوصف عن تعامل الفلاحين الفجّ مع زوجاتهم. "حسنيّة تروحي إنتِ يجي غيرك"، "الحمير بس اللي بتولد بعد العاشر"، ووصفه لها بالأرض البور رغم إنجابها ثمانية أبناء. "بقالك قد إيه مشفتيش نفسك في المراية يا حسنيّة؟ حلاوة إيه دي! وليّة تعبانة في عينيها..."
تغرف الرواية من فضاءات الريف وأجوائه لتحكي قصة التحالف العميق بين السلطتين المادية القمعية (العمدة)، والمعنوية الدينية (توفيق)، هذا التحالف الوثيق الذي أبقى البلدان النامية على ما هي عليه من التخلّف وعدم اللحاق بقطار التنمية والتطوّر، وعندما تهبّ رياح التغيير يكون مصيرها الإقصاء والتهميش والذوبان كعاصفة في فنجان.