علي شعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني: شهداء حرب الصورة

ماذا يكشف استشهاد الزملاء فاطمة فتوني، ومحمد فتوني، وعلي شعيب؟ وكيف فضح استشهادهم الطابع الإبادي للاحتلال الإسرائيلي؟

بعد اغتيال المسؤول الإعلامي في حزب الله، محمد عفيف، نشر المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، تغريدةً في منصة "إكس" أطلق فيها تهديداً صريحاً للإعلاميين العاملين في وسائل إعلام المقاومة، متذرعاً بأن صفتهم الإعلامية ليست سوى "قناع" يخفي انتماءهم التنظيمي (العسكري). وختم تغريدته تلك بسؤالٍ ذي نبرة إجرامية واضحة: "قناع من سيسقط لاحقاً؟". 

انتهت حرب الــ 66 يوماً باتفاقٍ نصَّ على وقف إطلاق النار وانتهاء العمل العسكري، غير أن الجبهة الإعلامية لم تخمد بل ظلَت مشتعلَة، إذ بقي الناطق السابق باسم جيش الاحتلال يأخذ من "إكس" ساحة حرب، يهدد منها ويتوعد بقتل الإعلاميين المناصرين للمقاومة على نحوٍ يومي.

ففي 27 آذار/مارس الجاري نشر أدرعي تغريدة مرفقة بصورة لجنديين إسرائيليين في الجنوب اللبناني، فيما سماه "حرب الصورة"، وجه فيها خطاباً مباشراً لكل من الصحافيين علي مرتضى ومحمد مرتضى وعلي شعيب، مختتماً بعبارة مقتضبة تنطوي على تهديد مباشر: "وصلت الرسالة؟".

لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى ترجمت هذه الرسالة. في اليوم التالي، استشهد مراسل "المنار" الصحافي، علي شعيب، كما استشهدت مراسلة قناة "الميادين"، فاطمة فتوني، وشقيقها المصور، محمد فتوني، إثر غارة معادية نفذتها مسيّرة إسرائيلية استهدفت سيارتهم في قضاء جزين.

باتوا هم الحدث والصورة

  • الزميلة الشهيدة فاطمة فتوني
    الزميلة الشهيدة فاطمة فتوني

انضم كل من علي شعيب وفاطمة فتوني وشقيقها محمد إلى قائمة الشهداء الذين قتلتهم "إسرائيل". هو قتلٌ متعمدٌ، أي قتلٌ مقصود، هي جريمة فاحشة مكتملة الأركان، وقعت على الشكل الآتي: عند ظهيرة نهار الـ28 من آذار/مارس 2026، وعلى طريق عام كفرحونة في قضاء جزين استهدفت مسيرة إسرائيلية سيارة كان يستقلها الشهداء الثلاثة.

وعلى إثر الغارة، حضرت سيارة إسعاف تابعة للهيئة الصحية الإسلامية إلى مكان الجريمة، فأغار جيش العدو على الفور عليهم مجدداً، ما أدى إلى استشهاد الطاقم الطبي برمته إضافة إلى جندي في الجيش اللبناني كان برفقتهم. 

في فيديو صوره مجهول كان في مكان الحدث، يظهر انفجار ثان يطال السيارة. هذا المقطع المصور، الذي يُفترض أن يكون شاهداً على الجريمة جرى توظيفه على نحوٍ معكوس من قبل البعض الذين يروجون لأسطورة "الجيش الأكثر أخلاقاً في العالم"، هؤلاء الذين يمكن تسميتهم بمناصري "محور إبستين". فقد سارعوا إلى إلباس الشهداء الثلاثة "شبهة" ملفقة، مستندين إلى الانفجار الثاني بوصفه "دليلاً" على تورط الشهداء في "نقل السلاح". 

لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى ترجمت رسالة أدرعي، إذ استُهدف الصحافيون بشكل مباشر، في مشهد يعكس ترابط التهديد بالفعل، وتحول الخطاب الإعلامي إلى مقدمة للقتل. 

