عن الوعي الفردي وغياب الموقف العربي
إن هذه أمتنا، أمة واحدة، كما جاء في محكم التنزيل، ويجب أن تعود إلى حياض الشورى، وتقبل الاختلاف على قاعدة البناء، والسعي نحو تعزيز اتحاد حقيقي يجمع ولا يفرق، فنحن لدينا تاريخ وثقافة ولغة ودين واحد.
عاد ابني أسامة من مدرسته غاضباً، وصار يتمتم بكلام كثير، وحين ناديته أخبرني أن معلمة مادة الجغرافيا، تحدثت عن دولة الاحتلال، وأن عاصمتها "تل أبيب"، لذلك استشاط ابني غضباً، وصار يشرح لزملائه - متعددي الجنسيات - بعد انتهاء الحصة عن الاحتلال، وكيف قام بسرقة أراضينا، وقتل أجدادنا وما يجرى الآن في لبنان وقطاع غزة، ثم حاول الحديث عن حجم التناقض في الموقف الغربي.
هذا السلوك العفوي لفتى في سن المراهقة، دفعني لإدراك جملة أشياء، أهمها أن الارتباط بالوطن قد يكون في الخارج أحياناً أكثر أهمية من العمل في الداخل، خصوصاً مع الانتشار في ثقافات مختلفة، وهو ما يعيد طرح سؤال: أين الدبلوماسية العربية - وليس الفلسطينية فقط - تجاه دولة الاحتلال؟
الأمر الآخر، وأمام العدوان السافر على لبنان، وجنوبه تحديداً، واستمرار عمليات القتل الممنهج في غزة، يدفعنا لنستهجن حالة التفكك وتصنيف الأمة إلى لون سني وآخر شيعي، في حين أن معظم الذوق الغربي اليوم يناهض دولة الاحتلال، ويرفض الحرب على إيران وكذلك الحروب التي تقودها الولايات المتحدة و"إسرائيل" بحق لبنان، فلماذا لا يكون العربي أكثر ولاء لقضيته الأساس؟
والسؤال الأكثر جرأة: هل هناك بالفعل غرف عمليات مشتركة للأنظمة العربية والمخابرات الأميركية لكي يتم تدمير مواطن النضال ضد الاحتلال في غزة ولبنان وأيضا إيران؟
إذ كيف يمكن الوثوق بمن أعلن أكثر من مرة عن رغبته بتوسيع دولة "إسرائيل الكبرى" لتَغتصِب جيوبولتيكيا الدول العربية المجاورة؟ هل هي مازوشية عربية تعاني منها الأنظمة؟ ولماذا يجب صناعة عدو وهمي، في حين أن هناك عدو حقيقي، يعلن بكل وقاحة نيته السيطرة على مقدرات الأمة؟ وأين النخبة مما يجري؟ أين الإعلام الذي يجب أن يقول بكل جرأة "لا للقواعد الأميركية في المنطقة؟"، ولماذا بات يظهر على السطح شبان غارقون في وحل التبعية والانحدار، بالدفاع عن الاحتلال؟ ومهاجمة كل صوت حر ووطني يدفع عن المقاومة؟ لدرجة أنهم ينتشرون على صفحات السوشيل ميديا بشكل واضح، لدرجة أن صار لهم أتباعاً يصفقون لهم، يهللون لأميركا التي قتلت ملايين الأطفال في العراق وأفغانستان وباكستان وكوبا وفيتنام وغيرها، حتى بات الواحد يعيد سماع ما قاله الشهيد الراحل صلاح خلف، من أن الخيانة باتت وجهة نظر.
ولكن حسب المرء أن التاريخ يسجل ولا ينسى "أبو رغال" الذي بال عليه العرب حين دل أبرهة الحبشي عن مكان الكعبة المشرفة.
لعلنا اليوم بحاجة إلى استثمار كل أدوات الإعلام الجديد، لكشف جرائم الاحتلال التي كان آخرها في الضفة الغربية مثلاً قتل عائلة، ذهبت لشراء ملابس العيد، وحين سأل الطفل الجندي المدجج بالحقد، أليس لك أب وأم، فلماذا تفعل هذا بأبي، فأجاب ذلك المجرم: "إنتو حيوانات".. والمواطن العربي في قرارة نفسه يعرف أن العقلية الصهيونية تؤمن أن الرب خلقنا على شاكلة تشبههم، كي لا يشعرون بالاشمئزاز منا، ولكننا "حيوانات" حسب تلمودهم، وهذا ما صرح به المجرم وزير الحرب الإسرائيلي السابق، يوآف غالانت، عن أن أهل غزة "حيوانات بشرية".
والعالم اليوم - بكل حزن - ينقسم إلى جمهورين، أحدهما يتبنى المقاومة ضد الاحتلال، وآخر هوى في مستنقع التبعية، والولاء الأعمى الذي سيدفع ثمنه كل العرب لاحقاً. إن لم نتدارك المصيبة، فهم سيتقربون بالمزيد من دمنا إلى ربهم، ربهم إله القتل.
وكم كان مهماً الدعوات التي أطلقها كثير من علماء الأمة سابقاً إلى رأب الصدع بين مذاهب وطوائف الأمة الإسلامية، فقد جاء محمد عليه السلام، ولم يكن هناك فرق أو طوائف، ولم ينزل الدين على سنة أو شيعة، بل أمة واحدة سعى ابن سبأ ومَن بَعده لتفتيت عضدها، وما زال التشرذم مستمراً، طالما بقي الاحتلال جاثماً في قلب منطقة الشرق الأوسط.
ولعل ما كتبه الشاعر أحمد مطر ذات قصيدة، يؤكد كيف للاحتلال أن يصنع الفُرقة بين الناس، لأنه لا يعيش إلا في مجتمعات مفككة، وقد كان مطلع القصيدة: "اثنان لا سواكما، والأرض ملك لكما/ لو سار كل منكما بخطوه الطويل/ لما التقطت خطواتكما إلا خلال جيل"، ويختم قصيدته بعد مقتل هابيل: "من زرع الفتنة ما بينكما، ولم تكن في الأرض إسرائيل".
إن هذه أمتنا، أمة واحدة، كما جاء في محكم التنزيل، ويجب أن تعود إلى حياض الشورى، وتقبل الاختلاف على قاعدة البناء، والسعي نحو تعزيز اتحاد حقيقي يجمع ولا يفرق، فنحن لدينا تاريخ وثقافة ولغة ودين واحد، ونحن الأجدر من أي أمة أخرى بالوحدة والنهضة والبناء، فمن يأخذ بزمام المبادرة يستطيع أن يعيد للأمة مكانتها بين الأمم، وهنا يكمن دور النخبة من خلال تعزيز ذلك الدور بالكتابة وبالفن والسينما وكذلك الإعلام، لأهمية دوره في الوعي الشعبوي من المحيط إلى الخليج. ثم علينا جميعاً أن نتكاتف للذود عن غزة ولبنان وكل مكان يصارعه الاحتلال، كي لا نندثر كأمم كثيرة ما عاد لها حضور، سوى في كتب التاريخ.