لكن مراسل فضائية عربية كان واحداً من الذين حضروا إلى مكان الاعتداء على الزملاء، وقد أدلى بشهادةٍ نقضت كل تلك الادعاءات الزائفة، إذ أكد أن "العدو الإسرائيلي وجه صاروخاً قرب السيارة الصحافية، وبعدما نزلت منها فتوني محاولة النجاة، استهدفت السيارة بصاروخين اثنين أديا إلى احتراقها بالكامل" مضيفاً أن "الأمر لم يتوقف عن هذا الحد إذ جرى استهداف سيارة ثانية لجأت إليها فاطمة بصاروخ أو صاروخين ما أدى إلى استشهادها مع شخصين آخرين".

وقبله فنّد مراسل "الميادين"، جمال الغربي، هذه الادعاءات في رسالة على الهواء من مكان الاغتيال موضحاً أن الاستهداف حصل من مسيرة بـ 4 صواريخ أطلقت نحو السيارة ونحو الأشخاص الذين كانوا يحاولون إسعاف الزملاء، حاملاً دروعهم التي كان من المفترض أن تحميهم.

وأخرج الغربي من السيارة المستهدفة معدات تصوير وخوذات ودروع صحافة وكوفية فلسطينية قال إنها لفاطمة فتوني تحملها دائماً معها في تنقلاتها.   

مزايدة... ليصير القتل قتلين!

  • الزميل في قناة المنار الشهيد علي شعيب
    الزميل في قناة المنار الشهيد علي شعيب

شهادات مراسل "الميادين" وصحافيين آخرين تابعوا تفاصيل الاعتداء ووثقوه ميدانياً، تؤكد بما لا يقبل الشك أن "إسرائيل" استهدفت الجميع على نحوٍ متعمد. وهذه الشهادات، لمن يطلب الدليل أو يزعم أن "إسرائيل" تبحث عن "ذرائع" لعمليات القتل، تقدم روايةً متماسكة لا تترك مجالاً للالتباس.

لم يُصرح أدرعي ولا جيش الاحتلال بأن اغتيال الزملاء علي شعيب وفاطمة ومحمد فتوني جرى بحجة "نقل السلاح". جهاز الإعلام الإسرائيلي، الذي لا يتورع عن الإعلان المسبق عن بعض جرائمه ولا يخجل من تنفيذها، لم يلصق بهم تلك التهمة، إنما وُلدت في خيال "الإبستينيين"، لتغدو مساهمةً في المجزرة، وكأن القتل الواحد لا يكفيهم، فسعوا إلى مضاعفته طلباً لحصةٍ من فعل الجريمة ليصير القتل قتلين.

يتغافل هؤلاء عن أن طاقماً طبياً كان في طريقه إلى موقع الغارة، قبل أن يتعرض بدوره لاعتداء جديد استُهدفت خلاله آليته بمسيرة، في ما يكشف نمطاً من الاستهداف الممنهج، والقتل المتعمد، وهو ما تقر كل الجمعيات الحقوقية والمنظمات العالمية بأنها جريمة حرب.    

قتل السردية

  • علي شعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني: شهداء حرب الصورة
    ترمي "حرب الصورة" التي أعلنها مؤخراً الناطق السابق باسم جيش الاحتلال إلى التمهيد لقتل كل من يزعزع صورة الكيان الإحلالي وتقويضها 

على امتداد عامين من الإبادة الإسرائيلية على غزة والحرب الضروس على لبنان عام 2024، بلغ عدد الصحافيين الذين استشهدوا إلى اليوم نحو 259 صحافياً، عدا عن الصحافيين الجرحى والمصابين. ومن بين هؤلاء 11 لبنانياً، استهدفوا إما وهم نيام أو خلال قيامهم بعملهم الميداني في تغطية مجريات الحرب في جنوب لبنان. 

5 من شهداء الصحافة اللبنانية هؤلاء ينتمون إلى قناة "الميادين" وهم: فرح عمر، ربيع المعماري، غسان نجار، محمد رضا، وحسين عقيل، إضافة إلى المصور في قناة "المنار"، وسام قاسم، إضافة إلى قافلة شهداء الصحافة التي ضمت اليوم علي شعيب وفاطمة فتوني وشقيقها محمد، وهذا خير دليلٍ على أن "إسرائيل" في حالة قتال (مادي) مع الإعلام الداعم للمقاومة، وبالأحرى الإعلام المقاوم، ويتعاطى معه على أنه طرف في الحرب.

تلاحق "إسرائيل" إذن إعلام المقاومة سعياً لقتل السردية المضادة له. السردية المقاوِمة التي توثق خسائره على الأرض، وتفنِّد أكاذيبه، وتقوض مزاعمه بالحجة والقرائن.

تؤكد الشهادات الميدانية أن الاستهداف كان متعمداً وممنهجاً، ولم يقتصر على الصحافيين، بل طال أيضاً الطواقم الطبية التي حاولت إنقاذهم، ما يكشف نمطاً واضحاً من القتل المقصود. 

ترمي "حرب الصورة" التي أعلنها مؤخراً الناطق باسم جيش الاحتلال إلى التمهيد لقتل كل من يزعزع صورة الكيان الإحلالي وتقويضها. استشهاد علي شعيب والأخوين فتوني هو قتلٌ للمخلصين للصورة على أيدي عرّابي الدعاية و(صورة) الاستعراض. استشهدوا لما أحدثوه من إرباكٍ لسردية العدو وإيلامٍ لمزاعمه في ميدان "حرب الصورة". رسالتهم وصلت، بالصوت والصورة والدم.

في اللغة العربية يبلغ مدلول الشهادة مستوى البلاغة. الشهيد هو من شهد على قضيته وبلغ موته من أجلها. على أن في شهادة الصحافيين، أي في استشهادهم، تتكثف الدلالة إذ يغدو واحدهم شهيداً ومشهوداً في آنٍ معاً، شاهداً على الحدث ومحمولاً في الوقت نفسه على كلفة الشهادة. هكذا، يصير من يغطي الخبر هو الخبر بذاته، ثمة تماهٍ مع المطلق هنا. 

القانون الدولي؟

  • يقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي بإعادة تأويل القانون الدولي ويفرغه من مضمونه الحمائي
    يقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي بإعادة تأويل القانون الدولي ويفرغه من مضمونه الحمائي

يعمد جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى استهداف أي طرفٍ يراه تهديداً أو خطراً عليه، بغض النظر عن طبيعته، مدنياً كان أم عسكرياً. يحظر قانون الحرب استهداف الصحافيين بوصفهم مدنيين، استناداً إلى مبدأ التمييز بين المدني والمقاتل، كما يوجب هذا القانون "احترام وحماية الصحافيين المدنيين العاملين في مهام مهنية في مناطق نزاع مسلح ما داموا لا يقومون بدور مباشر في الأعمال العدائية" (قاعدة 34 من القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، والمادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف). 

غير أن "إسرائيل" تواصل، على نحوٍ منهجي، تجاوز هذه القواعد في سلوكٍ همجي لا يعد إلا خرقاً صلفاً للقانون الدولي وحقوق الإنسان وقوانين الحرب.

تسعى "حرب الصورة" إلى إسكات السردية المضادة، عبر استهداف كل من يوثق الحقيقة، بحيث يصبح الإعلامي نفسه هدفاً، ويتحوّل من ناقل للحدث إلى الحدث ذاته.

هذا القتل المتعمد، والانتهاك الفادح، الذي يقترن بسردياتٍ تبريرية يجري اختلاقها لتسويغ الأفعال، عبر الادعاء بأن الصحافيين يشاركون في القتال، يفضي إلى نزع صفة الحماية عنهم وإخراجهم من دائرة المدنيين.

على هذا النحو، يقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي بإعادة تأويل القانون الدولي ويفرغه من مضمونه الحمائي بما يناسب هدفه الإبادي لتجريد كل من يقف ضده من صفته المدنية لنزع الحماية القانونية عنه تبريراً لقتله. 

ما قام به الصحافيون الشهداء هو فضح هذا الدور الإبادي، وهذا التمويه المخادع. كان حضورهم المهني شكلاً من أشكال الشهادة على الحقيقة في مواجهة محوها، وكان استشهادهم فداءً للحقيقة والأرض.     

اخترنا لك